حمل رئيس الجمهورية اللبنانية "عقدة" مسائل الداخل، وحطّ بها عند سيد البيت الأبيض، الرئيس دونالد ترامب. رافقت الرئيس خلافات اللبنانيين التي سبقت رحلته، وأضافت إليها بعد عودته إلى الديار.
الملاحظة الأساسية، هي إن سياق الرحلة الذي بات ثابتاً في أصل "فلسفته" وفي فروع سياساته، لم يَفُتَّ في عضد الثبات الذي أقامت فيه كل "الجُمل" الاعتراضية. قد يصحّ القول إن الرئيس قد غادر من ثبات، وعاد إلى ثبات، وقد يصح القول أيضاً، إن زحزحة خفيفة دخلت متن الثبات الرئاسي، من خلال لون من ألوان الكلمات الوسطية، وأن صمتاً من رضى ما، حجب متن النبرات الخلافية العالية. إن صحَّ هذا وذاك، تحضر ضرورة الالتفات مجدّداً إلى حومة الاشتباك السياسي الداخلي، لمعاينة أوضاع المشتبكين، بعد الزيارة الرئاسية إلى واشنطن، وإلى انتظار التعليق السياسي على الانسحاب "الاختباري" الذي ترتَّب على نتائج الزيارة، من مقدماتها إلى ختامها.
شيعة الاشتباك:
من الشيعية السياسية، إلى الشيعة الأهلية، هذا انتقال واقعي يفرضه على لبنان الرسمي وعلى لبنان الأهلي كل الزمن الذي انساب في مجرى التكوين الداخلي، بعد الاستقلال، ويفرضه الدور الاستثنائي الذي انفردت به "الشيعة" من منتصف حقبة ثمانينيات القرن الماضي، وما زالت متشبَّثة بحصاده، ومدافعة عنه بثبات وعناد.
"الشيعة" هي اليوم موضوع تنفيذ أحكام اتفاق وطني عام، عنينا به الاتفاق الإطار المعقود بين الحكم وإسرائيل. وصف الاتفاق بأنه "عام" لا يمكن تنفيذه بإنكار سلطوي عام. أين نرى ذلك؟ نراه في عدم التركيز على نقاش المصالح الشيعية، والإسهاب في شرح مواقف حزب الله وفي تفنيد سياساته، وفي تبيان مدى الأضرار التي أصابت "البلد" جرّاء هذه السياسات. هذا نقاش للأسباب، يغيب عنه نقاش المصالح، وهذه استجابة لتعريف الشيعة بسلاحها، وباستبعاد باقي مقوّمات انتقالها الكياني من موقع إلى موقع بديل. إذن لا يجدر بالنقاش أن يسترسل في "وصف" حزب الله، ماضياً وحاضراً، بل يجدر به أن يتجاوز كل مسألة الشيعية السياسية إلى مسائل الشيعة ككتلة بذاتها، وإذا جاز القول "لذاتها" أيضاً.
نستطرد قليلاً وبكلمات موجزة، حول "الشيعية السياسية"، فإن كانت هذه الأخيرة هي "المجموع السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي..." الذي استفاد خلال حقبات ما بعد الطائف، وهي المجموع الذي هادَن السلاح ووظَّفه في سياق بناء موقعه الداخلي العام، فإن هذه الشيعية الغانمة لا تختزل كل الشيعة، الذين دفعوا مع غيرهم من اللبنانيين، ثمن سياسات النظام الذي دافعت عنه شيعيتهم، وكان سبباً في انهيار أوضاعهم العامة.
الآن، تدور معركة السلاح، الذي نكرّر أن الكثرة تعرّف الشيعة به، فماذا إذا سلّم الحزب سلاحه من خلال اتفاق داخلي عام؟ هل ينتقص ذلك من وزن الكتلة الشيعية؟ وهل سيسلِّم الشيعة بأن وزنهم في التشكيلة يساوي وزن سلاح فريق منهم؟ الجواب عن هذا التساؤل، ستطلّ مقدماته من الجنوب، فقراءة أهل الأرض تتجاوز السلاح إلى مسائل استعادة الأرض، وإعادة ترميم "المصالح"، والاستقرار في الديار، وتوفير أمن العيش وسلامته. هذه مطالب هواجس نزعم أنها أكثرية في بيئتها، وهذه تتجاوز هواجس الثنائي، فحركة أمل مثلاً، تسأل عن موقعها ومراكزها والفوائد التي جمعتها، وحقيقة كونها فرعاً من سلطة موازية. وحزب الله، يسأل عن سلطة موازية استحوذت على شطر كبير من وقائع الهيمنة، ومراكز السيطرة على القرار الوطني العام...
في إزاء ذلك، يستمرّ النقاش المسؤول حول كيفية استعادة "البلد"، وحول كيفية "تهذيب" دور الثنائي في النظام، بعد أن مارس طويلاً دور "الطافر – الظافر"، وحول العودة إلى الأساسي من اتفاق الطائف، الذي أسَّسَتْ نصوصه لسياق تنافس سياسي سلميّ هادئ بين اللبنانيين.
هل عودة الطائفة متاحة؟ الجواب البدئي هو أن لا خيار أمام الطائفة غير العودة، مثلما لا خيار أمام الآخرين غير استعادتها. أمّا الجواب الاستطرادي، فهو أن طوائف الحرب الأهلية وأحزابها، قد مرّت بتجربة الانقسام والانتظام ضمن "جغرافيّات" ذاتية، ثم أتاح الطائف إزالة الحدود وإن لم يفلح كثيراً في معالجة أسباب "الصدود". نذكر في هذا المعرض، الإدارة الذاتية في الجبل، وقد أشرف عليها الحزب التقدمي الاشتراكي، ونذكر "المناطق الحرّة" التي حرست حدودها القوات اللبنانية، ونذكر إدارة المجالس السياسية التي أنشأتها أحزاب الحركة الوطنية في مناطق سيطرتها الحزبية والعسكرية.
هذه الإدارات الذاتية، انتقلت بعد تبديل موازين القوى، فصارت شريكة في مغانم النظام الناشئ، بعد أن تخلّت عمّا كان لها من غنيمة داخل مساحتها الخاصة.
عليه، وعودة إلى حديث المصالح والهواجس: كيف يُفكُّ الاشتباك مع "الشيعة"، وليس فقط مع سلاحهم "الضامن"؟ أي ما المعروض من صيغ الشراكة الجديدة، من ضمن ميزان القوى الوطني الحالي، الذي لمّا يكتمل استقرار كفّتي ميزانه، حتى هذا التاريخ، لسبب داخلي، ولأسباب خارجية – داخلية، يتقدّمها شيعيّاً، العامل الإيراني في لبنان.
فك التطابق مع إيران:
أكثر من أي وقت مضى، تعزّزت الخارجية الإيرانية في الحسابات الداخلية اللبنانية. أكثر من أي حقبة ماضية بات مطلوباً من الثنائي الشيعي توظيف مساحة "حظوته" الإيرانية، في مسالك السياسة اللبنانية.
للبقاء على الجادة، ما زالت الدعوة إلى القراءة المزدوجة لطرفي الثنائي قائمة. حركة أمل ليست نسخة من حزب الله. لكن ذلك لن يمنع اليوم، من مطالبة حركة أمل، ممثّلة برئيسها، دولة الرئيس نبيه برّي، بلعب دور لدى إيران متقدم على ذلك الخاص بحزب الله. يستطيع الرئيس برّي أن يكون صريحاً و"فصيحاً" لدى الإيراني، وسيظلّ مفهوماً ضيق مساحة المطالبة المتاحة لحزب الله، الأساسي في مطالبة الثنائي من قبل الداخل، عدم الموافقة على تحويل التنظيمين اللبنانيين إلى كيانيين إيرانيين داخليين لا يتمتعان بأية مساحة سياسية خاصة.
ما المطلوب من الثنائي؟ مصارحة إيران بأن لبنان لا يمكن أن يظلّ ساحة اشتباك مفتوحة، لأسباب إيرانية. ومصارحة إيران بأن موقف التنديد بالعدوان عليها، متعذِّرٌ ما دامت تخاطب لبنان كساحة، وما دامت تردُّ على الهجوم الأميركي بالعدوان على البلاد العربية، إذن ولسببين: لبناني وعربي، إيران ستظلّ خصماً سياسيّاً، وليلاحظ المعنيون، أن صفة العداء لم توجه لإيران على الرغم من سياساتها وأفعالها غير الصديقة، حتى تاريخه.
فك الاشتباك مع الحكم:
لا يقتضي هذا العنوان شرحاً طويلاً، فسياسة الحكم التفاوضية معلنة، وأسباب التفاوض يتكرّر شرحها يوميّاً.
طلب فك الاشتباك موجّه إلى حزب الله قبل غيره، فهو الذي عليه أن يعيد قراءة سياساته الداخلية والخارجية، وهو الذي عليه أن يعترض مناقشاً حيث يرى ثغرات عملية التفاوض، وهو الذي عليه، أن يكون طرفاً من أطراف دعم السياسة الرسمية عندما تكون بصدد تحديد خسائر لبنان، وعندما تكون على جادة حمل المطالب التي يحملها، ويدافع عنها كل اللبنانيين. انسحاب إسرائيل، تحرير الأسرى، إعادة الإعمار، تحقيق الاستقرار... كل ذلك بات نشيداً وطنيّاً يكرره الحكم وسواه كل يوم... لذلك ينبغي على الحزب الانتقال على صعيد قيادته وعلى صعيد جمهوره إلى مباشرة سلوك بنّاء هو وحده السبيل إلى إعادة ترميم الوحدة الوطنية، التي هي من أهم الأسلحة في مواجهة إسرائيل... وهذا حسب الإمام الغائب السيد موسى الصدر.
إذن، من الشيعة الأقرب، وتجاوزاً لسلاح اختزالها، ماذا عن الحكم وعن أدائه التأسيسي لمعالجة الهواجس ولكتابة "ميثاق" جديد، لوطنية لبنانية "متجدّدة" تأتي من جهة الجنوب هذه المرّة؟
لعل المفتاح الأول، يكمن في متابعة خروج الاحتلال، هذا للغد، ولعل زميل المفتاح هذا هو مفتاح مباشرة حضور "الدولة" في كل البلدات والقرى المتضررة. كإجراء فوري: يمكن تكليف الجيش اللبناني، كمرجعية موثوقة، بمباشرة المسح الميداني، لإعادة رسم معالم حدود البيوت التي دُمّرت، ولتحديد كلفة إعادة الإعمار اللازمة. كذلك يمكن الطلب إلى المواطنين، مباشرة تعبئة طلبات واستمارات بواسطة الجيش، للاستفادة من أموال الدعم الداخلي والخارجي، بطريقة منظمة تضمن حصول المتضررين على حقوقهم، هذا بالإضافة إلى الانتقال الفوري إلى إعادة ترميم وتأسيس ما تضرر من بنى تحتية.
موجز القول، إن فضّ الاشتباك بين الحكم ومعارضيه، يفرض واجبات متبادلة، وإن بسط سلطة الدولة كناية عن قرار سيادي وعن عمل شعبي، وإن صياغة المعادلة السيادية لن تكون قهرية، بل واقعية تراعي موجبات البنية الأهلية.
تكراراً، هي معادلة مصالح جديدة، في ميزان سياسي واقعي جديد، هذا لأن الكسر الطائفي مستحيل... خلاصة يجب أن يدركها الداخلي، وأن يعلمها ويفهمها جيّداً، من يخاطبنا من وراء البحار.




