ترتدي قمة واشنطن، بين رئيس الجمهورية جوزاف عون والرئيس الأميركي دونالد ترامب، أهمية استثنائية. فهي تأتي في لحظة مفصلية تُحبس فيها الأنفاس في الجنوب اللبناني. وهي ستضع اتفاق الإطار على طاولة الحسم عمليًا، وسط انطلاق الخطوة الأولى من مسار المناطق التجريبية. وتعبّر القمة في الواقع عن سباق محموم بين الدبلوماسية اللبنانية وآلة الحرب الإسرائيلية التي صعّدت عملياتها ميدانيًا على امتداد الجنوب اللبناني، طوال الأيام الأخيرة، في محاولة لفرض الوقائع الجديدة.
بدا استقبال ترامب لعون ودودًا، وأشاد فيه بخصال الرئيس اللبناني. وفي اللقاء المفتوح أمام وسائل الإعلام، قال ترامب: "الولايات المتحدة ستساعد لبنان واللبنانيين على البقاء في وطنهم"، مشيرًا إلى أن لبنان "تعرض لمعاملة سيئة في السابق، وحزب الله أساء إلى لبنان"، مضيفًا: "سنتعامل مع لبنان بشكل جيد من الآن فصاعدًا". ورأى أن الاتفاقيات الإبراهيمية تلقى نجاحًا، وأن لبنان سيحظى بمكانة جيدة. وأضاف: "إذا أراد الرئيس اللبناني مني أن أحاور حزب الله فسأفعل". وعن طرحه تدخل سوريا في لبنان ضد حزب الله قال ترامب: "نحن نعتبر ان الرئيس اللبناني يبلي بلاء حسنًا في مواجهة حزب الله. ودخول سوريا قد يكون امرًا فعالًا". أخب لبنان عندي اصدقاء. توم براك بينهم. وأضاف: سترون أن الرئيس عون سيحمل معه أمرًا جيدًا، كما قال السفير ميشال عيسى.
أما عون فأعرب عن شكره لترامب على توقيع اتفاق الإطار، مؤكدًا أن رؤية لبنان لاستقرار المنطقة تتوافق مع رؤية الإدارة الأميركية. وشدد عون على أن الوقت قد حان لينعم لبنان بالاستقرار والأمن، لافتًا إلى أن رئيس مجلس النواب نبيه بري يريد أيضًا رؤية نهاية للحرب، ويدعم المسار الذي تعمل عليه الدولة اللبنانية.
وأضاف: "قلت للرئيس ترامب إنني أود أن أحصل على دعمكم للجيش، شريان الاستقرار والأمن. لا نريد رؤية انهياره. في العام 1975، انهار الجيش. لا نريد رؤية ذلك مجددًا. أميركا تعرف ذلك."
في الاجتماع المغلق، سيحاول عون انتزاع قرار أميركي يُفعل الاتفاق الإطاري وفق المفهوم اللبناني. وهذا هو التحدي الأكبر. أي إنه يحمل مطلبًا لبنانيًا إجماعيًا، يتلخص في وجوب بدء خطة المناطق التجريبية بانسحاب إسرائيلي فعلي من القرى المحتلة لتمكين الجيش من الانتشار وعودة الأهالي، والتصدي للمنطق الإسرائيلي الذي يحاول استخدام الخطة كـ"اختبار أمني" للجيش اللبناني في مناطق محررة، لا أكثر.
في المقابل، على أرض الجنوب، تستبق تل أبيب نتائج القمة بتصعيد عملياتي واسع النطاق يُمرر رسائل سياسية بالغة الخطورة. إذ تتزامن القمة مع غارات وتفجيرات متواصلة تنفذها القوات الإسرائيلية في بلدات الخيام، كفرتبنيت، زوطر، وحداثا، إلى جانب عمليات تمشيط وتجريف في بنت جبيل والناقورة. والتفجير الأضخم هو الذي تلوح به إسرائيل، وينتظر موافقة المستوى السياسي، ويقضي بتفجير أنفاق شقيف أرنون، ما يهدد بزلزال بقوة تفوق 3.4 بمقياس ريختر.
ويهدف التصعيد الإسرائيلي المكثف إلى فرض واقع قائم يُكرّس "الخط الأصفر" كمنطقة أمنية عازلة خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، وإحراج الجيش اللبناني ميدانيًا عبر زرع الألغام والأجسام المشبوهة كما حدث في المنصوري، ما يعوق انتشاره وقد يعطل تطبيق بند المناطق التجريبية.
وتكمن أهمية القمة في كونها تضع الاتفاق الإطاري أمام خيارين لا ثالث لهما: إما سيناريو النجاح المشروط، أي أن يقتنع ترامب بفرض جدول زمني للانسحاب الإسرائيلي بإشراف القيادة المركزية الأميركية، ما يُعطي دفعًا للشرعية اللبنانية ويفتح باب التهدئة. وإما سيناريو التعثر والتصعيد، أي أن تتبنى واشنطن الطرح الإسرائيلي الذي يشترط تفكيك بنية الحزب بالكامل قبل القيام بأي انسحاب، ما يعني بقاء اتفاق الإطار مجمدًا، وترك الجنوب عرضة لتثبيت احتلال إسرائيل واحتمال تعميق المواجهة الداخلية في لبنان.
قمة تتجاوز المجاملات إلى اختبار النفوذ
لم يكن الاستقبال الودّي الذي خصّ به ترامب الرئيس عون مجرّد تفصيل بروتوكوليّ. فاللغة التي استخدمها الرئيس الأميركي حملت إشارات سياسيّة مقصودة إلى استعداد واشنطن لمنح العهد اللبناني غطاءً، شرط أن يثبت قدرته على تحويل شرعيّة الدولة إلى سلطة فعليّة في الجنوب.
وعندما وصف ترامب عون بأنّه قد يصبح واحدًا من أهمّ قادة الشرق الأوسط، فإنّه لم يمنحه شهادة نجاح مسبقة، بل وضع أمامه معيارًا أميركيًّا بالغ الصعوبة: احتواء "حزب الله"، وتثبيت احتكار الدولة للسلاح، ومنع انهيار المؤسّسات، من دون دفع البلاد إلى مواجهة أهليّة.
من هنا، لا تبدو الإشادة الأميركيّة مجّانيّة. إنّها أقرب إلى تكليف سياسيّ مشروط، يُراد منه أن يتولّى رئيس الجمهوريّة إدارة مرحلة انتقاليّة دقيقة بين واقع السلاح خارج الدولة ومشروع استعادة السيادة. أمّا نجاح هذه المهمّة، فلا يتوقّف على القرار اللبناني وحده، بل على استعداد واشنطن للجم إسرائيل ومنعها من تقويض الدولة التي تطالبها في الوقت نفسه ببسط سلطتها.
الخلاف الحقيقي على ترتيب الخطوات
جوهر التباين بين بيروت وتل أبيب لا يتعلّق بمبدأ انتشار الجيش اللبناني، بل بترتيب الالتزامات. لبنان يريد انسحابًا إسرائيليًّا واضحًا يفتح الطريق أمام الجيش والأهالي، فيما تريد إسرائيل أن يتحوّل الانتشار اللبناني إلى امتحان أمنيّ يسبق الانسحاب ويبرّره.
هذا الفارق ليس إجرائيًّا، بل يمسّ جوهر السيادة. فقبول الرؤية الإسرائيليّة يعني عمليًّا أن تبقى الأراضي اللبنانيّة تحت الاحتلال إلى أن تقدّم الدولة أدلّة كافية على قدرتها على نزع السلاح وضبط الحدود. أمّا الرؤية اللبنانيّة، فتنطلق من أنّ الاحتلال نفسه يمنع الدولة من ممارسة سلطتها ويضعف صدقيّتها أمام سكّان الجنوب.
لذلك يسعى عون إلى إقناع ترامب بمعادلة متوازنة: انسحاب إسرائيليّ مرحليّ ومتحقّق منه، يقابله انتشار سريع للجيش، بإشراف أميركيّ يضمن التنفيذ ويمنع أيّ طرف من التراجع. ومن دون هذا التزامن، تتحوّل "المناطق التجريبيّة" إلى مناطق اختبار للبنان وحده، فيما تحتفظ إسرائيل بحرّيّة النار والحركة والعودة.
الجنوب ورقة ضغط فوق طاولة البيت الأبيض
تزامن القمّة مع إطلاق النار قرب وحدات الجيش في زوطر الغربيّة يكشف حجم التناقض بين الخطاب الدبلوماسيّ والواقع الميدانيّ. ففي الوقت الذي تتحدّث فيه واشنطن عن دعم الجيش، يتعرّض هذا الجيش للاستهداف خلال تنفيذ المهمّة التي تطلبها منه الولايات المتّحدة.
هذه الحادثة ليست تفصيلًا عابرًا. إنّها رسالة إسرائيليّة إلى واشنطن وبيروت معًا، مفادها أنّ تل أبيب تريد الاحتفاظ بحقّها في تحديد حدود الانتشار اللبنانيّ وشروطه. كما أنّها محاولة لوضع الجيش في موقع العاجز: إمّا أن يتقدّم تحت النار، وإمّا أن يتراجع فتستخدم إسرائيل انسحابه دليلًا على عدم قدرته على ملء الفراغ.
كذلك تؤدّي التفجيرات وعمليّات التجريف وزرع الأجسام المشبوهة وظيفة سياسيّة، لا عسكريّة فحسب. فكلّ قرية مدمّرة، وطريق مقطوعة، ومنزل مفخّخ، تعني إطالة أمد عودة الأهالي، وتحويل الانسحاب المعلن إلى سيطرة غير مباشرة على الأرض. وبذلك تستطيع إسرائيل الادّعاء أنّها انسحبت، فيما تترك خلفها بيئة أمنيّة تمنع الدولة من استعادة الحياة الطبيعيّة.
دعم الجيش ليس مساعدة تقنيّة
حين حذّر عون من تكرار انهيار الجيش كما حصل عام 1975، كان يخاطب الذاكرة الأميركيّة بقدر ما كان يطلب دعمًا عسكريًّا. فالرسالة الأساسيّة هي أنّ إضعاف الجيش اليوم لن يؤدّي إلى فراغ مؤقّت، بل إلى تفكّك الدولة ودخول قوى داخليّة وخارجيّة لملء هذا الفراغ.
لذلك لا يمكن اختزال دعم الجيش بتقديم العتاد والرواتب. الدعم المطلوب سياسيّ قبل أن يكون ماليًّا، ويبدأ بمنع إسرائيل من التعامل مع المؤسّسة العسكريّة كطرف معادٍ أو كقوّة ثانويّة تعمل بإذنها. فالجيش لا يستطيع أن يصبح "العمود الفقريّ للاستقرار" إذا كانت وحداته تتعرّض لإطلاق النار في أثناء الانتشار، أو إذا بقيت مهمّته محصورة بإزالة الركام والألغام بعد انتهاء العمليّات الإسرائيليّة.
كما أنّ نجاح الجيش يحتاج إلى إجماع داخليّ يحميه من التحوّل إلى أداة مواجهة بين اللبنانيّين. وهنا تكمن دقّة موقف عون، الذي يريد تعزيز المؤسّسة العسكريّة من دون تقديمها بوصفها قوّة موجّهة ضدّ بيئة لبنانيّة بعينها.
برّي ومهمّة احتواء الداخل الشيعيّ
حرص عون على تقديم نبيه برّي كرجل دولة يدعم إنهاء الحرب ليس مجاملة سياسيّة، بل جزء من هندسة التسوية. فالرئيس اللبناني يدرك أنّ أيّ مسار يتّصل بسلاح "حزب الله" أو بالجنوب لن ينجح إذا ظهر كقرار مفروض على الطائفة الشيعيّة من الخارج.
برّي، بحكم موقعه، يمثّل جسرًا ضروريًّا بين الدولة والبيئة الشيعيّة، وبين مطلب السيادة وهاجس الاستهداف. ولهذا شدّد عون على حساسيّة موقعه، محاولًا إقناع الإدارة الأميركيّة بأنّ التدرّج والتفاهم يحقّقان نتائج أفضل من الضغوط القصوى.
أمّا إشادة ترامب ببرّي، فتدلّ على إدراك واشنطن أنّ استبعاد رئيس المجلس من المعادلة قد يدفعه إلى التموضع في موقع المعترض، فيما إشراكه يمنح الاتفاق غطاءً دستوريًّا وسياسيًّا وطائفيًّا لا غنى عنه.
سوريا في المعادلة: ضغط أم تهديد؟
كان حديث ترامب عن إمكان تدخّل الرئيس السوريّ أحمد الشرع ضدّ "حزب الله" من أخطر إشارات اللقاء. فإقحام سوريا في الملفّ اللبنانيّ قد يُفهم كوسيلة ضغط على الحزب، لكنّه يوقظ في المقابل حساسيّات تاريخيّة عميقة لدى اللبنانيّين.
من الناحية الأميركيّة، يبدو الطرح جزءًا من مقاربة إقليميّة تسعى إلى محاصرة الحزب عبر الحدود، وقطع خطوط الإمداد، وربط استقرار لبنان بالتحوّلات في سوريا. لكنّ تحويل هذه الفكرة إلى سياسة عمليّة قد يهدّد السيادة التي تزعم واشنطن دعمها، ويمنح خصوم الاتفاق حجّة للقول إنّ المطلوب ليس تقوية الدولة، بل استبدال نفوذ إقليميّ بآخر.
لذلك ستكون مهمّة عون إبعاد شبح التدخّل السوريّ المباشر، مع الحفاظ على تعاون أمنيّ يضبط الحدود ويمنع التهريب، من دون السماح بتحويل لبنان إلى ساحة تصفية حسابات جديدة.
اتفاق سلام أم إدارة طويلة للصراع؟
فتح ترامب باب الحديث عن "اتّفاقات أبراهام"، لكنّ الأولويّة اللبنانيّة لا تزال إنهاء حالة العداء والاحتلال، لا القفز مباشرة إلى التطبيع. فلبنان يحتاج أوّلًا إلى ترسيم واضح للالتزامات، وعودة الأهالي، ووقف الاعتداءات، واستعادة قراره الأمنيّ.
الخلط بين الانسحاب والتطبيع قد يضعف الموقف اللبنانيّ، لأنّه يسمح لإسرائيل بطلب ثمن سياسيّ مسبق مقابل تنفيذ واجبها بالانسحاب. أمّا نجاح الاتفاق الإطاريّ، فيتطلّب الفصل بين مسارين: مسار أمنيّ عاجل يعيد السيادة والاستقرار، ومسار سياسيّ لاحق يحدّده اللبنانيّون وفق مصالحهم الوطنيّة.
في النهاية، لا يُقاس نجاح قمّة واشنطن بحرارة المصافحة ولا بعبارات الإطراء، بل بما إذا كان ترامب سيستخدم نفوذه لفرض انسحاب إسرائيليّ فعليّ ومبرمج. فإذا حصل عون على هذا الالتزام، تكون القمّة قد منحت الدولة فرصة حقيقيّة لاستعادة الجنوب. أمّا إذا بقي التنفيذ مشروطًا بتفكيك "حزب الله" كاملًا قبل أيّ انسحاب، فسيصبح الاتفاق أداة ضغط على لبنان، لا مدخلًا إلى استقراره، وستبقى الحرب معلّقة فوق الجنوب بانتظار انفجار جديد.




