تقاطعت المعطيات الميدانية والسياسية، لتوحي بأن مسار "المرحلة التجريبية جنوباً يتجه إلى المزيد من الهشاشة، وسط تأكيدات إسرائيلية منتظمة على رفض الانسحاب من الجنوب. ونقلت "القناة 12" الإسرائيلية عن مصادر، أن بنيامين نتنياهو سيعبّر في زيارته لواشنطن عن معارضته للمطلب الأميركي بالانسحاب من جنوب لبنان وسوريا. ويأتي هذا الموقف وسط إصرار إسرائيلي على مواصلة عمليات التفجير العنيفة، وبكثافة متصاعدة، في العديد من مناطق الجنوب، ولاسيما كفرتبنيت والطيبة ومجدل زون، فيما تواصل القصف على علي الطاهر وبلدات في النبطية، فيما شنّ الطيران المسير غارة على المنطقة الواقعة بين النبطية الفوقا وميفدون.
وإذ عبّرت إسرائيل عبر العديد من مسؤوليها ووسائل الإعلام عن شكوكهم بقدرة الجيش اللبناني على تنفيذ خطط الانتشار بالكامل في الجنوب، وقدرت معاريف أن هذا "سيستغرق سنوات"، أوردت هيئة البث الإسرائيلية "كان" أن الجيش اللبناني عثر للمرة الأولى على مستودع أسلحة تابع لحزب الله في منطقة نموذجية.
واتّهم الجيش اللبنانيّ إسرائيل بعرقلة تنفيذ "الاتفاق الإطاريّ"، من خلال مواصلة عمليّات القصف وتجريف الأراضي وتدمير المنازل في عدد من المناطق الجنوبيّة، معتبرًا أنّ هذه الاعتداءات والخروقات تحول دون استكمال انتشاره، وتمنع عودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم، وتعرقل إرساء الاستقرار في الجنوب.
وقال الجيش، في بيان، إنّ "قوّات الاحتلال الإسرائيليّ تواصل اعتداءاتها وخروقاتها للتفاهمات القائمة والقوانين الدوليّة، عبر التدمير الممنهج للمنازل، وتجريف الأراضي، والقصف، والتمشيط بالأسلحة الرشّاشة في عدّة مناطق جنوبيّة".
وأضاف أنّ "استمرار هذه الاعتداءات يعوق استكمال انتشار الجيش وفق التفاهمات القائمة، ويمنع عودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم، وإرساء الاستقرار في الجنوب".
اعتداءات وتفجير وحرق للأراضي الزراعيّة
وأوضح البيان، الذي صدر قبل الجلسة السابعة من المفاوضات المقرّر عقدها مطلع الشهر المقبل في روما، أنّ الاستهدافات الإسرائيليّة طالت بلدة كفرتبنيت في محافظة النبطيّة، وبلدتي حداثا وكونين في قضاء بنت جبيل، ومنطقة نبع إبل السقي، إضافة إلى بلدات المنصوري وبيوت السيّاد ومجدل زون في قضاء صور.
وأشار الجيش إلى أنّ القوّات الإسرائيليّة نفّذت عمليّة تفجير استهدفت مشروع المياه التابع للمصلحة الوطنيّة لنهر الليطاني في بلدة مركبا، في قضاء مرجعيون.
كما أحرقت القوّات الإسرائيليّة أشجار زيتون معمّرة ومساحات واسعة من الأراضي الزراعيّة، كان آخرها عند أطراف بلدة عيترون في قضاء بنت جبيل، وفق البيان.
وأضاف الجيش أنّ القوّات الإسرائيليّة أطلقت النار قرب نقاط تمركزه في كفرتبنيت، والنبطيّة الفوقا، وزوطر الغربيّة، ما يعرقل تنفيذ مهمّاته.
وفي المقابل، أكّد الجيش أنّه يواصل مواكبة عودة الأهالي إلى بلدة زوطر الغربيّة، وينفّذ مهمّاته داخل البلدة حفاظًا على سلامة المواطنين، إلى جانب استمرار عمليّاته في منطقتي فرون وصريفا.
توغّل إسرائيليّ في زوطر الغربيّة
وفي تطوّر ميدانيّ خطير، توغّلت، أمس، آليّة إسرائيليّة ترافقها قوّة من جنود المشاة في الحيّ الشرقيّ من بلدة زوطر الغربيّة، المتداخل مع بلدة زوطر الشرقيّة، في خرق جديد داخل المنطقة.
ويأتي هذا التوغّل في ظلّ استمرار التوتّر الميدانيّ في جنوب لبنان، وتبادل الاتّهامات بشأن تعطيل تنفيذ التفاهمات المتعلّقة بالانتشار والانسحاب وإعادة الاستقرار إلى المناطق الحدوديّة.
نتنياهو يرفض مطالب الانسحاب
في موازاة ذلك، قال رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو لوزراء المجلس الوزاريّ المصغّر، "الكابينت"، قبيل مغادرته إلى الولايات المتّحدة، إنّه سيرفض المطالب الأميركيّة بتنفيذ انسحابات من غزّة وسوريا ولبنان.
ونقلت "القناة 13" العبريّة عن مصادر قولها إنّ نتنياهو أبلغ الوزراء بأنّه "ينوي الوقوف بحزم ومعارضة ذلك".
من جهتها، أفادت صحيفة "معاريف" العبريّة بأنّ الجيش الإسرائيليّ يسيطر حاليًّا على شريط يمتدّ لنحو عشرة كيلومترات، من الخطّ الأزرق وصولًا إلى سلسلة من التلال المشرفة، من بينها منطقة علي الطاهر، إضافة إلى منطقتي رأس البيّاضة ومجدل زون غربًا.
وبحسب التقرير، أقام الجيش الإسرائيليّ منظومة دفاع متعدّدة الطبقات، يعتمد خطّها الأماميّ على قوّات متحرّكة ووسائل مراقبة، بهدف إنشاء منطقة منزوعة السلاح تمنع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتّجاه إسرائيل.
عون وماكرون يدعوان إلى وقف الاعتداءات
دبلوماسيًّا، أكّد الرئيس اللبنانيّ جوزاف عون ونظيره الفرنسيّ إيمانويل ماكرون ضرورة وضع حدّ للاعتداءات الإسرائيليّة في جنوب لبنان.
وجاء ذلك خلال اتّصال هاتفيّ بين الرئيسين، بحثا خلاله الأوضاع العامّة في لبنان والمنطقة، في ضوء التطوّرات الأخيرة، وفق بيان صادر عن رئاسة الجمهوريّة اللبنانيّة.
وقالت الرئاسة إنّ عون أطلع ماكرون على نتائج زيارته إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة، والمحادثات التي أجراها مع الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب وعدد من المسؤولين.
وأضافت أنّ المحادثات تناولت الوضع في لبنان، ومرحلة ما بعد الاتفاق على صيغة الإطار، إلى جانب مسار تنفيذها.
جنبلاط يحذّر من طمس ذاكرة الجنوب
في سياق متّصل، حذّر الرئيس السابق للحزب التقدّميّ الاشتراكيّ في لبنان، وليد جنبلاط، من محاولات طمس ذاكرة الجنوب وجبل عامل.
وقال جنبلاط، في منشور عبر حسابه على منصّة "إكس"، إنّ "أهمّ شيء ألّا تضيع ذاكرة الجنوب وجبل عامل في التعايش والنضال والصمود والفكر والثقافة والعلم والتمسّك بالأرض".
وأضاف أنّ "أهمّ شيء ألّا يعود بعض المنحرفين فكريًّا وسياسيًّا إلى مخطّطات ومؤامرات الوكالة الصهيونيّة في أواسط القرن العشرين".
وأرفق جنبلاط منشوره بصورة لرجل مسنّ يقف إلى جانب كلبه، فيما بدا الرجل منحنيًا نحوه وكأنّه يحدّثه، في مشهد يعكس علاقة من الثقة والارتباط بينهما.
خامنئي: "الجهاد والمقاومة" هما الخيار
إقليميًّا، وجّه المرشد الإيرانيّ الأعلى، مجتبى خامنئي، رسالة إلى حزب الله، أكّد فيها أنّ طهران كانت قد وضعت إنهاء العدوان الإسرائيليّ على لبنان شرطًا أساسيًّا لإبرام مذكّرة التفاهم مع الولايات المتّحدة.
وجاءت رسالة خامنئي ردًّا على رسالة قدّم فيها حزب الله "البيعة"، وفق ما أوردته وسائل إعلام إيرانيّة.
وقال خامنئي إنّ إيران وضعت الحفاظ على وحدة الأراضي اللبنانيّة شرطًا لإبرام مذكّرة التفاهم مع واشنطن، التي وُقّعت إلكترونيًّا الشهر الماضي، قبل إعلان الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، في الثامن من يوليو، إنهاء وقف إطلاق النار.
وفي إشارة إلى اللبنانيّين الذين يواجهون استمرار الاعتداءات الإسرائيليّة، شدّد خامنئي على أنّ طهران "جعلت من الدفاع عن هؤلاء المجاهدين المظلومين المقتدرين سياسة استراتيجيّة ثابتة لها"، وفق تعبيره.
وأكّد أنّ "الجهاد والمقاومة" يمثّلان الخيار لمواجهة الولايات المتّحدة، مشيدًا بما وصفه بـ"صمود حزب الله"، ومعتبرًا أنّ الحزب يقف "صخرة صلبة" في وجه إسرائيل.




