يشهد لبنان تزامناً لافتاً بين حراك دبلوماسي متسارع وتصعيد ميداني متواصل في الجنوب. ففي موازاة الاتصالات القطرية-السعودية والقطرية-اللبنانية، والتواصل بين الرئيس جوزاف عون ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، تركزت الجهود على دعم مؤسسات الدولة، وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، وتهيئة الظروف لعودة النازحين، إلى جانب وقف الاعتداءات الإسرائيلية ومواكبة مرحلة ما بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل".
وفي المقابل، واصل الجيش الإسرائيلي عملياته في الجنوب عبر تفجيرات وقصف مدفعي وتوغلات في عدد من القرى والبلدات، من بينها بنت جبيل وعيناتا وكفرتبنيت والقنطرة وشمع وزوطر الغربية، بالتزامن مع استمرار عمليات التجريف واستهداف البنى التحتية. ويعكس هذا التزامن اتساع الفجوة بين المساعي الدولية الرامية إلى تثبيت الاستقرار، والوقائع الميدانية التي لا تزال تعرقل انتشار الجيش وعودة الأهالي إلى مناطقهم.
وفي ظل هذا التزامن بين التحرك الدبلوماسي واتساع الضغوط الميدانية الإسرائيلية، يدخل لبنان خلال الأيام المقبلة على وقع مشهدين بارزين، يتقدمان واجهة المشهد السياسي والأمني، في ظل استمرار التصعيد الإسرائيلي جنوبًا. الأول يتمثل في الجولة السابعة من المباحثات اللبنانية - الإسرائيلية برعاية أميركية، والمقررة في الرابع من آب في روما، فيما يتمثل الثاني في زيارة الأدميرال الأميركي براد كوبر إلى بيروت، حيث سيجري لقاءات مع الجانبين اللبناني والإسرائيلي لمتابعة التطورات الميدانية، وتقييم نتائج التجربة في زوطر الغربية، وبحث آليات استكمال المرحلة المقبلة. وكان سبقه إلى زيارة لبنان، الجنرال جوزيف كليرفيلد الذي يرأس مجموعة التنسيق العسكرية الخاصة بلبنان، وسيستكمل الجانبان البحث في سياق دعم الجيش والتحقق من انتشاره في المنطقتين التجريبيتين.
وتتزامن هذه التحركات مع استمرار إسرائيل في ممارسة ضغوطها الميدانية بالنار، عبر الغارات الجوية والتفجيرات المتواصلة والانتهاكات اليومية، في محاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض. ليل أمس شهد غارات عنيفة على النبطية، تزامنت مع تفجيرات ضخمة في كفرتبنيت ومركبا، وهو ما بات مشهد يومي في الجنوب.
في المقابل، يسعى لبنان إلى توسيع نطاق المناطق التجريبية واستكمال الانسحابات الإسرائيلية، بينما يواصل الوفد الإسرائيلي ربط أي تقدم في المراحل المقبلة بشروط أمنية تتعلق بخلو المناطق من عناصر حزب الله، وهي شروط يرفضها الجيش اللبناني.
وتبقى الأنظار موجهة إلى آلية تنفيذ المراحل التجريبية المقبلة، في ظل مخاوف من تعقيدها نتيجة إصرار إسرائيل على إعادة الدخول إلى القرى التي تنسحب منها، وفق توقيت تحدده هي، بذريعة التحقق من خلوها من مقاتلي حزب الله والصواريخ. في المقابل، يتمسك الجيش اللبناني برفض هذا الطرح، معتبرًا أن أي إجراءات ميدانية يجب أن تتم ضمن الآليات المتفق عليها.
وفي موازاة ذلك، تبرز تساؤلات حول كيفية مقاربة ملف سلاح حزب الله خلال المرحلة المقبلة، وآلية تنفيذ عمليات التفتيش، وما إذا كان اتفاق الإطار يجيز دخول المنازل للبحث عن أسلحة، أم أن الإجراءات ستبقى محصورة بضوابط وآليات محددة ينص عليها الاتفاق.
في المقابل، واصل حزب الله انتقاده لمسار الدولة، وأكد النائب علي فياض أمس أنّ "المسار الذي أدخلت فيه السلطة نفسها هو مسار حافل بالألغام ولا يفضي حتما إلى تحقيق الانسحاب الإسرائيلي، فضلا عن أنه لم يحقق وقفا لإطلاق النار ووضع حد للأعمال العدائية الإسرائيلية".
ولا تقتصر الضغوط الإسرائيلية على الميدان، بل تمتد أيضًا إلى قلعة الشقيف، التي عادت إلى واجهة التطورات، مع استعدادات إسرائيلية لتنفيذ تفجيرات واسعة في محيطها، بزعم استهداف بنى تحتية تابعة لحزب الله، بانتظار الحصول على موافقة المستوى السياسي الإسرائيلي للمضي في هذه الخطوة.
بري: علاقتي بعون ممتازة
في السياق، برز موقف لرئيس مجلس النواب نبيه بري في حديث صحفي، حيث أكد أن علاقته بالرئيس جوزاف عون ممتازة، وقال: "نختلف على بعض وجهات النظر السياسيّة، لكنّنا على تواصل دائم. قبل سفره إلى واشنطن اتّصل بي قائلاً: "بماذا توصيني؟"، فقلت له: "أوصيك بأمرين: تثبيت وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيليّ الشامل، وعودة الناس إلى قراهم ومنازلهم". وعندما عاد من واشنطن اتّصلت به مهنّئاً بالسلامة، وسأزوره قريباً. وعلاقتي بالرئيس نوّاف سلام علاقة دائمة وملؤها المحبّة". ونقل بري انه غير متفائل بالوصول إلى نتائج حاسمة نتيجة اتفاق الإطار، وقال: "ما يحصل في زوطر الغربيّة أكبر دليل على ذلك. فقد انتظر الناس أيّاماً حتّى تمكّنوا من الدخول المؤقّت إلى قراهم، والاعتداءات الإسرائيليّة ما تزال مستمرّة، فكم سنحتاج من الوقت لتحقيق الانسحاب الإسرائيليّ الكامل وعودة الجنوبيّين إلى أرضهم؟".
وردّ رئيس المجلس على كيف قرأ كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب بحقه، وقال: "من تحبه المملكة السعوديّة يحبّه العالم كلّه، ويبدو أنّ المملكة السعوديّة تحبّني أكثر من بعض اللبنانيّين". وأضاف: "قلتها دوماً وما أزال، نحن في لبنان نحتاج إلى ضمانة ثلاثيّة تتألّف من المملكة العربيّة السعوديّة، الولايات المتّحدة الأميركيّة، وإيران".
أمّا على مستوى سوريا، فرأي بري أنّ نجاح العلاقة بين البلدين يبدأ من معالجة ثلاث قضايا أساسيّة، تتمثّل في ضبط الحدود المشتركة ووضع حدّ لعمليّات التهريب، واستكمال ترسيم الحدود البرّيّة والبحريّة بما يمنع أيّ نزاعات مستقبليّة، إضافة إلى احترام كلّ من لبنان وسوريا سيادة الآخر وعدم تدخّل أحدهما في الشؤون الداخليّة للآخر.
تمديد حالة الطوارئ في إسرائيل
يأتي هذا فيما لا تزال الأجواء الإقليمية مفتوحة على احتمالات عدة، وسط تخوف من جولة حرب جديدة، واحتمالية انجرار لبنان إليها. ونقلت الإذاعة الإسرائيلية أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سيتوجه غدا إلى واشنطن ويبحث مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب الثلاثاء ملف إيران. كذلك نقلت الإذاعة أنّ "الحكومة تصادق اليوم على تمديد حالة الطوارئ حتى 11 آب على خلفية الوضع في إيران ولبنان". في المقابل، أفادت الخارجية الإيرانية أنّ محادثات طهران ومسقط بشأن مضيق هرمز كانت بنّاءة.




