في الحياة السياسية اللبنانية، نادراً ما نجد شخصية أثارت الجدل بقدر ما أثاره وليد جنبلاط، ونادراً ما نجد في الوقت نفسه زعيماً استطاع أن يحافظ على حضوره وتأثيره طوال ما يقارب النصف قرن، رغم تبدل العهود السياسية، وتعاقب الأزمات وتفاقمها، وانهيار التوازنات التي أطاحت كثيرين ممن كانوا أكثر قوة ونفوذاً.
فمنذ توليه قيادة الحزب التقدمي الاشتراكي في العام 1977 عقب اغتيال والده الشهيد الكبير كمال جنبلاط، دخل الحياة العامة في واحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخ لبنان، واضعاً نصب عينيه أولوية حماية السلم الأهلي وصون الوجود الوطني، والعيش الكريم للمواطن الذي يئن تحت أعباء الفقر والقهر والعذابات.
لم تكن مسيرة وليد بك جنبلاط خالية من المنعطفات المتنوعة، لكنه كان ينظر إلى السياسة باعتبارها فناً لإدارة الوقائع، مهما تعاظمت، لا للهروب منها.
وفي بلد مثل لبنان يقوم على التوازنات الدقيقة، كثيراً ما اختار البيك التسويات عندما رأى أن البديل هو الفوضى العارمة، ورفع صوته عندما اعتقد أن الصمت يهدد الكيان اللبناني نفسه بكل مكوناته السياسية.
شكّل اتفاق الطائف في العام 1989 محطة مفصلية في مسيرته، إذ كان من أبرز المدافعين عن إنهاء الحرب الأهلية وترسيخ منطق الدولة والمؤسسات.
وبعد تحرير الجنوب في العام 2000 دعا إلى استثمار هذا الإنجاز في تعزيز الوحدة الوطنية، بعيداً عن الإنقسامات الداخلية التي أنهكت اللبنانيين لعقود.
وجاء العام 2005 ليكرس دوراً مهماً له في الحياة السياسية، بعد أن انحاز إلى مطلب كشف الحقيقة في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وأصبح أحد أبرز أركان انتفاضة الاستقلال، مطالبا بقيام دولة سيدة حرة تمتلك وحدها قرار الحرب والسلم.
وعلى الرغم من حدة الانقسامات التي شهدها لبنان بعد أحداث السابع من أيار 2008 لم يتخلَّ جنبلاط عن الدعوة إلى الحوار، مدركاً أن أي صدام داخلي لن يفضي إلا إلى خسارة الجميع، وانتشار الفوضى.
ومنذ ذلك الحين، بدا أكثر ميلاً إلى تغليب الواقعية السياسية على لغة المواجهة الحادة حفاظاً على الاستقرار الداخلي وعدم الانجرار إلى حرب أهلية جديدة مدمرة.
وفي خضم الانهيار الاقتصادي الذي أصاب لبنان منذ أواخر العام 2019 لم يتوقف جنبلاط عن التحذير من خطورة تفكك مؤسسات الدولة، مؤكداً أن إنقاذ البلاد يبدأ بإصلاح الإدارة والقضاء والإقتصاد، وأن استمرار الفساد أخطر على لبنان من أي تهديد خارجي.
أما إقليمياً فقد اتخذ مواقف اتسمت بالوضوح تجاه التطورات في سوريا منذ العام 2011 داعياً إلى حل سياسي يحفظ وحدة الدولة ويضع حداً لمعاناة الشعب السوري.
كما أولى اهتماماً خاصاً بما يجري في محافظة السويداء، انطلاقاً من حرصه على سلامة أهلها ورفضه تحويلهم إلى وقود للصراعات الإقليمية.
وعلى المستوى العربي، دعا باستمرار إلى تعزيز العلاقات بين لبنان ومحيطه العربي، معتبرا أن العمق العربي يشكل ركيزة أساسية لاستقرار لبنان الاقتصادي والسياسي، وأن الانفتاح على الأشقاء العرب ضرورة وطنية لا خيار ظرفي وآني.
وعلى الصعيد الدولي، فقد حافظ على شبكة واسعة من العلاقات، مستفيداً منها للدفاع عن استقرار لبنان وحشد الدعم له في المحافل المختلفة، مع تأكيده الدائم أن القرار اللبناني يجب أن يبقى مستقلاً بعيداً عن أي وصاية أو تبعية.
وفي السنوات الأخيرة، ومع انتقال رئاسة الحزب التقدمي الاشتراكي إلى نجله تيمور جنبلاط، اختار وليد جنبلاط أن يخفف من حضوره التنظيمي المباشر، لكنه بقي مرجعاً سياسياً يُأخذ بآرائه في القضايا الوطنية الكبرى، لما راكمه من خبرة ومعرفة عميقة بتعقيدات الداخل اللبناني وتشابكات الوضع الإقليمي.
قد يختلف اللبنانيون حول بعض خياراته الداخلية والخارجية، وقد تتباين القراءات لمسيرته الطويلة، إلا أن ما يصعب إنكاره هو أنه ظل لاعباً أساسياً في صناعة الأحداث، وأن حضوره لم يكن عابراً أو مرتبطاً بمرحلة محددة، بل امتد عبر أجيال متعاقبة من التحولات الكبرى.
ولعل أبرز ما يميز وليد جنبلاط أنه لم يتعامل مع السياسة بوصفها شعارات جامدة غير مجدية، بل باعتبارها مسؤولية وطنية تقتضي أحيانا الجرأة في اتخاذ الموقف، وأحياناً أخرى الحكمة في تجنب المغامرات غير المحسوبة العواقب.
وفي زمن كثرت فيه الخطابات المتشنجة، بقي جنبلاط يردد أن حماية لبنان وصون العيش المشترك، ومنع انزلاق البلاد إلى الفتنة، هي الأولويات التي لا يجوز التفريط بها مهما اشتدت الخلافات.
وهكذا يبقى وليد جنبلاط واحداً من أكثر الشخصيات تأثيرا في تاريخ السياسة اللبنانية الحديث .. شخصية يصعب اختصارها بموقف واحد أو مرحلة واحدة، لأنها ارتبطت بمسيرة طويلة من التحولات، وبحضور دائم في تفاصيل الحياة الوطنية اللبنانية، تاركة بصمة ستبقى موضع دراسة ونقاش في التاريخ السياسي اللبناني.
ومهما تبدلت خياراته ومواقفه، لا بد من أن يفهم الجميع هذه الحقيقة الدامغة:
'أينما تكون مصلحة لبنان.. يكون وليد جنبلاط".
وليد جنبلاط رجل السياسة..حين تصبح المسؤولية أثقل من الشعبوية
شادي سراياالجمعة 2026/07/24

'أينما تكون مصلحة لبنان.. يكون وليد جنبلاط". (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر