"المرحلة التجريبية" ليست على ما يرام: تسريبات إسرائيلية خطرة

مانشيت - المدنالاثنين 2026/07/27
Image-1785148412.Jpg
زوطر الغربية، في هذا السياق، ليست قرية تحت الاختبار. (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يُنهِ انطلاق المرحلة الأولى من ترتيبات "المناطق التجريبية" في زوطر الغربية حالة التصعيد الإسرائيلي جنوبًا. وتبيّن في الساعات الأخيرة أن الآلية برمّتها تسير على أرضية هشّة للغاية. فالإشارات الواردة من تل أبيب، عبر أركان السياسة والإعلام العبري، لا تترك مجالًا للشكّ في أن إسرائيل تتخذ من ملف "اختبار قدرة الجيش اللبناني" ذريعة لتثبيت واقع أمني دائم، وهو ما واجهه لبنان بمواقف متشدّدة وموجة متصاعدة من الارتياب والشكوك.

القراءة الإسرائيلية لترتيبات المرحلة التجريبية تبدو مغايرة تمامًا لما جرى التفاهم عليه، إذ تحوّلت الخطة، على الأرجح، من ممرّ نحو الانسحاب إلى أداة لكسب الوقت وتثبيت الاحتلال. فقد أبلغ بنيامين نتنياهو وزراء الكابينت، قبيل مغادرته إلى واشنطن، أنه سيعارض بـ"حزم" أي مطالب أميركية بالانسحاب من جنوب لبنان وسوريا وغزة، واضعًا سقفًا معقّدًا لأي تفاوض مرتقب. كذلك، أعلن وزير المال بتسلئيل سموتريتش صراحة عن توجّه إلى إنشاء "غلاف أمني يمتد من بئر السبع شمالًا حتى رأس الناقورة جنوبًا"، فيما واصلت وسائل الإعلام العبرية كشف تفاصيل إقامة خط دفاعي متعدّد الطبقات يسيطر على التلال الحاكمة بعمق عشرة كيلومترات، مثل علي الطاهر. وجاء تقرير صحيفة "معاريف" ليقدّر أن انتشار الجيش اللبناني سيستغرق "سنوات بسبب محدودية قدراته". وهي قراءة إعلامية أمنية تمهّد لإبقاء السيطرة الإسرائيلية تحت شعار عدم جاهزية القوات الشرعية اللبنانية.

فوق ذلك، جاء اليوم تقرير مركز "ألما" الإسرائيلي ليعلن أن حزب الله يعود إلى زوطر الغربية بمؤسّساته المدنية، تحت أعين الجيش اللبناني وبمواكبته. وهذا تسريب ينطوي على مغزى بالغ الخطورة، لأنه يعني دائمًا وجود ذريعة لدى إسرائيل للبقاء بحجّة وجود الحزب.

وأمام هذا التصلّب الإسرائيلي، تصاعدت نبرة التحذير والشكوك داخل مؤسّسات القرار الرسمي في بيروت. وبعدما أصدر الجيش اللبناني أمس بيانًا حازمًا اتهم فيه القوات الإسرائيلية بـ"العرقلة الممنهجة" لـ"الاتفاق الإطاري"، عبر القصف والتجريف وتدمير المنشآت، كمشروع مياه الليطاني في مركبا، وإطلاق النار قرب نقاط انتشار الجيش في زوطر الغربية لتعطيل مهماته وتأخير عودة الأهالي، كرّر رئيس مجلس النواب نبيه بري عدم تفاؤله بالتوصّل إلى نتائج حاسمة عبر اتفاق الإطار، معتبرًا أن الخروقات اليومية في زوطر الغربية أكبر دليل على التعطيل الإسرائيلي، ومؤكدًا أن مرونته مرتبطة حصرًا بانسحاب كامل ووقف دائم لإطلاق النار.

وواصل رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام اتصالاتهما مع واشنطن وباريس لمحاصرة الخروق الإسرائيلية، متمسّكين بفرض جدول زمني للانسحاب، ورافضين محاولات تل أبيب فرض شروط أمنية تمسّ بالسيادة الوطنية، كدخول القرى والمنازل للتفتيش. ووجد "حزب الله" في التعثّر الميداني في زوطر الغربية تأكيدًا لرؤيته المشكّكة أساسًا. وقال إن المسار الذي دخلت فيه السلطة "حافل بالألغام" ولم يحقّق انسحابًا. ولذلك، لا نقاش في ملف السلاح قبل الانسحاب الإسرائيلي الشامل وغير المشروط من الأراضي المحتلّة كلّها.

هذه المعطيات الميدانية والسياسية تشي بأن المرحلة التجريبية "ليست على ما يرام". وبينما تحاول بيروت استخدام الخطة كممرّ إجباري نحو الانسحاب الشامل وإعادة الإعمار، تحوّلها تل أبيب بالنار إلى حزام أمني واختبار تعجيزي مفتوح بلا أفق. ومع اقتراب جولة مفاوضات روما في 4 آب، يجد الرعاة الدوليون أنفسهم أمام حقيقة واحدة، إمّا فرض ضغط مباشر يلزم إسرائيل بوقف تصعيدها العسكري والانسحاب، وإمّا إعلان الموت المبكر لاتفاق الإطار والعودة إلى القعر ميدانيًّا.

 

اتفاق تحت النار لا اختبار عسكري محايد

المشكلة الأساسية في ترتيبات زوطر الغربية لا تكمن في بطء التنفيذ أو في صعوبات الانتشار الميداني، بل في التناقض بين الهدفين اللبناني والإسرائيلي. فبيروت تتعامل مع "المناطق التجريبية" باعتبارها مرحلة انتقالية يُفترض أن تفضي إلى تثبيت وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وعودة الأهالي، وبسط سلطة الدولة. أمّا تل أبيب، فتتعامل معها بوصفها امتحانًا مفتوحًا تستطيع تمديده كلما أرادت، وربط نتائجه بمعايير أمنية تضعها وحدها.

هنا يتحوّل الاتفاق من آلية تنفيذية واضحة إلى مسار مشروط لا نهاية له. فكل انتشار للجيش اللبناني يمكن أن يُقابل بادّعاء إسرائيلي عن وجود منشأة أو عنصر أو مؤسسة مرتبطة بحزب الله، وكل عودة مدنية يمكن أن تُقدّم بوصفها عودة للبنية التنظيمية للحزب. وبذلك تصبح إسرائيل الخصم والحكم معًا، وتمنح نفسها صلاحية تحديد نجاح التجربة أو فشلها، وتوقيت الانسحاب، وحدود السيادة اللبنانية المسموح بها.

بيان الجيش اللبناني كشف هذا الخلل بوضوح. فالجيش لا يواجه فراغًا أمنيًّا فحسب، بل يعمل تحت القصف وإطلاق النار والتجريف وتفجير المنازل والمنشآت. وعندما تُطلق القوات الإسرائيلية النار قرب نقاط تمركزه في كفرتبنيت والنبطية الفوقا وزوطر الغربية، فإنها لا تختبر قدرته، بل تعرقلها ميدانيًّا، ثم تستخدم نتائج العرقلة للطعن في جاهزيته.

 

تدمير شروط الاستقرار قبل المطالبة بها

لا يمكن فصل تفجير مشروع المياه التابع للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني في مركبا، أو إحراق أشجار الزيتون والأراضي الزراعية، عن المعركة السياسية حول مستقبل الجنوب. فهذه العمليات تستهدف مقوّمات العودة، لا المواقع العسكرية وحدها. وهي تؤدي عمليًّا إلى جعل القرى أقل قابلية للحياة، وإبقاء السكان في حالة نزوح أو عودة جزئية وهشّة.

بهذا المعنى، لا يبدو التدمير نتيجة جانبية للعمليات العسكرية، بل وسيلة ضغط تفاوضية. فإسرائيل تريد جنوبًا منزوع القدرة على التعافي، يحتاج في كل تفصيل إلى موافقة أمنية أو ضمانة خارجية. وكلما تعطّلت المياه والزراعة والمساكن والأسواق، ازدادت قدرة الاحتلال على فرض معادلة تقول إن الانسحاب الكامل سابق لأوانه، وإن المنطقة تحتاج إلى رقابة طويلة الأمد.

وتكتسب تحذيرات الرئيس جوزاف عون أهميتها من هذه الزاوية. فحديثه عن "نوايا مبيّتة ضد البشر والحجر" لا يندرج في إطار الإدانة الخطابية فقط، بل يصف محاولة لتعديل الواقع الديموغرافي والعمراني جنوبًا. كما أن توثيق الانتهاكات المحتمل تصنيفها جرائم حرب، بالتعاون مع مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، يشكّل أحد المسارات القليلة المتاحة للبنان لنقل الملف من خانة الخروقات اليومية إلى خانة المساءلة الدولية.

 

"ألما" وصناعة الذريعة الدائمة

تقرير مركز "ألما" الإسرائيلي ليس تفصيلًا إعلاميًّا منفصلًا عن التحركات العسكرية. فالمركز يحاول توسيع تعريف الوجود العسكري لحزب الله ليشمل مؤسّساته الصحية والاجتماعية والمدنية. وبحسب هذه المقاربة، لا تكفي مصادرة السلاح أو إزالة المواقع العسكرية، بل ينبغي أيضًا استهداف البيئة الخدماتية والتنظيمية التي يتحرّك الحزب من خلالها.

خطورة هذه النظرية أنها تجعل أي عودة اجتماعية إلى الجنوب موضع اتهام. فالهيئة الصحية الإسلامية، وفق الرواية الإسرائيلية، ليست جهة تشارك في انتشال الجثامين فحسب، بل جزء من منظومة عسكرية متكاملة. وبناءً عليه، يمكن لتل أبيب الادّعاء أن عودة سيارات إسعاف أو فرق صحية أو مؤسّسات إعمار تعني فشل الجيش اللبناني في تنفيذ التزاماته.

هذا المنطق يضع الدولة اللبنانية أمام اختبار تعجيزي. فهي مطالبة ببسط سلطتها، ولكن ضمن تعريف إسرائيلي للسيادة يفرض عليها تفكيك شبكات اجتماعية ومدنية واسعة، من دون أن يقدّم في المقابل التزامًا واضحًا بالانسحاب. والنتيجة أن إسرائيل تحتفظ بحق التدخل كلما رأت نشاطًا لا يطابق تصورها، حتى لو جرى النشاط تحت أنظار الجيش اللبناني.

 

موقف لبناني موحّد رغم اختلاف الحسابات

على الرغم من التباينات الداخلية بشأن اتفاق الإطار ومستقبل سلاح حزب الله، تتقاطع مواقف الرؤساء الثلاثة والجيش والحزب عند أولوية الانسحاب ووقف الاعتداءات. بري يرفض تحويل المرونة التفاوضية إلى قبول بتفاوض سياسي مباشر أو تسوية تنتقص من السيادة. وعون وسلام يحاولان انتزاع ضمانات أميركية وفرنسية وجدول زمني واضح. أمّا حزب الله، فيستخدم التعثّر ليؤكد أن البحث في سلاحه قبل الانسحاب سيمنح إسرائيل مكسبًا مجانيًّا.

لكن هذا التقاطع لا يلغي الخطر الداخلي. فاستمرار الاحتلال يجمّد أي نقاش لبناني جدي بشأن الاستراتيجية الدفاعية، ويمنح الحزب حجّة قوية للاحتفاظ بسلاحه، فيما تستخدم إسرائيل هذا السلاح لتبرير بقائها. وهكذا يدخل لبنان في دائرة مغلقة، الاحتلال يؤجّل معالجة السلاح، والسلاح يُستخدم لتبرير الاحتلال.

المطلوب، إذًا، ليس إخفاء الخلاف اللبناني، بل منع إسرائيل من استخدامه لإعادة ترتيب الجنوب وفق مصالحها. وهذا يقتضي موقفًا رسميًّا موحّدًا يربط أي التزام لبناني بجدول انسحاب واضح، وآلية مراقبة دولية، وحظر صريح للأعمال العسكرية والتجريف والتفتيش داخل القرى.

 

روما بين إنقاذ الإطار وتشييع التسوية

جولة روما المقبلة لن تكون اجتماعًا تقنيًّا عاديًّا، بل اختبارًا لقدرة الرعاة الدوليين على منع إسرائيل من تحويل المرحلة التجريبية إلى احتلال طويل الأمد. فإذا دخل المفاوضون الاجتماع من دون سقف زمني للانسحاب ومن دون آلية لمحاسبة الطرف الذي يخرق التفاهمات، ستصبح الجولة غطاءً دبلوماسيًّا لاستمرار العمليات العسكرية.

المعادلة باتت واضحة، نجاح الاتفاق لا يُقاس بعدد النقاط التي ينتشر فيها الجيش اللبناني وحده، بل بمدى تراجع الاحتلال وعودة السكان وتوقّف التدمير. أمّا مطالبة الجيش بإثبات قدرته، بينما يُستهدف وتُقصف مناطق انتشاره، فهي وصفة مقصودة لإنتاج الفشل.

زوطر الغربية، في هذا السياق، ليست قرية تحت الاختبار، بل نموذج للصراع على تعريف المرحلة المقبلة. لبنان يريدها بوابة لاستعادة السيادة، وإسرائيل تريدها مختبرًا لحزام أمني متحرّك. وبين المشروعين، لا يبقى أمام الوسطاء سوى خيار حاسم، إلزام تل أبيب بالانسحاب ووقف النار، أو الاعتراف بأن "اتفاق الإطار" تحوّل إلى إطار سياسي لاحتلال بلا نهاية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث