ترامب-نتنياهو والقلق: بري يراهن سعودياً وسلام يفتح خط بغداد

مانشيت - المدنالأحد 2026/07/26
زوطر الغربية (عمار عمار)
واصل الجيش الإسرائيلي رفع مستوى الضغط الميداني في الجنوب (عمار عمار)
حجم الخط
مشاركة عبر

​يدخل المشهد اللبناني مرحلة حبس أنفاس شاملة، إذ تتشابك الضغوط العسكرية الإسرائيلية جنوباً مع استحقاقات دبلوماسية عالية السقف. وبعدما كان الترقب منصباً على نتائج قمة الرئيس جوزاف عون والرئيس الأميركي دونالد ترامب، يسود الترقب اليوم ما سينتج عن قمة ترامب ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، لجهة انعكاسها على لبنان ومسار المواجهة مع إيران. وفي الخضم، أطلق لبنان حراكاً اقتصادياً جيو سياسياً مهماً تجاه بغداد، تمثل بزيارة لافتة لرئيس الحكومة نواف سلام، لها مغزاها العميق في اتجاهات مختلفة

​ووسط هذا المشهد المعقد، يمكن النظر بكثير من القلق إلى "كباش" الميدان جنوباً. فعلى رغم البدء بتطبيق "المنطقة التجريبية" الأولى، واصلت القوات الإسرائيلية تصعيدها عبر غارات عنيفة على بلدات النبطية وتفجيرات ضخمة شملت كفرتبنيت، علي الطاهر، ميس الجبل، عيترون، برعشيت، ومركبا، وترافقت مع تجريف للمنازل وتهديد بتفجير قلعة الشقيف الأثرية. وتوازى ذلك مع تقرير أوردته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية قدر بأن انتشار الجيش اللبناني سيستغرق "سنوات" بسبب محدودية قدراته. 

وتكمن خطورة هذه التقديرات في محاولة تل أبيب استخدام ذريعة "ضعف الجيش" اللبناني لشرعنة الاحتلال وتثبيته كواقع أمر واقعو​تتجه الأنظار إلى الرابع من آب المقبل، حيث تعقد الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية برعاية أميركية في روما، ويسبقها وصول قائد المنطقة الوسطى في الجيش الأميركي، الأميرال براد كوبر إلى بيروت، لتقويم تجربة زوطر الغربية مع الجانبين اللبناني والإسرائيلي ومتابعة نتائج جهود رئيس لجنة المراقبة الجنرال جوزيف كليرفيلد

​وتتركز العقدة التفاوضية حول شروط "التحقق". فمن جهة إسرائيل، هناك إصرار على "حق" إعادة الدخول الميداني للقرى المنسحب منها وفق أي توقيت تريده بذريعة التفتيش، ودخول المنازل بحثاً عن سلاح لحزب الله. و​يرفض الجيش اللبناني هذا الطرح كلياً، متمسكاً بحصر التفتيش ضمن ضوابط وضمانات اتفاق الإطار، على أن تنفذه القوى اللبنانية الشرعية حصراً، ومن دون أي استباحة للسيادة​و​يُمثل لقاء ترامب ونتنياهو المرتقب في واشنطن، لمناقشة الملف الإيراني خصوصاً، اختباراً مباشراً لمدى نجاح الرئيس عون في إقناع الإدارة الأميركية بأولوية إلزام إسرائيل بانسحاب كامل ضمن جدول زمني محدد، انطلاقاً من كون هذا الانسحاب هو الورقة التي ستسمح للدولة بالطلب من حزب الله التخلي عن السلاح

وفي هذه المناخات، مضى رئيس مجلس النواب نبيه بري في نهج المرونة السياسية، إذ أعلن أن علاقته بالرئيس عون ممتازة وأنه سيزوره قريباً، وكرر الحاجة إلى "ضمانة ثلاثية تجمع الرياض، واشنطن، وطهران" لحماية الاستقرار اللبناني. و​بالتوازي، سجل لبنان اختراقاً اقتصادياً وموقفاً سورياً بارزاً: الخرق تمثل ب​زيارة رئيس الحكومة نواف سلام لبغداد على رأس وفد وزاري وأمني رفيع للبحث خصوصاً في مشروع إعادة إحياء خط نفط كركوك - بانياس - طرابلس، بالتنسيق مع العراق وسوريا وبغطاء أميركي، للربط الاقتصادي مع المحيط العربيوأما ​الموقف السوري فتمثل بتجديد الرئيس السوري أحمد الشرع موقفه الحاسم، عدم النية للتدخل العسكري في لبنان، مؤكداً دعم دمشق لخطوات الحكومة اللبنانية في حصر السلاح بيد الدولة

