برلمان بلا بوصلة... ترف التشريع في زمن الانهيار

أنطوان ع. نصراللهالخميس 2026/07/23
Image-1784718151.Jpg
ليست المشكلة في غياب مشاريع القوانين، بل في غياب الإرادة السياسية التي تفرض ترتيب الأولويات (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

في الدول التي تواجه الانهيارات الكبرى، تتحول البرلمانات إلى غرف طوارئ وطنية، وتصبح التشريعات أدوات إنقاذ لا مواد للنقاش العقيم. أما في لبنان، فيبدو المشهد معكوساً. فكلما تعمقت الأزمة، ازداد التباعد بين هموم الناس وأولويات السلطة.  وبينما يرزح اللبنانيون تحت أثقال الانهيار الاقتصادي، وانهيار مؤسسات الدولة، ونتائج الحرب المدمرة التي أصابت الجنوب والبقاع، لا يزال المجلس النيابي يتصرف، في كثير من الأحيان، كأن البلاد تعيش ظروفاً طبيعية تسمح بإهدار الوقت والانشغال بمعارك جانبية لا تغيّر شيئاً في حياة المواطنين.

ليست المشكلة في غياب مشاريع القوانين، بل في غياب الإرادة السياسية التي تفرض ترتيب الأولويات. فالتشريع بلا رؤية ليس إنجازاً، بل تراكمٌ للنصوص فوق ركام الأزمات. وما قيمة عشرات الاقتراحات إذا بقيت القوانين الإصلاحية الكبرى رهينة الحسابات السياسية، والتوازنات الفئوية، ومصالح القوى المتنازعة؟

منذ خريف العام 2019، يعيش اللبنانيون انهياراً لم تعرفه البلاد منذ نشأتها. تبخرت الودائع، وانهارت العملة، وتآكلت القدرة الشرائية، وتراجعت الخدمات الأساسية، فيما تخلت الدولة تدريجاً عن أبسط واجباتها تجاه مواطنيها. ثم جاءت الحرب في العام 2024 لتضاعف الخسائر وتضيف آلاف المتضررين ودماراً واسعاً كان يفترض أن يستنفر جميع مؤسسات الدولة، وفي مقدمها المجلس النيابي، لإطلاق ورشة تشريعية استثنائية تعيد بناء الثقة وتؤسس لمسار التعافي.

لكن ما شهدناه كان في كثير من الأحيان نقيض ذلك تماماً. جلسات طويلة تُستنزف في سجالات سياسية، وخطابات شعبوية، ومزايدات إعلامية، فيما تُرحَّل القوانين المفصلية أو تُفرَّغ من مضمونها تحت وطأة التسويات والمحاصصات. كأن معاناة اللبنانيين لم تعد أولوية، بل مجرد خلفية لمشهد سياسي اعتاد إدارة الأزمات بدلاً من إنهائها.

والأخطر من ذلك أن جزءاً من الطبقة السياسية يتصرف كأن مرور الوقت لا يحمّل أحداً مسؤولية. غير أن الحقيقة مختلفة تماماً؛ فكل يوم يتأخر فيه الإصلاح هو خسارة جديدة للاقتصاد، وكل جلسة نيابية تنتهي بلا قرارات حاسمة تعني مزيداً من الفقر، ومزيداً من هجرة الشباب، ومزيداً من تآكل ما تبقى من ثقة بالدولة.

من واجب اللبنانيين أن يسألوا، انطلاقاً من حقهم الدستوريما الذي أنجزه البرلمان فعلياً منذ بداية الانهيار لتغيير مسار البلاد؟ وهل هنالك من خطة فعلية لوقف هذا الانهيار؟ 

وهذه الاسئلة  تاتي من خلفية أن البرلمان ليس هيئة لإدارة الخلافات السياسية، بل سلطة دستورية وُجدت لحماية المصلحة العامة، أي حماية الشعب. وعندما تصبح الحسابات الحزبية أقوى من المصلحة الوطنية، يتحول التشريع من أداة للحل إلى جزء من المشكلة. وحين تغيب الأولويات، يصبح الوقت نفسه ضحية، فيما يدفع اللبنانيون وحدهم ثمن هذا الفراغ السياسي والتشريعي.

اليوم، لم يعد المطلوب المزيد من الوعود ولا البيانات المنمّقة الصادرة عن بعض النواب، بل برنامج تشريعي وطني واضح، يلتزم بإقرار القوانين الإصلاحية ضمن مهل زمنية محددة، واصرار ان تنفذ الحكومة هذه الاصلاحات.....

لقد بلغ اللبنانيون مرحلة لم يعد فيها الفشل مجرد نتيجة لسوء الإدارة، بل أصبح استمراراً لنهج سياسي يبدد الفرص ويستنزف ما تبقى من مقدرات الدولة. والتاريخ لن يحاسب من اختلفوا في السياسة، بل من امتلكوا سلطة القرار واختاروا تأجيله.

لقد حان الوقت لأن يدرك الجميع أنَّ الوطن لا يسقط دفعة واحدة، بل يسقط عندما تتحول مؤسساته إلى شهود على الانهيار بدلاً من أن تكون أدوات للخلاص. وعندها، لن يكون السؤال لماذا انهار لبنان؟؟ بل لماذا صمتت مؤسساته وهي ترى الانهيار يتقدم من دون أي مقاومة؟؟؟.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث