فيما عادت دفعة أولى من أهالي بلدة زوطر الغربية إليها، بمواكبة من الجيش اللبناني، دخل ملف الجنوب مرحلة الموازنة الدقيقة ما بين الاستحقاقات العسكرية على الأرض والتحديات الدبلوماسية على طاولات التفاوض. وتتجه الأنظار إلى روما، التي تحتضن في 4 آب المقبل جولة سابعة من المفاوضات برعاية أميركية، وبحضور وفد لبناني يضم دبلوماسيين وضباطًا في الجيش. وتضع هذه التطورات "اتفاق الإطار" أمام امتحان ميداني حاسم.
الواضح أن إسرائيل تريد تطبيق الترتيبات تحت النار والضغط الميداني. وعلى رغم حصول لبنان على ضمانات أميركية بعدم استهداف الجيش أثناء تنفيذه مهامه المقررة في المنطقة التجريبية، استمر الإسرائيليون بانتهاك مضامين التفاهم، وواصلوا بشكل مكثف عمليات التفجير والتدمير والجرف في قرى الجنوب، واستمرت الغارات على مناطق عدة، آخرها دير سريان، وتواصلت عمليات التمشيط، فيما الطيران المسيّر لم يوقف جولات التحليق فوق بيروت والضاحية الجنوبية. وفي هذه المناخات، تنامت المخاوف من لجوء إسرائيل إلى تدمير الإرث الثقافي اللبناني المتمثل بقلاع الجنوب الأثرية، بذريعة وجود أنفاق تحتها أو ترسانات حولها، ولاسيما بعد التقارير الاسرائيلية عن استعداد وشيك لتفجير قلعة الشقيف. وهذا ما دفع وزارة الثقافة إلى إدراج قلاع جبل عامل الخمس على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، سعيًا إلى حمايتها.
هذه الاستحقاقات الحساسة بقيت مدار تشاور مكثف بين أركان الحكم، في 3 اتجاهات: تقويم نتائج قمة واشنطن وطرق تثميرها لبنانيًا، تسديد خطوات الجيش جنوبًا وفق المفهوم اللبناني لاتفاق الإطار، ورسم الأطر لخوض غمار المفاوضات المنتظر عقدها في روما، بعد أقل من أسبوعين. واللافت هو إبداء الرئيس نبيه بري مقدارًا من المرونة التكتيكية، من خلال الاتصال برئيس الجمهورية لتهنئته بالعودة، ومنح النتائج فرصة للتطبيق الميداني. وأما في بعبدا والسراي، فكثفت السلطة التنفيذية حراكها لترجمة التفاهمات. ووضع الرئيس جوزاف عون رئيس الحكومة نواف سلام في أجواء المحادثات مع ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو، والالتزام الأميركي بتنفيذ اتفاق الإطار. وأبلغ عون سفيرة الاتحاد الأوروبي ساندرا دو وال والوفد الدبلوماسي أن "الوقت حان لإنهاء الحرب نهائيًا"، مشددًا على أن بقاء "اليونيفيل" يشكل الضرورة القصوى، وإلا فمن الواجب استبدالها بقوة بديلة لضمان الاستقرار.
ولكن، بين انطلاق التجربة الميدانية الأولى جنوبًا والتحضير لجولة روما التي ستحدد الآليات التفصيلية للتحقق من سحب السلاح وتوسيع نطاق "المناطق التجريبية"، يبقى التحدي الحقيقي في الشروط المتبادلة، شبه المستحيلة، بين إسرائيل وحزب الله. فالحزب جدد اليوم تحديد سقف شروطه، فربط ملف السلاح في شمال الليطاني بالانسحاب الإسرائيلي التام. وفي المقابل، تشترط إسرائيل العكس، فهي تريد ضمان نزع سلاح الحزب أولًا للقبول بالانسحاب. وهنا تقف الدولة في الموضع الصعب، ويصبح المفاوضون العسكريون والدبلوماسيون في روما أمام مهمة تلفها التعقيدات الخطرة. وقد لا يحظى لبنان الرسمي بالمرجعية القادرة على تقديم الدعم الذي يحتاج إليه، في مواجهة الابتزاز الإسرائيلي المتواصل.
زوطر الغربية: اختبار للسيادة لا تجربة أمنية محدودة
لا تكمن أهمية ما يجري في زوطر الغربية في عودة دفعة من السكان فحسب، بل في تحوّل البلدة إلى مختبر سياسي وأمني تختبر فيه حدود قدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها من جهة، ومدى استعداد إسرائيل لاحترام الضمانات الأميركية من جهة أخرى. فالجيش لا يدخل أرضًا طبيعية ومستقرة، بل يتحرّك في مساحة مدمّرة، مكشوفة أمام الاستطلاع الإسرائيلي، ومحكومة بشروط ميدانية تضعها تل أبيب تحت عنوان "الرضى عن التنفيذ".
وهنا تظهر المشكلة الأساسية في مفهوم "المناطق التجريبية". فالمصطلح يوحي بأن السيادة اللبنانية أصبحت موضع اختبار خارجي، وأن نجاح انتشار الجيش لا يُقاس فقط بقدرته على ضبط الأرض، بل أيضًا بمدى مطابقته المعايير الإسرائيلية. وهذا التحوّل بالغ الخطورة، لأنه يمنح إسرائيل عمليًّا حقّ تقييم أداء مؤسسات الدولة داخل الأراضي اللبنانية، ويجعل الانتقال إلى بلدات أخرى، مثل فرون وصريفا، مشروطًا بموافقتها غير المعلنة.
في المقابل، تحاول الدولة تحويل هذه التجربة إلى فرصة لإثبات قدرتها على الإمساك بالأرض من دون صدام داخلي، ومن دون منح إسرائيل ذريعة لتوسيع عملياتها. لذلك يتقدّم الجيش بحذر شديد، ويوازن بين واجبه السيادي وضرورة حماية وحداته والأهالي العائدين، خصوصًا أن الضمانات الأميركية لم تمنع إطلاق النار أو عمليات النسف والقصف في محيط مناطق انتشاره.
ضمانات واشنطن تحت الاختبار الإسرائيلي
حصل لبنان، وفق المعطيات المتداولة، على ضمانات أميركية بعدم استهداف الجيش خلال تنفيذ مهماته. لكن قيمة هذه الضمانات لا تُقاس بصياغتها السياسية، بل بقدرة واشنطن على فرضها ميدانيًّا. استمرار الغارات والتفجيرات وعمليات الجرف يعني أن إسرائيل تفصل بين عدم استهداف الجيش مباشرة وبين إبقاء البيئة المحيطة به تحت ضغط عسكري متواصل.
بهذه الطريقة، تحاول تل أبيب إنتاج معادلة واضحة: يستطيع الجيش اللبناني الانتشار، لكن داخل سقف أمني ترسمه إسرائيل، وتحت تهديد دائم بإعادة استخدام القوّة. وهي لا تريد أن يظهر الانسحاب، إذا حصل، بوصفه تطبيقًا لالتزام دولي، بل نتيجة مسار أمني تراقبه وتتحكّم بمراحله.
أما الإدارة الأميركية، فتبدو معنيّة بإنجاح نموذج محدود يمكن تسويقه سياسيًّا، ولا سيّما بعد قمة الرئيس جوزاف عون والرئيس دونالد ترامب. غير أن التحدّي يكمن في منع إسرائيل من تحويل "اتفاق الإطار" إلى أداة لفرض وقائع جديدة، بدل أن يكون وسيلة لإنهاء الاحتلال وتثبيت الاستقرار.
روما: تفاوض على الآليات أم على جوهر السيادة؟
تكتسب الجولة السابعة المقرّرة في روما أهمية استثنائية، لأنها لن تبحث في مبادئ عامة فقط، بل في تفاصيل تنفيذية تتعلّق بآليات التحقّق وسحب السلاح وتوسيع المناطق التي ينتشر فيها الجيش. وضمّ الوفد اللبناني دبلوماسيين وضبّاطًا يعكس إدراكًا رسميًّا بأن الملف لم يعد سياسيًّا صرفًا، ولا تقنيًّا عسكريًّا فقط، بل بات مزيجًا معقّدًا من التفاوض والانتشار والضمانات.
المشكلة أن التفاوض على "آلية التحقّق" قد يتحوّل إلى باب واسع للتدخّل في القرار الأمني اللبناني. فمَن يحدّد أن منطقة ما أصبحت خالية من السلاح؟ ومَن يملك صلاحية الاعتراض؟ وهل يكون للجيش وحده حقّ التقييم، أم تصبح إسرائيل شريكًا في مراقبة الداخل اللبناني؟
هذه الأسئلة هي جوهر معركة روما. فلبنان يريد أن تكون خطة الانتشار مدخلًا إلى انسحاب إسرائيلي كامل، فيما تسعى إسرائيل إلى جعل الانسحاب مكافأة مؤجّلة، لا استحقاقًا واجب التنفيذ. وبين التصوّرين، سيحاول الوسيط الأميركي تركيب تسوية مرحلية، تقوم على خطوات متبادلة، لكنها قد تبقى هشّة ما لم ترتبط بجدول واضح وضمانات قابلة للتنفيذ.
معادلة السلاح والانسحاب: الحلقة المقفلة
أعاد "حزب الله" تثبيت معادلته: لا نقاش في السلاح شمال الليطاني قبل الانسحاب الإسرائيلي الكامل. وفي المقابل، تصرّ إسرائيل على نزع السلاح أو توفير ضمانات بشأنه قبل تنفيذ الانسحاب. وبذلك يدخل الملف في حلقة مقفلة، إذ يشترط كل طرف أن ينفّذ الآخر التزامه أولًا.
موقف الحزب لا ينطلق فقط من حسابات عسكرية، بل من خشية سياسية تتعلّق بفقدان ورقة القوّة من دون مقابل نهائي. فهو يعتبر أن أي تنازل مسبق سيمنح إسرائيل فرصة لتثبيت احتلالها أو فرض شروط إضافية. لكن هذا الموقف يضع الدولة أمام مأزق، لأن المجتمع الدولي يتعامل معها بوصفها الجهة المسؤولة عن احتكار السلاح وتطبيق التفاهمات.
في الجهة المقابلة، تستخدم إسرائيل ملف السلاح لتبرير استمرار عملياتها، ولربط الانسحاب بتغييرات داخلية تتجاوز الحدود. ولذلك لا يبدو أن هدفها يقتصر على إبعاد التهديد عن شمال فلسطين المحتلة، بل يشمل إعادة تشكيل التوازن السياسي والأمني في لبنان.
تباين بري والحزب: مرونة تكتيكية أم تنسيق للأدوار؟
برز التباين بين موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري وخطاب كتلة "الوفاء للمقاومة". فبينما منح بري نتائج زيارة واشنطن فرصة للاختبار، اتخذ الحزب موقفًا أكثر تشدّدًا، واعتبر أن الزيارة لم تنتزع التزامًا أميركيًّا واضحًا بالانسحاب.
لكن هذا التباين لا يعني بالضرورة انقسامًا داخل الثنائية. فقد يعكس تنسيقاً للأدوار يتيح لبري المحافظة على قناة مؤسساتية مع رئاسة الجمهورية والوسيط الأميركي، فيما يحتفظ الحزب بسقف تفاوضي مرتفع. المرونة التي أبداها بري تمنح السلطة التنفيذية مساحة للحركة، لكنها لا تعني تفويضًا مفتوحًا لتقديم تنازلات تمسّ جوهر معادلة السلاح والانسحاب.
وفي المقابل، يحتاج العهد إلى هذه المرونة لتجنّب تحوّل المفاوضات إلى مواجهة داخلية. فالرئيس عون يدرك أن أي تطبيق لا يحظى بحدّ أدنى من التوافق سيبقى هشًّا، وأن الجيش لا يمكن أن يتحوّل إلى طرف في صراع لبناني داخلي تحت عنوان تنفيذ الترتيبات الجنوبية.
النار الإسرائيلية وسيلة تفاوض
لا يمكن فصل الغارات على دير سريان وعمليات النسف في الخيام ومركبا والطيري، والقصف الذي طال طلوسة، عن المناخ التفاوضي. إسرائيل تستخدم النار لتعديل شروط التفاوض، ولإفهام بيروت أن الوقت لا يعمل لمصلحتها. وهي تراهن على أن الدمار والنزوح والضغط الاقتصادي ستدفع الدولة إلى القبول بترتيبات أكثر تشدّدًا.
كما أن التحليق المنخفض للمسيّرات فوق بيروت والضاحية الجنوبية يحمل رسالة سياسية تتجاوز الوظيفة الاستخبارية. فإسرائيل تريد القول إن قدرتها على الوصول والاستهداف لا تزال قائمة، وإن أي تفاوض لا يقيّد حريتها العسكرية.
الأخطر أن هذا الضغط يمتدّ إلى الذاكرة الثقافية للجنوب. فالمخاوف على قلعة الشقيف وقلاع تبنين وشقرا ودوبية ودير كيفا وشمع تعني أن المعركة لم تعد على الجغرافيا وحدها، بل على رموز الهوية والتاريخ. وإدراجها على قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر محاولة لتوفير مظلّة دولية، لكن فعاليتها تبقى مرتبطة بإرادة سياسية دولية لردع التدمير.
الدولة أمام فرصة محفوفة بالمخاطر
تتحرّك الرئاسة والحكومة على أساس أن اللحظة الحالية قد تكون فرصة نادرة لإنهاء الحرب، واستعادة القرار الأمني، وتثبيت حضور الجيش في الجنوب. غير أن هذه الفرصة محاطة بمخاطر كبيرة: تعنّت إسرائيلي، شروط متبادلة، انقسام داخلي محتمل، وضمانات أميركية لم تثبت قدرتها على وقف الانتهاكات.
لذلك، يحتاج الوفد اللبناني في روما إلى موقف واضح يرفض تحويل انتشار الجيش إلى غطاء لاستمرار الاحتلال، ويتمسّك بالتلازم بين الانسحاب وتثبيت سلطة الدولة. كما يحتاج إلى آلية تمنع إسرائيل من امتلاك حقّ النقض على كل خطوة لبنانية.
المعركة الفعلية ليست بين العودة إلى زوطر الغربية أو تأجيلها، بل بين مشروعين: مشروع دولة تستعيد أرضها وسلطتها ضمن تسوية متوازنة، ومشروع إسرائيلي يريد دولة منزوعة القدرة، خاضعة للمراقبة والابتزاز الدائمين.
جولة روما لن تصنع سلامًا نهائيًّا، لكنها ستكشف الاتجاه. فإما أن تتحوّل "صيغة الإطار" إلى طريق منظّم نحو الانسحاب والاستقرار، وإما أن تصبح مظلّة سياسية لإدارة حرب طويلة بوسائل متقطّعة. وبين الاحتمالين، يقف لبنان أمام امتحان بالغ الدقّة: أن يفاوض تحت النار من دون أن يمنح النار شرعية رسم مستقبل الجنوب.