وهكذا، يقف لبنان أمام صيف ملتهب تتقاطع فيه خطوط النفط والغاز الإقليمية مع خطوط التماس المشتعلة جنوباً. وبينما تسعى الدولة إلى انتزاع انسحاب إسرائيلي كامل وتوسيع نطاق حصرية السلاح عبر آليات روما، تواصل تل أبيب فرض قواعد لعبة أمنية ضاغطة على لبنان. وتبقى المعادلة معلقة على نجاح المظلة الدولية، وتحديداً إدارة ترامب، في فرض وقف النار، خصوصاً في حال انجراف المنطقة برمتها نحو المواجهة الإقليمية الكبرى، بين واشنطن وتل أبيب وطهران. 

 

عون يستكمل حراكه مع ماكرون

وفي امتداد للحراك الذي أعقب زيارة واشنطن، أطلع الرئيس جوزاف عون نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال اتصال هاتفي، على نتائج محادثاته مع ترامب وكبار المسؤولين الأميركيين، ولا سيما ما يتصل باتفاق الإطار وآليات تنفيذه. وبحث الرئيسان ضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية ومواكبة مرحلة ما بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل"، في ظل مخاوف لبنانية من حصول فراغ دولي في الجنوب يتيح لإسرائيل توسيع احتلالها وفرض ترتيبات أمنية أحادية.

ويعكس الاتصال تمسك لبنان بدور فرنسي فاعل في المرحلة المقبلة، سواء داخل مجلس الأمن أو في الجهود الرامية إلى تأمين مظلة دولية تواكب انتشار الجيش وتحول دون تكريس المنطقة الأمنية التي تسعى إسرائيل إلى إقامتها جنوباً.

 

سلام يفتح خط بغداد

وفي المسار الاقتصادي، وصل سلام إلى بغداد على رأس وفد وزاري ضم وزراء المالية والطاقة والمياه والاتصالات، في زيارة رسمية تهدف إلى إعادة تفعيل التعاون بين البلدين، وفتح الباب أمام مشاريع استراتيجية تتصل بالطاقة والنقل والربط الإقليمي.

ويبرز في صلب المباحثات مشروع إعادة إحياء خط نفط كركوك - بانياس - طرابلس، الذي يمكن أن يمنح لبنان دوراً في منظومة نقل الطاقة الإقليمية، ويعيد وصل مرفأ طرابلس بالعمق العراقي والسوري، في حال توافرت الظروف السياسية والأمنية اللازمة.

 

الشرع يستبعد التدخل في لبنان

وعلى الضفة السورية، أكد الرئيس أحمد الشرع أن دمشق لا تعتزم القيام بأي تدخل عسكري في لبنان، مشيراً إلى أن أي فوضى لبنانية ستنعكس مباشرة على سوريا.

وأعلن الشرع دعم بلاده لاحتكار الدولة اللبنانية للسلاح وقرار السلم والحرب، موضحاً أن دمشق تبحث مع الحكومة اللبنانية حلولاً تساعد على إخراج لبنان إلى بر الأمان، في موقف يهدف إلى تبديد المخاوف من احتمال فتح جبهة سورية جديدة ضد "حزب الله" داخل الأراضي اللبنانية.

 

نتنياهو يرفع سقف الشروط

لكن المواقف التي أطلقها نتنياهو عشية لقائه ترامب زادت المخاوف اللبنانية، إذ قال لشبكة "فوكس نيوز" إن إسرائيل تخوض المعركة ضد "حزب الله" بـ"نجاح باهر"، مضيفاً: "سنرى ما ستؤول إليه الأمور بشأن قدرة الجيش اللبناني على السيطرة على المناطق التي نطهرها".

واعتبر نتنياهو أن مجرد طرح اتفاق بشأن لبنان يشكل "تقدماً كبيراً"، لأنه يُظهر، بحسب تعبيره، أن قدرة "حزب الله" على ترهيب الحكومة اللبنانية "تضاءلت بشدة". وتكشف هذه التصريحات أن تل أبيب تسعى إلى ربط أي انسحاب بتقييمها الخاص لأداء الجيش اللبناني، بما يمنحها ذريعة للبقاء أو العودة إلى المناطق التي تنسحب منها تحت عنوان التحقق من خلوها من السلاح.

وتتقاطع مواقف نتنياهو مع ما أوردته صحيفة "معاريف" عن سيطرة الجيش الإسرائيلي على شريط واسع يمتد من الخط الأزرق إلى التلال المشرفة، وإقامته منظومة دفاع متعددة الطبقات تعتمد على القوات المتحركة ووسائل المراقبة. كما نقلت الصحيفة تقديرات إسرائيلية بأن انتشار الجيش اللبناني في مختلف مناطق الجنوب قد يستغرق سنوات بسبب محدودية عديده وإمكاناته.

 

الميدان يضغط على التفاوض

وفي موازاة التصعيد السياسي، واصل الجيش الإسرائيلي رفع مستوى الضغط الميداني في الجنوب، عبر سلسلة تفجيرات عنيفة طاولت ميس الجبل وعيترون وبرعشيت ومركبا وحداثا، فيما تعرضت مرتفعات علي الطاهر لقصف مدفعي كثيف، وألقت مسيّرة إسرائيلية متفجرات في المنطقة.

كما استهدف القصف بلدة ميس الجبل وموقع الدبشة، بالتزامن مع عمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة في محيط أرنون، وتحركات للآليات والجرافات الإسرائيلية في عدد من المناطق الحدودية.

وشهدت منطقة نبع إبل، الواقعة بين إبل السقي والخيام، عمليات تجريف وهدم لعدد من المنازل، وسط تمشيط كثيف استمر لساعات، فيما فجرت القوات الإسرائيلية محطة المياه الرئيسية في مركبا، ما يهدد إمدادات المياه لعدد كبير من البلدات الجنوبية.

وتزامنت هذه الاعتداءات مع استمرار عمليات المسح ورفع الأنقاض في زوطر الغربية، ودخول الأهالي إلى البلدة برفقة الجيش اللبناني وتحت إجراءات أمنية مشددة، في وقت بقيت فيه القوات الإسرائيلية قادرة على إطلاق النار وتنفيذ التفجيرات بالقرب من مناطق انتشار الجيش.

 

الجيش: الاعتداءات تعرقل الانتشار

في المقابل، رد الجيش اللبناني عملياً على الرواية الإسرائيلية، مؤكداً أن استمرار الاعتداءات هو الذي يعرقل استكمال انتشاره ويمنع عودة الأهالي إلى قراهم. وأشار إلى عمليات التدمير والتجريف والقصف والتمشيط التي طاولت كفرتبنيت وحداثا وكونين ونبع إبل السقي والمنصوري وبيوت السياد ومجدل زون، إضافة إلى إطلاق النار قرب نقاط تمركزه في كفرتبنيت والنبطية الفوقا وزوطر الغربية.

ولفت الجيش إلى تفجير مشروع المياه في مركبا وإحراق أراضٍ زراعية وأشجار زيتون عند أطراف عيترون، مؤكداً في الوقت نفسه استمرار مهماته في زوطر الغربية وفرون وصريفا، بالتنسيق مع مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان.

وميدانياً، تواصل التصعيد عبر تفجيرات عنيفة في ميس الجبل وعيترون وبرعشيت ومركبا وحداثا، بالتزامن مع قصف استهدف مرتفعات علي الطاهر وميس الجبل وموقع الدبشة، وعمليات تجريف وهدم في منطقة نبع إبل. وهي وقائع تعزز الموقف اللبناني القائل إن المشكلة لا تكمن في قدرة الجيش على الانتشار، بل في استمرار الاحتلال ومنعه القوى الشرعية من تنفيذ مهماتها.

 

قمة تحدد مسار الجنوب

وعليه، لا تبدو قمة ترامب ونتنياهو مجرد لقاء يتعلق بالحرب مع إيران، بل محطة حاسمة في تحديد مصير اتفاق الإطار ومستقبل الوجود الإسرائيلي في الجنوب. فإما أن تنجح واشنطن في إلزام تل أبيب بانسحاب فعلي وفق جدول زمني وضمانات واضحة، وإما أن يتحول الاتفاق إلى غطاء لإدارة احتلال طويل تحت عناوين المنطقة الأمنية والتحقق من أداء الجيش.

وبين التحرك الرئاسي باتجاه باريس، والمفاوضات المرتقبة في روما، والتصعيد الإسرائيلي المتواصل، يدخل لبنان مرحلة اختبار دقيقة لقدرته على تحويل الدعم الدولي المعلن إلى ضغط فعلي. ويبقى التحدي الأساسي في منع إسرائيل من قلب المعادلة، بحيث يصبح الاحتلال نتيجة لضعف الدولة، فيما تؤكد الوقائع أن استمرار الاحتلال هو الذي يعرقل انتشار الدولة ويؤخر عودة الجيش والأهالي معاً.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث