بعضُ الزّياراتِ الرّئاسيّةِ ليست مجرّدَ محطّاتٍ بروتوكوليّةٍ في سجلِّ العلاقاتِ الدّبلوماسيّة، بل تتحوّلُ إلى علاماتٍ سياسيّةٍ فاصلةٍ تُعيدُ رسمَ اتّجاهِ الدّولةِ وموقعِها في الإقليمِ والعالم. من هذا المنظار، تكتسبُ زيارةُ رئيسِ الجمهوريّةِ اللّبنانيّةِ العمادِ جوزاف عون إلى الولاياتِ المتّحدةِ الأميركيّةِ دلالاتٍ تتجاوزُ جدولَ اللّقاءاتِ الرسميّةِ، لأنّها تأتي في لحظةٍ إقليميّةٍ تشهدُ إعادةَ تشكيلٍ لموازينِ القوى، وفي مرحلةٍ داخليّةٍ انتقلَ فيها لبنانُ من منطقِ إدارةِ الانهيار إلى محاولةِ إعادةِ بناءِ الدّولة.
الحدثُ لا يُقاسُ بعددِ الاجتماعاتِ ولا بحجمِ البياناتِ المشتركة، بل بالمسارِ الّذي يُفتَحُ أمامَ لبنان. إنّه انتقالٌ تدريجيٌّ من دولةٍ كانت تُدارُ على هامشِ المجتمعين العربيّ والدّوليّ إلى دولةٍ تُحاولُ استعادةَ مكانتِها الطبيعيّةِ داخلَ منظومةِ العالمِ الحُرّ؛ أي عالمِ الدّساتيرِ، وسيادةِ القانونِ، واحتكارِ الدّولةِ للقوّةِ المشروعة، والاقتصادِ المنفتح، والمؤسّساتِ الفاعلة، والشّراكاتِ الاستراتيجيّة. غيرَ أنّ الرّمزيّةَ الأكبرَ لا تكمنُ في الزيارةِ بحدِّ ذاتِها، بل في تزامُنِها مع انطلاقِ تنفيذِ المناطقِ التّجريبيّةِ بالتّعاونِ مع مجموعةِ التّنسيقِ العسكريِّ الخاصّةِ بلبنان (MCG4L)، بما يجعلُ المسارَ السّياسيَّ والمسارَ السّياديّ وجهينِ لعمليّةٍ واحدةٍ عنوانُها إعادةُ بناءِ حالة الدَّولة اللبنانيّة الجديَّة، مع تجفيف منابع الدَّولة العميقة غير الدَّولتيَّة.
عاشَ لبنانُ لعقودٍ طويلةٍ في حالةِ ازدواجيّةٍ قاتلةٍ. دولةٌ دستوريّةٌ في النّصوص، وسلطاتٌ موازيةٌ في الواقع؛ مؤسّساتٌ رسميّةٌ في الشّكل، ومراكزُ قرارٍ خارجَ المؤسّساتِ في الممارسة. لذلك لم تكن الأزمةُ أزمةَ حكم فقط، ولا أزمةَ اقتصاديّة فحسب، ولا أزمة سيادة فقط، بل أزمةَ تعريفٍ للدّولةِ نفسِها. من هنا، فإنّ زيارةَ رئيسِ الجمهوريّةِ إلى واشنطن تُشكّلُ، في بعدها الرّمزيّ، إعلانًا بأنّ لبنانَ الرسميَّ قرّرَ إعادة إحياء التّواصل مع عواصم القرار، لا بوصفِه اصطفافًا أيديولوجيًّا، بل بوصفِه خيارًا سياديًّا لحمايةِ الدّولةِ واستقرارِها.
العودةُ إلى العالمِ الحُرِّ لا تعني الانخراطَ في محاورَ دوليّةٍ أو إقليميّة، أو الدخولَ في سياساتِ الاستقطاب، بل تعني العودةَ إلى منظومةِ القواعدِ الّتي تنظّمُ العلاقاتِ بين الدّول، حيثُ يكونُ الجيشُ اللّبنانيّ وقوى الأمن الدّاخلي وحدَهما مسؤولين عن الأمنِ، والدّستورُ وحدَه مصدرَ الشّرعيّةِ، والقضاءُ وحدَه مرجعَ العدالةِ، والحكومةُ وحدَها صاحبةَ المسار السّيادي التنفيذيّ. إنّ هذه الرّمزيّةَ تُعيدُ الاعتبارَ إلى الفكرةِ الّتي تأسّسَت عليها دولة لبنانُ الكبير، وهي أنّ حريّتَه لا تُصانُ إلّا من خلالِ انتمائِه إلى الفضاءِ الدّيموقراطيِّ المنفتح، لا إلى فضاءاتِ الدّولِ العقائديّةِ الثيوقراطيَّة/ الأوتوقراطيَّة، أو المشاريعِ الإمبراطوريّةِ، أو السّاحاتِ المفتوحةِ للصّراعاتِ الإقليميّة-الدّوليّة.
لعلَّ ما يمنحُ هذه المرحلةَ وزنَها الاستراتيجيَّ هو أنّها لا تقومُ على الوعودِ، بل على الانتقالِ إلى التّنفيذ. إطلاقُ المناطقِ التّجريبيّةِ مع مجموعةِ التّنسيقِ العسكريِّ الخاصّةِ بلبنان ليس مشروعًا أمنيًّا محدودًا، وإنّما اختبارٌ عمليٌّ لقدرةِ الدّولةِ على استعادةِ وظائفِها الأساسيّةِ فوقَ الأرض. السيادةُ لا تُقاسُ بالخطبِ ولا بالشّعاراتِ، بل تُقاسُ بقدرةِ المؤسّساتِ الرسميّةِ على إدارةِ الأرضِ والسّكانِ والحدودِ والأمنِ والخدمات. من هنا، فإنّ نجاحَ هذه المناطقِ التّجريبيّةِ سيشكّلُ البرهانَ الأوّلَ على أنّ استعادةَ الدّولةِ ليست مجرّدَ خطابٍ سياسيّ، بل سياسةٌ عامّةٌ قابلةٌ للتّنفيذ.
إذا كانتِ الإصلاحاتُ الاقتصاديّةُ تحتاجُ إلى ثقةِ الأسواق، فإنّ الإصلاحاتِ السّياديّةَ تحتاجُ أوّلًا إلى ثقةِ المواطنين/ات. لا تُبنى هذه الثّقةُ إلّا عندما يشعرُ اللّبنانيّون/ات بأنّ القانونَ أصبحَ أعلى من الجميع، وأنّ المؤسّساتِ بدأت تستعيدُ احتكارَها للوظائفِ العامّةِ الّتي خُصِّصت لها في الدّستور. إنّ العلاقةَ بين زيارةِ الولايات المتحدة الأميركية وإطلاقِ المناطقِ التّجريبيّةِ ليست علاقةَ تزامنٍ زمنيٍّ فقط، بل علاقةُ تكاملٍ سياسيّ. الدّعمُ العربيّ-الدّوليُّ يصبحُ بلا معنى إذا لم يُترجمْ إلى سياساتٍ تنفيذيّةٍ داخلَ لبنان، كما أنّ الإصلاحاتِ الدّاخليّةَ تصبحُ هشّةً إذا بقيت معزولةً عن شبكةِ الشّراكاتِ العربيّة-الدّوليّةِ القادرةِ على حمايتِها ومواكبتِها. من هنا، يمكنُ قراءةُ الزيارةِ باعتبارِها انتقالًا من سياسةِ إدارةِ الأزمةِ إلى سياسةِ إدارةِ الفرصة. المنطقةُ كلُّها تشهدُ إعادةَ تشكيلٍ للتّوازنات، والدّولُ الّتي تُحسنُ قراءةَ المتغيّراتِ هي الّتي تتحوّلُ إلى شركاءَ في صناعةِ المستقبل، أمّا الدّولُ الّتي تبقى أسيرةَ الماضي فتتحوّلُ إلى ساحاتٍ تُدارُ من الخارج.
دفعَ لبنانُ أثمانًا باهظةً نتيجةَ تحويلِه إلى ساحةٍ مفتوحةٍ لتقاطعِ المشاريعِ الإقليميّة. يبدو اليوم أنّ الفرصةَ أصبحت متاحةً لإعادةِ تعريفِه بوصفِه دولةً طبيعيّةً لا وظيفةَ لها إلّا خدمةُ مواطناتها ومواطنيها، ولا رسالةَ لها إلّا حمايةُ حريّاتهم، ولا مشروعَ لها إلّا بناءُ دولةِ حكم القانون. في هذا السّياق، تبرزُ أهمّيّةُ مجموعةِ التّنسيقِ العسكريِّ الخاصّةِ بلبنان باعتبارِها إطارًا لتكاملِ الدّعمِ الأمنيِّ والعسكريِّ مع مشروعِ بناءِ المؤسّسات، لا كبديلٍ عنها، مع موجب ترجمتها بقوّات متعدّدة الجنسيّة فاعِلة أكثر منه شكليّة. الخبرةُ الدّوليّةُ لا تُنتجُ سيادةً إذا لم توجدْ إرادةٌ وطنيّةٌ، لكنّ الإرادةَ الوطنيّةَ تصبحُ أكثرَ قدرةً على الإنجازِ عندما تستندُ إلى شراكاتٍ مهنيّةٍ قائمةٍ على المعاييرِ لا على الولاءات.
لا ينبغي فهمُ هذه المرحلةِ بمنطقِ الانتصارِ على أيّ فريقٍ، بل بمنطقِ انتصارِ الدّولةِ على الفراغ. فكلُّ دولةٍ تستعيدُ سيادتَها الحقيقيّةَ تُحرّرُ جميعَ مواطناتها ومواطنيها، بمن فيهم المختلفون/ات سياسيًّا، لأنّ سيادةَ القانونِ هي الضّمانةُ الوحيدةُ للمساواةِ بين الجميع. لذلك، فإنّ نجاحَ المناطقِ التّجريبيّةِ سيكونُ نجاحًا لفكرةِ الجمهوريّةِ نفسِها، لا لفريقٍ سياسيٍّ بعينِه. حين تنجحُ الدّولةُ في إثباتِ قدرتِها على إدارةِ منطقةٍ واحدةٍ وفقَ أعلى معاييرِ الحوكمةِ والسّيادة الواحِدة والخدمات، تصبحُ قادرةً على تعميمِ هذا النّموذجِ تدريجيًّا على بقيّةِ أراضيها.
لن يكونَ التّحدّيَ الحقيقيَّ في إطلاقِ المشاريع، بل في حماية هذه الأخيرة من ثقافةِ التّعطيلِ الّتي حكمتِ الحياةَ العامّةَ لعقود. كلُّ مشروعِ إصلاحٍ في لبنان كان يصطدمُ إمّا بالمحاصصة، أو بالفساد، أو بازدواجيّةِ السّلطة، أو بتضاربِ الولاءات. أمّا اليوم، فإنّ الرّهانَ هو على بناءِ نموذجٍ جديدٍ يُثبتُ أنّ المؤسّساتِ قادرةٌ على الإنجازِ عندما تُتركُ تعملُ وفقَ قواعدِها الدّستوريّةِ. لعلَّ أهمَّ ما في هذه المرحلةِ أنّها تُعيدُ تعريفَ العلاقةِ بين السِّيادة والسّياسة. الأمنُ السِّياديّ لم يعدْ مجرّدَ انتشارٍ عسكريّ، وإنّما أصبحَ شرطًا للتّنميةِ والاستثمارِ والعودةِ الاقتصاديّة. كلُّ مالٍ يدخلُ إلى لبنان يحتاجُ أوّلًا إلى بيئةٍ آمنةٍ ومستقرّةٍ وقابلةٍ للتوقّع. لذلك، فإنّ استعادةَ السّيادةِ ليست مطلبًا سياديًّا فقط، بل شرطٌ اقتصاديٌّ تنمويّ إعماريّ أيضًا.
ثُمَّ أنّ زيارةَ رئيسِ الجمهوريّةِ إلى الولايات المتحدة الأميركيّة، وبعدها زيارة رئيس الحكومة إلى زوطر الغربيّة، تحملان رسالةً إلى اللّبنانيّين/ات، مفادُها أنّ وطنَهم يحاولُ العودةَ إلى البيئةِ الّتي ينتمون إليها ثقافيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا، بيئة الدّولة وامتِدادها في العالم الحرّ. الاغترابُ اللّبنانيُّ ازدهرَ داخلَ العالمِ الحُرّ، واستثمرَ في اقتصادِه، ونجحَ ضمن مؤسّساتِه، ومن الطّبيعيِّ أن يكونَ شريكًا في إعادةِ وصلِ لبنانَ بهذه المنظومة. لكنّ العودةَ إلى العالمِ الحُرِّ لا تُختصرُ بعلاقاتٍ خارجيّةٍ متينة، بل تبدأُ من إصلاحِ الدّاخل. لا يمكنُ لدولةٍ أن تطلبَ ثقةَ العالمِ وهي عاجزةٌ عن إصلاحِ إدارتِها، أو تحديثِ قضائِها، أو ضبطِ ماليتِها العامّة، أو حمايةِ حدودِها، أو فرضِ قوانينِها على الجميع.
من هنا، فإنّ الرّسالةَ الأعمقَ لهذه المرحلةِ هي أنّ الإصلاحَ والسّيادةَ لم يعودا مسارينِ منفصلين، بل أصبحا مشروعًا وطنيًّا واحدًا، مع موجب تطبيق الدّستور بكامِل مندرجاتِه. فلا إصلاحَ بلا دولة، ولا دولةَ بلا سيادة، ولا سيادةَ بلا مؤسّسات، ولا مؤسّساتَ بلا شراكةٍ فعّالةٍ مع المجتمعين العربي والدّوليِّ الذي يؤمن بقيمِ الحرّيّةِ والدّيموقراطيّةِ وحكمِ القانون، لا دولة دون دستور. يقفُ لبنانَ اليومَ أمامَ فرصةٍ تاريخيّةٍ نادرة. فإمّا أن يُحسنَ استثمارَ الرّمزيّةِ السّياسيّةِ لزيارةِ رئيسِ الجمهوريّةِ وزخم الحكومة اللّبنانيّة ورئيسها، وما رافقَهما من انتقالٍ إلى تنفيذِ المناطقِ التّجريبيّةِ، فيؤسّسَ لعودةٍ تدريجيّةٍ إلى موقعِه الطبيعيِّ إلى الدّولة والعالمِ الحُرّ، وإمّا أن يُهدرَ هذه الفرصةَ كما أُهدرت فرصٌ كثيرةٌ في العقودِ الماضية. العودةُ إلى الدّولة والعالمِ الحُرِّ ليست رحلةَ سفرٍ أو زيارة إلى عاصمةٍ كبرى أو منطقة تجريبيّة، وإنّما رحلةُ عودةٍ إلى جوهرِ الدّولةِ اللبنانيّةِ نفسها؛ دولةٍ حرّةٍ، سيّدةٍ، مستقلّةٍ، دستوريّةٍ، قادرةٍ، وعادلةٍ. عندما يلتقي القرارُ السّياسيُّ مع الإرادةِ الوطنيّةِ، ويتكاملُ الدّعمُ العربيّ والدّوليُّ مع بناءِ المؤسّسات، يصبحُ المستقبلُ أقلَّ غموضًا، وتتحوّلُ الرّمزيّةُ إلى واقعٍ، والوعودُ إلى سياساتٍ، والدّولةُ إلى حقيقةٍ يعيشُها المواطنُ/ة كلَّ يوم.




