روما تفتح اختبار الجنوب: انسحابٌ إسرائيليّ أم تسويةٌ ملغومة؟

مانشيت - المدنالسبت 2026/07/25
زوطر الغربية (مصطفى الجمال الدين)
المشهد الذي اكتشفه الأهالي كان أقرب إلى إعلان ميداني عن فشل أي تسوية لا تقترن بانسحاب شامل. (مصطفى حمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

تدخل الاستعدادات اللبنانيّة لجولة مفاوضات روما، المقرّرة في الرابع من آب، مرحلةً شديدة الحساسيّة، فيما تواصل إسرائيل فرض وقائع عسكريّة ميدانيّة تناقض، يوميًّا، أيّ حديث عن تهدئة أو مسار تفاوضيّ متوازن. وبينما تراهن بيروت على تحويل الاجتماع اللبنانيّ - الأميركيّ - الإسرائيليّ إلى منصّة لانتزاع انسحاب فعليّ من القرى المحتلّة وتوسيع نطاق انتشار الجيش، تعمل تل أبيب على تثبيت معادلة معاكسة، تفاوض تحت النار، وتربط أيّ انسحاب بشروط أمنيّة وسياسيّة تتجاوز الجنوب إلى مستقبل سلاح "حزب الله" ودور الدولة وحدود الرعاية الدوليّة. ومن هنا، لا تبدو روما جولة تقنيّة جديدة، بل اختبارًا لقدرة الدولة اللبنانيّة على منع تحوّل "المناطق التجريبيّة" إلى غطاء لإدارة الاحتلال بدل إنهائه.

 

الجنوب تحت النار قبل طاولة التفاوض

الرسالة الإسرائيليّة الأكثر وضوحًا تسبق الوفود إلى روما. فمن صور إلى بنت جبيل والنبطيّة ومرجعيون، تتواصل التفجيرات الضخمة، وعمليّات النسف والتجريف، والقصف المدفعيّ، وحرق الأراضي الزراعيّة، واستهداف منشآت المياه والبنى التحتيّة. وفي موازاة ذلك، تحلّق المسيّرات فوق الجنوب وبيروت والضاحية الجنوبيّة، في تكريس يوميّ لفكرة أنّ إسرائيل لا تتعامل مع وقف الأعمال العدائيّة بوصفه التزامًا متبادلًا، بل باعتباره مساحة حركة مفتوحة تتيح لها الضرب متى شاءت وتحت أيّ ذريعة أمنيّة.

هذا السلوك ليس تفصيلًا ميدانيًّا منفصلًا عن التفاوض، بل هو جزء من أدواته. إسرائيل تريد الوصول إلى روما وهي تحتفظ بقدرتها على فرض الوقائع، وتقديم كلّ انسحاب محتمل بوصفه تنازلًا مشروطًا، لا تنفيذًا لالتزام واضح. وبذلك، يصبح القصف وسيلة ضغط سياسيّ، ويغدو الدمار أداة لتحسين شروط التفاوض، فيما يُطلب من لبنان أن يقدّم ضمانات أمنيّة وسياسيّة مسبقة مقابل خطوات إسرائيليّة محدودة وقابلة للتراجع.

 

زوطر الغربيّة تكشف حدود "النموذج التجريبيّ"

شكّلت عودة أهالي زوطر الغربيّة إلى بلدتهم، على دفعات وتحت مرافقة الجيش اللبنانيّ، الصورة الأكثر دلالة على مأزق "المناطق التجريبيّة". فالدخول المحدود، والتفتيش الدقيق، ومنع الأهالي من التقدّم إلى عمق البلدة، لم تعكس عودة طبيعيّة إلى الحياة، بل زيارة مقيّدة إلى مساحة منكوبة لا تزال خاضعة لحسابات أمنيّة معقّدة.

المشهد الذي اكتشفه الأهالي كان أقرب إلى إعلان ميدانيّ عن فشل أيّ تسوية لا تقترن بانسحاب شامل وإعادة إعمار وضمانات أمنيّة حقيقيّة. عشرات المنازل مدمّرة كليًّا أو جزئيًّا، طرقات وبنى تحتيّة متضرّرة، محال تجاريّة مهدّمة، ومقوّمات حياة شبه معدومة. وقد غادر معظم الأهالي بعد تفقّد منازلهم، لأنّ العودة النظريّة لا تعني استعادة البلدة، ولا تؤسّس وحدها لاستقرار قابل للحياة.

لهذا السبب، تعرّضت تجربة زوطر لانتقادات داخليّة، فهي لم تشمل بلدة محتلة على نحو يثبت تراجع إسرائيل، ولم تنتج إنجازًا سياديًّا مكتملًا. بل إنّها أظهرت أنّ الدولة قادرة على تنظيم دخول المدنيّين، لكنّها لا تزال عاجزة عن ضمان حقّهم في الإقامة والحركة وإعادة بناء حياتهم. وهنا يكمن التحدّي أمام الوفد اللبنانيّ في روما، منع تعميم نموذج إداريّ وأمنيّ يُدير الخراب، بدل فرض مسار سياسيّ ينهي الاحتلال.

 

واشنطن تختبر انتشار الجيش

تكتسب الزيارة المرتقبة لقائد القيادة المركزيّة الأميركيّة، الأدميرال براد كوبر، إلى بيروت أهميّة تتجاوز عنوان دعم الجيش اللبنانيّ. فالزيارة، التي تأتي بعد مهمّة الجنرال جوزيف كليرفيلد، رئيس مجموعة التنسيق العسكريّة الخاصّة بلبنان، ترتبط عمليًّا بالتحقّق من انتشار الجيش في المنطقتين التجريبيّتين، والتأكّد من غياب أيّ وجود مسلّح خارج المؤسّسة العسكريّة.

الأميركيّون يتعاملون مع هذا الانتشار باعتباره معيارًا لاختبار قدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها، لكنّ الإشكاليّة اللبنانيّة تبدأ عندما يتحوّل التنفيذ الأحاديّ إلى بديل من التزام إسرائيل بالانسحاب ووقف الاعتداءات. فلبنان يريد أن يُثبت أنّ الجيش قادر على الانتشار، لكنّه لا يستطيع القبول بأن يصبح الانتشار شرطًا دائمًا مقابل انسحابات جزئيّة، أو أن يُختزل دور المؤسّسة العسكريّة في ملء فراغات تنتجها عمليّات إسرائيليّة متواصلة.

وتكمن أهميّة الاجتماع في روما في أنّه سيجمع المستويات السياسيّة والعسكريّة، ما يعني أنّ البحث لن يقتصر على خرائط انتشار تقنيّة، بل سيطاول صيغة أوسع تحدّد ترتيب الخطوات، وطبيعة الضمانات، ومصير القرى المحتلّة، وحدود الحركة الإسرائيليّة، ومستقبل الرقابة الدوليّة.

 

خلاف داخليّ على معنى التفاوض

المشكلة التي تواجه السلطة لا تقتصر على صعوبة التفاوض مع إسرائيل، بل تشمل غياب إجماع داخليّ على المسار نفسه. فالنائب علي خريس أعلن ثلاث لاءات واضحة، "لا مفاوضات مباشرة، لا اتفاق إطار، لا مناطق تجريبيّة"، رابطًا نجاح أيّ تحرّك بوقف كامل لإطلاق النار وانسحاب إسرائيليّ غير مشروط.

في المقابل، حذّر النائب علي فيّاض من أنّ السلطة دخلت مسارًا "مليئًا بالألغام"، لأنّه لم يوقف الاعتداءات ولم يقيّد حريّة الحركة الإسرائيليّة، بل فتح انقسامًا داخليًّا حول قضايا شديدة الحساسيّة. ويعكس هذا الموقف خشية "حزب الله" وحلفائه من أن تتحوّل المفاوضات من بحث في الانسحاب إلى مسار لإعادة صياغة التوازنات الداخليّة، وخصوصًا في ملفّ السلاح وقرار الحرب والسلم.

أما النائب وائل أبو فاعور، فطرح معادلة أكثر توازنًا، تقوم على الربط بين تحرير الأرض وتثبيت ركائز الدولة، مع التأكيد أنّ الاحتلال هو أصل المشكلة، وأنّ حصر السلاح بيد الدولة يحتاج إلى مقاربة وطنيّة تتجنّب الفخّ الإسرائيليّ. وهذه المقاربة تلامس جوهر المأزق، إذ لا يمكن بناء دولة مكتملة السيادة في ظلّ سلاح خارج مؤسّساتها، لكن لا يمكن أيضًا مطالبة الدولة بتفكيك عناصر قوّتها الداخليّة فيما الاحتلال مستمرّ والاعتداءات متواصلة.

 

تدمير البيئة المدنيّة كسياسة تفاوضيّة

في بنت جبيل ومحيطها، لم يعد الاستهداف الإسرائيليّ محصورًا بمواقع عسكريّة أو شبهات أمنيّة. توثيق البلدية يكشف ضرب مدارس رسميّة، ومراكز اجتماعيّة وصحّيّة، ومنشآت مياه، ومستشفيات، ومراكز إسعاف، ومساجد، ومبانٍ إداريّة وبلديّة، إلى جانب آلاف المنازل والمحال والمؤسّسات الاقتصاديّة.

هذا النمط من الدمار يشير إلى سياسة تتجاوز المعركة العسكريّة نحو ضرب شروط العودة نفسها. عندما تُدمّر المياه والكهرباء والمدارس والمراكز الصحّيّة والطرقات، يصبح الهدف جعل القرى غير قابلة للحياة، وتحويل النزوح المؤقّت إلى واقع طويل الأمد. لذلك، تبدو الدعوة إلى توثيق الجرائم وإعداد ملفات للملاحقة الدوليّة جزءًا أساسيًّا من المواجهة، لا خطوة رمزيّة.

وتزداد خطورة هذا المسار مع التقارير الإسرائيليّة عن منشآت تحت الأرض في منطقة قلعة الشقيف، والتي تستخدمها تل أبيب لتبرير توسيع عمليّاتها شمال الليطاني. فالإعلان عن أنفاق وغرف عمليات ومستودعات أسلحة يوفّر لإسرائيل سرديّة أمنيّة قد تُستخدم لإطالة أمد الاحتلال، وتوسيع نطاق الاستهداف، وربط الانسحاب بتفكيك بنى عسكريّة تقول إنّها لا تزال قائمة.

 

روما بين الانسحاب المشروط والتسوية الناقصة

على طاولة روما، سيحاول لبنان تثبيت أولويّتين، وقف الاعتداءات اليوميّة، وانسحاب إسرائيل من القرى والمواقع المحتلّة. أمّا إسرائيل، فستسعى على الأرجح إلى قلب ترتيب الأولويّات، بحيث يصبح الانسحاب نتيجةً لاحقة لإجراءات لبنانيّة أمنيّة وعسكريّة وسياسيّة، لا خطوة واجبة بحدّ ذاتها.

نجاح الجولة لن يُقاس بعدد المناطق التجريبيّة الجديدة، ولا بعدد نقاط انتشار الجيش، بل بقدرة الوفد اللبنانيّ على انتزاع جدول زمنيّ واضح للانسحاب، وآليّة ملزمة لوقف الاعتداءات، وضمانات تمنع إعادة احتلال المناطق أو استهدافها. وأيّ اتفاق لا يجيب عن هذه الأسئلة سيبقى إدارةً مؤقّتة للأزمة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث