عاد رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى بيروت حاملًا تفاؤلًا سياسيًا، ولو بالحد الأدنى. وقد انعكس ذلك على مضمون اتصال التهنئة الذي أجراه معه رئيس مجلس النواب نبيه بري. غير أن الواقعية السياسية تستدعي القول إن لبنان يقف على تقاطع إقليمي شديد الاهتزاز، ويجتاز مرحلة دقيقة، يُختصر عنوانها بـ "معادلة الاختبار المتبادل"، بين "ثلاثي الأزمة" لبنان وإسرائيل وواشنطن.
فمع بدء انتشار الجيش اللبناني في زوطر الغربية، وبالتزامن مع تفقد قائد الجيش العماد رودولف هيكل للوحدات الميدانية هناك، دخل الجميع في لعبة فحص النيات:
-
لبنان يختبر النيات الإسرائيلية، عبر مطالبة واشنطن بفرض وقف فعلي للعدوان وترجمة التفاهمات إلى انسحاب إسرائيلي كامل وملموس من الأراضي المحتلة، يرافقه إطلاق مسار جدي لإعادة الإعمار. وهذا ما طالب به بري مجددًا اليوم.
-
إسرائيل تختبر الشروط الأمنية اللبنانية، فهي ترهن أي خطوة انسحاب فعلية بمدى قدرة الدولة والجيش اللبناني على تنفيذ متطلبات حصر السلاح، محاولةً تحويل انتشار الجيش إلى اختبار أمني، وسط استمرار خروقاتها الميدانية المتصاعدة.
-
تقف إدارة ترامب في موضع الحَكَم، وتطالب الطرفين بالجدية. فهي ترغب في إلزام إسرائيل بالانسحاب، لكنها تربط ملف دعم الجيش والتعافي الاقتصادي بشرط غير قابل للتفاوض يتلخص في حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية.
وقد عكس اتصال بري- عون تقاربًا رسميًا حذرًا، إذ أثنت عين التينة على المساعي السياسية التي بذلها رئيس الجمهورية. وطبعًا، يتقاطع مع ما ذكره عون لترامب حول حرص بري على إنهاء الحرب وتفهمه لحساسية موقعه. غير أن بري ثبّت بوصلة التعاطي مع المرحلة المقبلة بالقول إن "العبرة تبقي في النتائج على أرض الواقع لا في الشكل"، مشددًا على أن مقياس النجاح الوحيد للزيارة هو تثبيت وقف النار والانسحاب الإسرائيلي الكامل.
وفي المقابل، عكس موقف النائب حسن فضل الله رفض حزب الله الصريح لسردية الإنجاز الداخلي. ويرى أن ما يجري من انتشار للجيش في البلدات غير المحتلة هو مجرد "استعراض إعلامي يستغل تضحيات المقاومة"، مشددًا على عدم حصول أي انسحاب إسرائيلي من القرى المحتلة حتى الآن. ويكشف هذا الموقف عن مكمن الخلاف الداخلي الجوهري. ويتهم الحزب السلطة بـ "شرعنة بقاء الاحتلال" عبر القبول بربط الانسحاب الإسرائيلي بشرط "نزع سلاح المقاومة"، وهو ما يمهد لمواجهة سياسية وإعلامية محتدمة في الداخل بالتزامن مع تطبيق بنود "اتفاق الإطار".
إذًا، انطوت صفحة إطلاق المواقف المشجعة في واشنطن، ودخل الجميع في الاختبار الحقيقي للتنفيذ. وسيجد لبنان نفسه أمام تحدي القدرة على حماية المناطق التجريبية وانتزاع ضمانات الانسحاب، فيما تواصل إسرائيل الابتزاز الميداني، ويتمسك حزب الله برفض الربط بين الانسحاب والسلاح. وبين هذه الأطراف، يبقى الحسم للحَكَم الأميركي: لا انسحابات ولا دعم دولي ولا إعادة إعمار من دون حصرية سلاح كاملة. ولكن، من هي المرجعية التي ستحدد معايير حصرية السلاح ووقف النار وحدود الانسحاب؟
زوطر الغربيّة: استعادة السيادة أم إدارة منطقة محظورة؟
لا تكمن أهمّيّة زوطر الغربيّة في كونها أوّل مساحة ينتشر فيها الجيش ضمن المرحلة التجريبيّة فحسب، بل في أنّها قدّمت نموذجًا مصغّرًا للتناقض الذي يحكم المشهد الجنوبي برمّته. فالدولة أعلنت عودتها إلى البلدة، ورفعت العلم اللبناني فيها، فيما بقي نحو سبعين في المئة من مساحتها خاضعًا لقيود الحركة والدخول التي فرضتها إسرائيل.
وهنا تظهر الفجوة بين السيادة بوصفها مشهدًا سياسيًّا والسيادة بوصفها قدرة فعليّة على إدارة الأرض. فالجيش دخل، لكنّه لم يدخل إلى كلّ مكان. والمسؤولون زاروا البلدة، لكنّ أهلها لم يتمكّنوا من العودة إليها. أمّا فرق الإسعاف، فاحتاجت إلى مواكبة عسكريّة وتنسيق أمني للدخول وانتشال جثامين الضحايا من تحت الأنقاض.
بهذا المعنى، لا يمكن التعامل مع زوطر الغربيّة باعتبارها إنجازًا مكتملًا، كما لا يمكن تجاهل دلالتها السياسيّة. إنّها خطوة أولى، لكنّها خطوة محكومة حتى الآن بقواعد اشتباك تضعها إسرائيل، لا بقرار سيادي لبناني مستقلّ. وهذا تحديدًا ما يمنح حزب الله مساحة للاعتراض، ويتيح له القول إنّ السلطة تحتفل بالانتشار في مناطق لم تكن محتلة أصلًا، فيما تبقى الأراضي المحتلّة خارج متناول الدولة.
علمان فوق أرض واحدة ورسالتان متناقضتان
في الوقت الذي غرس فيه رئيس الحكومة نواف سلام العلم اللبناني في زوطر الغربيّة، كانت القوّات الإسرائيليّة تتوغّل في محيط قلعة دوبيه ووادي السلوقي والأطراف الغربيّة لميس الجبل وحولا، وتفتّش المنازل وترفع العلم الإسرائيلي داخل القلعة.
المشهدان ليسا تفصيلًا بروتوكوليًّا، بل تعبير عن صراع على تعريف الواقع. الدولة اللبنانيّة تريد القول إنّها بدأت استعادة الأرض وملء الفراغ الأمني. أمّا إسرائيل، فتريد التأكيد أنّ الانتشار اللبناني لا يعني تلقائيًّا انتهاء قدرتها على الحركة العسكريّة أو فرض المناطق العازلة بالنار.
وتزداد خطورة هذه المعادلة مع استمرار الغارات والتفجيرات والقصف المدفعي والتحليق المكثّف للمسيّرات. فإسرائيل لا تتعامل مع بدء انتشار الجيش على أنّه مقدّمة لانسحاب هادئ، بل تحوّله إلى امتحان يومي لقدرة المؤسسة العسكريّة على التحرّك ضمن حدود ترسمها القوّة الإسرائيليّة. وبذلك، يصبح الجيش مسؤولًا أمام اللبنانيّين عن حماية الأرض، من دون أن يمتلك حتى الآن ضمانة سياسيّة أو عسكريّة تمنع استهدافه أو تقييد انتشاره.
زيارة سلام وأزمة الصورة السياسيّة
أثارت زيارة رئيس الحكومة إلى زوطر الغربيّة امتعاضًا لدى فعاليّات البلدة وأهلها، بعدما جرت بصورة سرّيّة ومن دون تنسيق معلن مع البلدية. ورغم تبرير سلام الطابع السرّي بأسباب أمنيّة واعتذاره لاحقًا، فإنّ الحادثة أظهرت حساسيّة العلاقة بين السلطة المركزيّة والمجتمعات الجنوبيّة.
المشكلة لم تكن في غياب الإعلان وحده، بل في شعور الأهالي بأنّ الدولة حضرت لالتقاط صورة سياسيّة قبل أن تؤمّن شروط عودتهم. فالمواطن الذي ما زال ممنوعًا من دخول منزله لن يرى في رفع العلم إنجازًا كافيًا، ولا سيّما إذا كان الاحتلال قادرًا على التحرك على بُعد مسافة قصيرة من موقع الاحتفال.
لذلك، تحتاج الحكومة إلى الانتقال من إدارة المشهد الإعلامي إلى إدارة الوقائع: ضمان العودة، إزالة الركام، انتشال الضحايا، تأمين الطرق، تثبيت الانتشار، وإطلاق الإعمار. أمّا الاكتفاء بلغة "بداية الانسحاب"، من دون جدول زمني واضح أو خرائط دقيقة للمناطق التي ستُخلى، فيهدّد بتحويل التفاؤل الرسمي إلى عبء سياسي.
عون يطرح معادلة ثلاثيّة لنزع السلاح
في واشنطن، حاول الرئيس جوزاف عون إعادة صياغة النقاش حول سلاح حزب الله، بعيدًا عن منطق المطالبة الأميركيّة المباشرة بنزعه. وقدّم معادلة تقوم على ثلاثة عناصر مترابطة: إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، تولّي الجيش المسؤوليّة الأمنيّة الكاملة، وإطلاق برنامج لإعادة الإعمار تديره الدولة.
هذه المقاربة تعكس إدراكًا بأنّ نزع السلاح ليس قرارًا إداريًّا يمكن تنفيذه بقوّة النصوص أو الضغوط الخارجيّة. إنّه تحوّل سياسي وأمني واجتماعي يحتاج إلى إزالة الأسباب التي يستخدمها حزب الله لتبرير استمرار بنيته العسكريّة، وإلى بناء بديل فعلي قادر على حماية المناطق الحدوديّة واستيعاب البيئات المتضرّرة من الحرب.
لكنّ الإشكاليّة تكمن في ترتيب الخطوات. واشنطن تريد التزامًا لبنانيًّا واضحًا بحصريّة السلاح قبل الإفراج عن الدعم الواسع للجيش وإعادة الإعمار. في المقابل، يرى عون أنّ تقوية الجيش وإنهاء الاحتلال وإعادة بناء الجنوب شروط ضروريّة لفتح المسار الداخلي. أمّا حزب الله، فيرفض من حيث المبدأ ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاحه، ويعتبر هذا الربط مكافأة للاحتلال.
واشنطن حكمٌ أم طرف ضاغط؟
تقدّم الإدارة الأميركيّة نفسها بوصفها الجهة القادرة على الضغط على إسرائيل، وضمان دعم الجيش، وحشد التمويل لإعادة الإعمار. لكنّها في الوقت نفسه ليست وسيطًا محايدًا بالمعنى التقليدي، لأنّها تتبنّى هدف حصر السلاح بيد الدولة كشرط مركزي لأيّ تسوية.
واشنطن تريد مسارًا متوازيًا ظاهريًّا: انسحابًا إسرائيليًّا تدريجيًّا، وانتشارًا للجيش، وخطوات لبنانيّة ملموسة في ملف السلاح. غير أنّ التجربة الميدانيّة تشير إلى أنّ إسرائيل قادرة على تأخير التزاماتها، فيما يُطلب من لبنان تقديم خطوات قابلة للقياس والتحقّق.
من هنا، يصبح السؤال الأساسي: هل تملك واشنطن استعدادًا فعليًّا لإجبار إسرائيل على وقف الاعتداءات والانسحاب، أم أنّها ستستخدم استمرار الاحتلال وسيلة ضغط على الدولة اللبنانيّة وحزب الله معًا؟ الإجابة ستحدّد ما إذا كانت المرحلة التجريبيّة مدخلًا لتثبيت السيادة، أم آليّة جديدة لإدارة الاحتلال بشروط أمنيّة مختلفة.
بري بين حماية التسوية وضبط سقف التوقّعات
اتصال الرئيس نبيه بري بالرئيس عون عكس حرصًا على إبقاء قنوات التنسيق الرسمي مفتوحة، خصوصًا بعد الإشارات الإيجابيّة التي نقلها عون عنه إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب. غير أنّ بري تعمّد الفصل بين نجاح الزيارة من حيث الشكل ونجاحها من حيث النتائج.
عبارته بأنّ "العبرة تبقى في النتائج على أرض الواقع" ليست مجرّد تحفّظ، بل محاولة لضبط السقف السياسي ومنع تحويل زيارة واشنطن إلى انتصار داخلي قبل ظهور مفاعيلها. فبري يريد انسحابًا كاملًا، ووقفًا ثابتًا للنار، وإعادة إعمار، ويعلم أنّ أيّ انخراط في ملف السلاح قبل تحقيق تقدّم إسرائيلي سيضعه في مواجهة مباشرة مع حزب الله وبيئته.
لذلك، يتحرّك بري في مساحة دقيقة: دعم الدولة ومنع انهيار التسوية الداخليّة، من دون تبنّي المقاربة الأميركيّة كاملة، ومن دون الذهاب إلى قطيعة مع رئيس الجمهوريّة.
حزب الله يرفض رواية الإنجاز
موقف النائب حسن فضل الله وبيان كتلة "الوفاء للمقاومة" وضعا حدًّا لأيّ محاولة لإنتاج إجماع داخلي حول نتائج زيارة واشنطن. الحزب يرى أنّ السلطة تستخدم انتشار الجيش لصناعة إنجاز وهمي، وأنّ إسرائيل لم تنسحب من أيّ أرض احتلّتها، بل تواصل القصف والتوغّل والتدمير.
هذا الموقف لا يستهدف الحكومة وحدها، بل يستبق المرحلة المقبلة من النقاش حول السلاح. فالحزب يريد تثبيت معادلة مفادها أنّ الاحتلال لا يزال قائمًا، وبالتالي فإنّ أسباب الاحتفاظ بالسلاح لا تزال قائمة. كما يريد منع اعتماد زوطر الغربيّة نموذجًا سياسيًّا يُعمَّم لاحقًا لتبرير الانتقال إلى مراحل أكثر حساسيّة.
وفي المقابل، ترى القوى المؤيّدة لحصريّة السلاح أنّ استمرار الاحتلال لا يمكن أن يتحوّل إلى ذريعة مفتوحة لبقاء قرار الحرب خارج الدولة. وبين الموقفين، يغيب حتى الآن الاتفاق على تعريف التهديد، وجدول الانسحاب، ودور الجيش، والضمانات الدوليّة.
المرحلة المقبلة: صراع على المرجعيّة
جوهر الأزمة لم يعد محصورًا في سؤال ما إذا كان الجيش سينتشر، بل في المرجعيّة التي ستحدّد نجاح الانتشار وحدوده. هل تعتمد الدولة المعايير الأميركيّة لحصريّة السلاح؟ هل يُربط كلّ انسحاب إسرائيلي بخطوة لبنانيّة مقابلة؟ وهل يُطبّق القرار 1701 جنوب الليطاني فقط، أم يتحوّل إلى مدخل لمعالجة السلاح على كامل الأراضي اللبنانيّة؟
المعركة المقبلة ستكون سياسيّة بقدر ما هي أمنيّة. الحكومة مطالبة بإثبات أنّها لا تقدّم تنازلات مجانيّة، وحزب الله مطالب بتقديم تصوّر واقعي لمستقبل سلاحه، وواشنطن مطالبة بإثبات قدرتها على إلزام إسرائيل، فيما يحتاج الجيش إلى دعم يحميه من التحوّل إلى طرف محاصر بين الاحتلال والانقسام الداخلي.
زوطر الغربيّة ليست خاتمة الحرب، بل بداية الاختبار الأصعب. فإذا تحوّل انتشار الجيش إلى انسحاب إسرائيلي وعودة للأهالي وإعمار تقوده الدولة، يمكن الحديث عن مسار سيادي جديد. أمّا إذا بقي العلم اللبناني مرفوعًا فوق أرض محظورة على أصحابها، فإنّ الصورة ستتحوّل من إعلان استعادة الدولة إلى شهادة على حدود قدرتها.




