تطورات مفصلية متسارعة شهدتها الساعات الأخيرة، من شأنها أن ترسم معالم المرحلة الجديدة في لبنان. فبينما كان رئيس الجمهورية جوزاف عون يختم زيارته للبيت الأبيض، اختار رئيس الحكومة نواف سلام وقائد الجيش اللواء جوزيف هيكل توجيه رسالة سيادية عالية السقف بزيارة زوطر الغربية ورفع العلم اللبناني في ساحتها، بالتزامن مع بدء انتشار الجيش فيها. وهكذا توزع المشهد اللبناني بين المظلة الدبلوماسية التي وُصفت بالإيجابية في واشنطن، والاختبار الأمني الدقيق، بالنار، على خطوط التماس التي استحدثتها إسرائيل في الجنوب، تحت تسمية "الخط الأصفر".
وقبل أن تبدأ نتائج قمة عون- ترامب بالتبلور، ستكون المهمة التي يبدأها قائد فريق المراقبة الأميركي لـ"اتفاق الإطار" اللواء جوزيف كليرفيلد، بوصوله إلى بيروت، حساسة في رسم قواعد الاشتباك الجديدة في الجنوب ومفهوم المناطق التجريبية. ثم إنَّ تحديد الرابع من آب المقبل موعداً للجولة الجديدة من المفاوضات الثلاثية في روما، يكشف عن تسلسل زمني يبدو كل الأطراف ملزمين خلاله بالانتقال من الوعود النظرية إلى تحقيق النتائج على الأرض.
وقد جاء دخول الجيش اللبناني إلى زوطر الغربية كأولى خطوات تطبيق مقترح "المناطق التجريبية"، مترافقاً مع نفي رسمي للدخول إلى زوطر الشرقية المحتلة، ليعكس الدقة الشديدة التي تدير بها القيادة العسكرية هذا الملف. غير أن رد الفعل الإسرائيلي المتمثل بإطلاق النار المباشر أمس، قرب وحدات الجيش، والإصرار على أعمال التفجير الهائلة في القرى، مثل كونين ومجدل زون وكفرتبنيت اليوم، يثير الخشية من تبييت رغبة لدى إسرائيل في تحويل المقترح إلى مجرد اختبار أمني تعجيزي للبنان، تستغله من أجل فرض رؤيتها للمنطقة العازلة الواقعة تحت السيطرة، بدلاً من التزامها الانسحاب الكامل، ولو بالتدريج.
وأما على الضفة الأميركية، فالأنظار مشدودة في اتجاه ما أعلنه ترامب أمس في المؤتمر الصحافي الذي عقده مع الرئيس عون، والذي أطلق خلال جرعة تفاؤل واضحة. فقد أعلن ترامب عن "خطط واضحة لمساعدة الجيش"، مؤكداً بدء الانسحاب الإسرائيلي. والرهان اللبناني الحقيقي لا يتوقف عند إشادات ترامب بالرئيس عون أو حديثه عن دور الرئيس نبيه بري "الإيجابي"، بل يفترض أن يتعداه إلى قدرة البيت الأبيض على ترجمة هذه العموميات إلى قرارات تنفيذية. وهذا ما أكده بري اليوم. ويعني ذلك إرغام حكومة نتنياهو على تحويل الانسحاب إلى مسار كامل، والإفراج عن الاقتصاد اللبناني وتسيير الرحلات الجوية المباشرة بين واشنطن وبيروت، مقدمة لفتح باب الاستثمارات وإعادة الإعمار بعد سنوات من الحصار الخانق. وفي هذه المناخات، تتجه الأنظار إلى الرابع من آب، وطاولة روما الثلاثية.
الاختبار الحقيقي سيتم ميدانياً في الجنوب: فإما أن يُلزم الفريق الأميركي إسرائيل بوقف اعتداءاتها والانسحاب التام، وإما أن تبقى الإيجابيات الموعودة في البيت الأبيض حبراً على ورق، ما يعيد الأوضاع إلى المربع الأول ويضع اتفاق الإطار أمام خطر الانهيار تحت وطأة التصعيد الإسرائيلي المستمر. وإذ يعود الرئيس عون إلى بيروت حاملاً سلة وعود أميركية تدعو إلى التفاؤل بفك الخناق الاقتصادي ودعم المؤسسة العسكرية، فإن اختبار النيات الحقيقي سيكون على خطوط التماس في الجنوب، حيث يتوجب على واشنطن تحويل دعمها إلى ضغط ملموس يفرض على تل أبيب الانسحاب الكامل ووقف النار، لينتقل لبنان فعلياً من زمن الوعود المفتوحة إلى مرحلة النتائج العملية.
ثلاثة مسارات ترسم صورة المرحلة
لم يعد الحدث اللبناني محصورًا في زيارة رئاسيّة إلى واشنطن، أو في انتشار عسكريّ محدود داخل بلدة جنوبيّة. ما يجري هو تزامن مدروس، أو مفروض، بين ثلاثة مسارات مترابطة: غطاء سياسيّ أميركيّ للرئاسة اللبنانيّة، اختبار ميدانيّ لقدرة الجيش على ملء الفراغ، ومحاولة إسرائيليّة للاحتفاظ بحقّ تحديد حدود الانسحاب وشروطه.
من هنا، لا يمكن قراءة دخول الجيش إلى زوطر الغربيّة باعتباره إجراءً تقنيًّا. رفع العلم اللبنانيّ في البلدة يعبّر عن استعادة رمزيّة للسيادة، لكنّ السيادة لا تُقاس بالرموز وحدها. معيارها الفعليّ هو قدرة المؤسّسة العسكريّة على التحرّك من دون التعرّض للنيران، ومن دون أن تضطرّ إلى طلب إذن إسرائيليّ غير مباشر لدخول أرض لبنانيّة.
إطلاق النار قرب الوحدات العسكريّة يكشف مبكرًا الخلل الكامن في صيغة "المناطق التجريبيّة". فإسرائيل تتعامل معها بوصفها امتحانًا للبنان، فيما ينظر إليها لبنان باعتبارها بداية انسحاب يجب أن يتوسّع تدريجيًّا. وبين المنطقين فارق جوهريّ: الأوّل يمنح الاحتلال سلطة التقييم والقرار، والثاني يفترض جدولًا زمنيًّا ملزمًا ينتهي باستعادة كامل الأراضي.
واشنطن أمام امتحان ترجمة الوعود
أطلق الرئيس دونالد ترامب عبارات إيجابيّة بشأن مساعدة لبنان ودعم الجيش، وتحدّث عن انسحاب إسرائيليّ جارٍ. غير أنّ اللغة السياسيّة الأميركيّة تبقى بلا قيمة عمليّة ما لم تنعكس ضغطًا مباشرًا على حكومة بنيامين نتنياهو.
لبنان لا يحتاج إلى إشادات إضافيّة برئيسه، ولا إلى توصيف شعبه بأنّه مثقّف ومميّز، بل إلى ضمانات واضحة: تثبيت وقف إطلاق النار، وقف التفجيرات، منع التوغّلات، وإقرار آليّة انسحاب لا تخضع للمزاج العسكريّ الإسرائيليّ. لذلك، جاءت مقاربة رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي شديدة الدلالة حين ربط نجاح القمّة بالنتائج الميدانيّة، لا بالصورة الاحتفاليّة التي خرجت من البيت الأبيض.
الكلام عن دور برّي "الإيجابيّ" يندرج في محاولة أميركيّة لاحتواء الاعتراض الداخليّ على المسار الجديد. لكنّ استيعاب برّي سياسيًّا لا يكفي وحده. المطلوب أن يشعر بأنّ الاتفاق يحقّق انسحابًا فعليًّا، لا أن يحوّل الدولة إلى جهة تنفّذ التزامات أحاديّة، بينما تواصل إسرائيل بناء خطوط دفاعيّة جديدة داخل الأراضي اللبنانيّة.
هندسة الاحتلال تناقض منطق الانسحاب
تكشف التقارير الإسرائيليّة عن شقّ عشرات الكيلومترات من الطرق، وإقامة جسور وتحصينات، وتنفيذ عمليّات هدم يوميّة داخل القرى المطوّقة. وهذه المعطيات تطرح سؤالًا أساسيًّا: هل تستعدّ إسرائيل للانسحاب، أم تعيد هندسة وجودها العسكريّ تمهيدًا لإقامة منطقة أمنيّة طويلة الأمد؟
من الناحية العسكريّة، لا تبدو عمليّات فتح المسارات وربط المواقع وإنشاء خطوط دفاعيّة إجراءات مؤقّتة. إنّها مؤشّرات إلى محاولة تثبيت واقع جغرافيّ وأمنيّ يتيح للقوّات الإسرائيليّة التحكّم بالحركة داخل القرى ومحيطها. أمّا تفجير المنازل والمنشآت بذريعة إزالة مصادر التهديد، فيؤدّي عمليًّا إلى تحويل الانسحاب المحتمل إلى عودة لبنانيّة نحو أرض مدمّرة، تحتاج إلى سنوات من الإعمار.
وهنا تظهر أهمّيّة ربط الدعم العسكريّ بإعادة الإعمار. انتشار الجيش من دون عودة السكّان والخدمات سيخلق مناطق فارغة قابلة لإعادة الاختراق. لذلك، فإنّ حديث رئيس الحكومة عن فتح الطرق وإزالة الركام وتأمين المياه والكهرباء والمساكن الجاهزة ليس تفصيلًا إنمائيًّا، بل جزء من المعركة على تثبيت السيادة.
الجيش بين متطلّبات الداخل وشروط الخارج
تسعى إسرائيل إلى تصوير كلّ مرحلة انسحاب باعتبارها مكافأة مشروطة بقدرة الجيش اللبنانيّ على نزع سلاح "حزب الله". وبهذه الصيغة، يصبح الاحتلال هو الجهة التي تحدّد متى أنجز الجيش مهمّته، وما إذا كان يستحقّ الانتقال إلى منطقة إضافيّة.
هذا المنطق يضع المؤسّسة العسكريّة أمام مهمّة شديدة الخطورة. فهي مطالبة ببسط سلطة الدولة ومنع السلاح غير الشرعيّ، لكنّها تحتاج في الوقت نفسه إلى غطاء سياسيّ داخليّ، وإمكانات عسكريّة واقتصاديّة، وانسحاب إسرائيليّ يزيل الذريعة الأساسيّة لاستمرار السلاح.
معادلة الرئيس عون تبدو واضحة: إزالة الاحتلال، تمكين الجيش، وإطلاق برنامج إعادة إعمار تديره الدولة، بما يفتح الطريق أمام معالجة ملفّ السلاح. أمّا قلب هذه المعادلة، واشتراط نزع السلاح الكامل قبل الانسحاب، فيعني إدخال لبنان في مواجهة داخليّة، مع إبقاء الاحتلال قائمًا.
التدخّل السوريّ خطّ أحمر لبنانيّ
كان تكرار ترامب الحديث عن احتمال تدخّل سوريا ضدّ "حزب الله" من أكثر النقاط حساسيّة. فمهما كانت طبيعة العلاقة بين دمشق والحزب، لا يستطيع لبنان التعامل مع دخول قوّات سوريّة إلى أراضيه بوصفه حلًّا مقبولًا.
أيّ دور سوريّ مشروع يجب أن يقتصر على ضبط الحدود ومنع تهريب السلاح، ضمن تنسيق رسميّ بين الدولتين. أمّا نقل الصراع إلى الداخل اللبنانيّ، فسيهدّد بإحياء انقسامات تاريخيّة، ويقوّض المبدأ الذي تسعى الرئاسة إلى تكريسه، أي حصر الأمن والسيادة بالجيش اللبنانيّ.
روما موعد النتائج لا جولة علاقات عامّة
يشكّل اجتماع الرابع من آب في روما محطّة فاصلة. فإمّا أن يخرج بجدول واضح للانسحاب، وضمانات لوقف الاعتداءات، وتحديد صريح لصلاحيّات مجموعة التنسيق العسكريّ، وإمّا أن يتحوّل إلى غطاء سياسيّ لإدارة الاحتلال بدل إنهائه.
على لبنان أن يدخل المفاوضات بموقف موحّد: لا اعتراف بأيّ منطقة عازلة داخل حدوده، ولا قبول بتحويل "المناطق التجريبيّة" إلى نظام دائم، ولا فصل بين الانسحاب وإعادة الإعمار وعودة السكّان.
الفرصة المتاحة أمام الدولة حقيقيّة، لكنّها ليست مفتوحة بلا نهاية. نجاحها يتوقّف على تحويل الدعم الأميركيّ إلى التزامات، والانتشار العسكريّ إلى سيادة كاملة، والوعود الاقتصاديّة إلى استثمارات وإعمار. أمّا استمرار التفجيرات والتوغّلات، فسيعني أنّ إسرائيل تستخدم المفاوضات لشراء الوقت وتثبيت وقائع جديدة.




