هل يعود المشرق إلى العقل الاستراتيجي الأميركي؟

خلدون الشريفالاثنين 2026/07/27
الرئيس جوزاف عون الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض (Getty)
زيارة عون أكثر من محطة ثنائية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لا تُقاس أهمية بعض الزيارات الرسمية، ولا سيما إلى واشنطن، بما يُعلَن خلالها فحسب، بل بما تكشفه من تبدّل في طريقة تفكير القوى الكبرى. فالمؤتمرات الصحافية والبيانات المشتركة نادرًا ما تفسّر وحدها التحولات السياسية، بينما تكشف سياقات الزيارات، وترتيبها، وتوقيتها، عن اتجاهات أعمق لا تظهر إلا عند ربط الوقائع وجمع الخيوط.

من هذه الزاوية، تبدو زيارة الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى الولايات المتحدة أكبر من مجرد محطة في العلاقات اللبنانية–الأميركية. فعلى الرغم من الاهتمام الذي حظيت به ملفات اتفاق الإطار، ومستقبل العلاقات مع إسرائيل، ودعم الجيش اللبناني، فإن القيمة الحقيقية للزيارة قد لا تكمن فيما أُعلن خلالها، بقدر ما تكمن في السؤال الذي تطرحه: هل بدأت واشنطن تنظر مجددًا إلى لبنان باعتباره جزءًا من فضاء مشرقي مترابط، لا مجرد ملف منفصل تُدار أزماته على هامش صراعات المنطقة؟

هذا السؤال لا ينبع من زيارة عون وحدها، بل من سلسلة مؤشرات تراكمت خلال الأشهر الأخيرة، تجعل من الصعب النظر إلى كل تطور بمعزل عن الآخر.

 

لم تأتِ زيارة الرئيس اللبناني في فراغ. فقد سبقتها القمة التي جمعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع على هامش قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، ثم استقبال رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في واشنطن. وتزامن ذلك مع عودة الحديث عن إعادة تشغيل خطوط النفط التاريخية، والممرات الاقتصادية التي تربط العراق بسوريا وصولًا إلى البحر المتوسط، ومع تصاعد النقاش حول إعادة إعمار سوريا ولبنان، ومستقبل الترتيبات الأمنية التي أفرزتها الحرب الأميركية–الإيرانية الأخيرة.

قد تبدو هذه الملفات مستقلة إذا نُظر إلى كل واحد منها على حدة، لكنها، عند جمعها، ترسم صورة مختلفة. فواشنطن لا تبدو منشغلة بلبنان أو سوريا أو العراق كملفات منفصلة، بقدر ما توحي تحركاتها بأنها تختبر مقاربة تنظر إلى المشرق باعتباره فضاءً جيوسياسيًا واحدًا، تتداخل فيه اعتبارات الأمن والطاقة والاقتصاد وإعادة الإعمار.

ويكتسب هذا الانطباع أهمية إضافية إذا ما قورن بالسنوات الماضية، حين اتسمت السياسة الأميركية في المنطقة بالتعامل مع كل أزمة على أنها ملف مستقل، لكل منها أدواته وأولوياته، بعيدًا عن أي رؤية إقليمية جامعة.

 

ولعل أكثر ما لفت الانتباه خلال الأسابيع الماضية كان حديث الرئيس ترامب عن دور يمكن أن تؤديه القيادة السورية الجديدة في التعامل مع ملف حزب الله. فقد أبدى اقتناعًا بأن دمشق الجديدة تستطيع أن تضطلع بدور مختلف، بل أشار إلى أنها قد تكون أكثر دقة من إسرائيل في معالجة هذا الملف.

في المقابل، جاء وزير الخارجية ماركو روبيو أكثر تحفظًا. فقد أكد أن القيادة السورية الجديدة لا تنظر إلى حزب الله بوصفه حليفًا، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن أولويات دمشق تتركز على إعادة بناء الدولة السورية وترسيخ الاستقرار الداخلي، لا على الانخراط في مواجهة جديدة داخل لبنان.

قد يبدو الأمر تباينًا في التصريحات، لكنه يكشف في الواقع أن النقاش داخل الإدارة الأميركية لم يعد يدور حول لبنان وسوريا كلٌّ على حدة، بل حول كيفية توزيع الأدوار داخل فضاء إقليمي مترابط، حتى وإن اختلفت الآراء بشأن طبيعة هذه الأدوار وحدودها.

 

توم باراك وعودة الجغرافيا

ولعل الشخصية التي تجسد هذا التحول أكثر من غيرها هي المبعوث الأميركي توم باراك. فالرجل لا يتحرك بين بيروت ودمشق بوصفه وسيطًا في ملفين منفصلين، بل توحي تحركاته وتصريحاته بمقاربة تربط الأمن بالاقتصاد والطاقة وإعادة الإعمار.

وليس من قبيل المصادفة أن يتزامن حضوره مع عودة الحديث عن إعادة تأهيل خطوط الطاقة العابرة لسوريا، وربط العراق بالبحر المتوسط، واعتبار استقرار سوريا شرطًا لنجاح أي مشروع اقتصادي إقليمي، وربط إعادة إعمار لبنان بتعزيز مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل أراضيها.

وبهذا المعنى، يبدو باراك أقرب إلى مبعوث يتعامل مع المشرق كوحدة مترابطة، منه إلى مبعوث لملف لبناني أو سوري منفرد. فالمعادلة التي يطرحها لا تبدأ عند الحدود اللبنانية ولا تنتهي عندها، بل تمتد من أمن إسرائيل، إلى استقرار سوريا، إلى الممرات الاقتصادية، وصولًا إلى موقع لبنان في هذه المنظومة الإقليمية.

 

لقد أمضت الولايات المتحدة سنوات طويلة في إدارة أزمات المنطقة بطريقة مجزأة. فلبنان اختُزل في ملف حزب الله، وسوريا في الحرب الأهلية والعقوبات، والعراق في مكافحة الإرهاب، بينما عولجت ملفات الطاقة والتجارة في مسارات منفصلة.

لكن الحرب الأخيرة مع إيران أعادت الاعتبار إلى الجغرافيا. فقد كشفت أزمة مضيق هرمز هشاشة الاعتماد على ممر بحري واحد، وأعادت إلى الواجهة أهمية البحث عن بدائل برية تصل الخليج بالبحر المتوسط.

ومن هنا عاد الاهتمام بخطوط النفط القديمة، والسكك الحديدية، والموانئ، والممرات الاقتصادية، ليس باعتبارها مجرد مشاريع بنية تحتية، بل بوصفها أدوات لإعادة تشكيل الإقليم وربط دوله ضمن شبكة مصالح متبادلة.

فالجغرافيا لم تعد مجرد خلفية للصراع، بل أصبحت أحد محركات الاستراتيجية نفسها.

 

من الأمن إلى الاقتصاد… ومن الاقتصاد إلى السياسة

إذا كانت هذه المقاربة تتبلور فعلًا، فهي لا تقوم على الاقتصاد وحده. فالممرات التجارية تحتاج إلى استقرار سياسي، والاستقرار يحتاج إلى ترتيبات أمنية، وهذه بدورها تحتاج إلى دول قادرة على بسط سلطتها على أراضيها.

من هنا يصبح الربط بين لبنان وسوريا والعراق أكثر وضوحًا.

فاستقرار سوريا لم يعد شأنًا داخليًا فحسب، بل شرطًا لنجاح أي ممر اقتصادي يعبر أراضيها. ولبنان لم يعد يُقرأ فقط من زاوية القرار 1701 أو سلاح حزب الله، بل أيضًا من زاوية قدرته على استعادة مؤسسات الدولة، بما يسمح له بأن يكون جزءًا من شبكة إقليمية جديدة، بدل أن يبقى ساحة مفتوحة لتصفية الصراعات.

وهنا يمكن فهم الإصرار الأميركي على دعم الجيش اللبناني، وربط إعادة الإعمار بتعزيز مؤسسات الدولة، والنظر إلى الاستقرار اللبناني والسوري باعتبارهما عنصرين متلازمين في رؤية واحدة، لا ملفين منفصلين.

 

مشروع قيد التشكل

مع ذلك، سيكون من المبالغة القول إن الولايات المتحدة تمتلك اليوم مشروعًا متكاملًا لإعادة رسم المشرق.

فالمنطقة لا تزال مثقلة بعوامل التعطيل. فسوريا تواجه تحديات إعادة بناء الدولة، ولبنان يعيش أزمة مؤسسات غير مسبوقة، والعراق يواصل التوازن بين نفوذ قوى متعددة، فيما يبقى النفوذ الإيراني، رغم الضربات التي تلقاها، عنصرًا لا يمكن تجاوزه.

أما إسرائيل، فعلى الرغم من تقاطع مصالحها مع بعض أهداف واشنطن، فإن اعتمادها المستمر على القوة العسكرية، وتمسكها بحرية العمل الأمني داخل دول المنطقة، قد لا ينسجمان دائمًا مع متطلبات بناء فضاء إقليمي أكثر استقرارًا وترابطًا، يقوم على إعادة بناء الدول وفتح الممرات الاقتصادية، لا على إدارة الأزمات بالقوة وحدها.

 

لبنان…من ملف إلى موقع

إذا صح أن واشنطن بدأت تستعيد رؤية مشرقية للمنطقة، فإن السؤال الذي يواجه لبنان يتجاوز كثيرًا ملفاته التقليدية.

فالقضية لم تعد تقتصر على السلاح أو الحدود أو إعادة الإعمار، بل أصبحت تتعلق بموقع لبنان داخل مشرق يُعاد رسمه سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.

فالفرق كبير بين دولة تُدار أزماتها من الخارج، ودولة تشارك في صياغة الترتيبات الإقليمية الجديدة عبر مؤسساتها الشرعية. وفي عالم يعاد فيه رسم خرائط النفوذ والممرات الاقتصادية، قد تصبح قيمة الدول مرتبطة بقدرتها على الاندماج في محيطها، لا بعزل نفسها عنه.

قد لا تكون زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن قد حسمت الملفات اللبنانية العالقة، لكنها ربما كشفت تحولًا أعمق في طريقة التفكير الأميركي.

فاللقاءات المتتالية مع قيادات سوريا والعراق ولبنان، وتحركات توم باراك، والربط المتزايد بين الأمن والطاقة وإعادة الإعمار، كلها مؤشرات تستحق التوقف عندها، وإن لم تكن كافية بعد للحديث عن استراتيجية أميركية مكتملة.

لكنها تطرح سؤالًا يصعب تجاهله: هل يعود المشرق إلى العقل الاستراتيجي الأميركي بعد سنوات من تفكيكه إلى ملفات منفصلة؟

الجواب لم يُحسم بعد. غير أن ما يتبلور اليوم قد لا يكون مجرد مقاربة جديدة للبنان، بل بداية استعادة المشرق بوصفه وحدة استراتيجية في التفكير الأميركي. أما تأكيد ذلك أو نفيه، فستتكفل به تطورات الأشهر المقبلة، أكثر مما تكفلت به زيارة الرئيس جوزاف عون نفسه.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث