يبدو أن اللبنانيين لا يتعلّمون شيئًا من تجاربهم، ولا من دروس تاريخهم، ولا حتى من انهياراتهم المتكرّرة. كل كارثة تمرّ بهم تُمحى من الذاكرة لحظة انقضائها، ليعودوا إلى الوهم نفسه: أن في استطاعة كل جماعة أن تنجو وحدها. اللبنانيون اليوم جماعات تائهة داخل خراب واحد. الجميع يبحث عن النجاة، لكن كل طائفة تريد بابًا لا يعبر منه الآخرون. في عمق هذا الوهم، تقيم قناعة أن كل جماعة مختلفة، مميّزة، واستثنائية؛ وأن ما يصيب الآخرين لن يصيبها، وأن التاريخ سيمنحها معاملة خاصة. لذلك لا يكتفي اللبناني بالإيمان باستثنائه، بل يقبل الفقر والعزلة والهجرة والخسارة، شرط ألّا يعترف بأنه يحتاج إلى شريكه في الوطن. لذلك يبحث المسيحي عن ضمانة لوجوده، والسنّي عن استعادة لدوره، والدرزي عن توازن يحفظه، والشيعي عن قوة تمنع انكشافه. لكل جماعة خوفها، ولكل جماعة بابها، ولكل جماعة وهمها. لكن البيت واحد. وحين ينهار لا تنجو الغرف المغلقة.
ليس هذا الوهم جديدًا. إنه حصيلة عقود من التسويق السياسي للتوجس، ومن إعادة إنتاج الحماية خارج الدولة. وفي كل مرة، كانت الجماعات الطائفية تصدّق أن مظلّتها أمتن من الوطن، وأن حليفها الخارجي أكثر ثباتًا من شريكها الداخلي. اختبر المسيحي العزلة والرهان على الغرب، فلم تمنع عنه الهجرة، ولم توقف تراجع حضوره. واختبر السنّي المظلّات العربية، فانكشفت هشاشتها حين تغيّرت الأولويات وتبدّلت المصالح. واختبر الدرزي سياسة التموضع الدائم، لكنه لم ينجُ من القلق. أما الشيعي، فبنى أكثر منظومات الحماية تنظيمًا وتسليحًا. أقام دولة داخل الدولة، وربط أمن الطائفة بقوة تتجاوز حدود البلاد. لكنه، في المقابل، ربط مصيرها بوظيفة إقليمية لا تملك قرارها، ولا تتحكّم بإيقاعها، ولا تعرف متى تُستدعى للحرب ولا متى تُترك وحيدة أمام كلفتها.
هكذا أسقط التاريخ هذه الأوهام واحدًا تلو الآخر: فكل حماية تُبنى خارج الدولة قد تمنح الطائفة فائضًا عابرًا من القوة، لكنها تنتزع منها، في المقابل، شروط البقاء والاستمرار.
في لبنان، لا توجد جغرافيا طائفية مغلقة تستطيع أن تعيش وحدها، ولا اقتصاد مذهبي قادر على الاكتفاء بذاته. لا ماء ولا كهرباء ولا أسواق ولا جامعات ولا مستشفيات ولا فرص عمل يمكن فصلها عن المجال الوطني المشترك. اختلفت الرهانات بين طائفة وأخرى، لكن النتيجة بقيت واحدة: الحماية التي لا تستند إلى قابلية اقتصادية وجغرافية ومؤسساتية للاستمرار ليست حماية. إنها قدرة على العيش داخل الخراب، لا قدرة على الخروج منه.
أما الخارج الذي ما زالت المشاريع الطائفية تراهن عليه، فلا يحمي كما تتوهّم. هو لا يحمي الطائفة بوصفها مجتمعًا، بل يحمي منها ما يخدمه: زعامة نافذة، أو سلاحًا مفيدًا، أو موقعًا متقدّمًا في صراع إقليمي. قد يحمي نفوذها، لكنه لا يحمي مدّخرات أبنائها. قد يموّل قوتها، لكنه لا يبني اقتصادها. قد يثبّت زعيمها، لكنه لا يوقف هجرة شبابها. فالخارج يحمي وظيفة الطائفة في مشروعه، لا قدرتها على البقاء. لهذا نرى جماعة تزداد قوة في السياسة فيما تتآكل اجتماعياً واقتصادياً. تستطيع تعطيل الدولة، لكنها لا تستطيع تشغيل مصنع. تستطيع إسقاط قرار حكومي، لكنها تعجز عن خلق وظيفة. تستطيع فرض شروطها على الآخرين، لكنها لا تستطيع إقناع أبنائها بالبقاء.
إن أفدح ما أنتجته أوهام هذه المشاريع الأحادية لم يكن فقط إضعاف الدولة، بل اقتلاع اللبناني منها، ثم تركه وحيدًا وعاجزًا في مواجهة الخراب. يُطلب منه أن يقبل الفقر والحرمان كي تبقى الطائفة قوية، وأن يهاجر كي يبقى المشروع قائمًا، وأن يخسر بيته كي لا تُمسّ الهيبة، وأن يضحّي بمستقبل أولاده كي لا يبدو الحاضر مهزومًا. الحماية الموعودة انقلبت إلى عبء، والانتماء إلى هزيمة، والملجأ إلى استهلاك. ما نشهده اليوم هو انكشافٌ لحقيقة المشاريع الطائفية ووظيفتها: فكل طائفة، وهي تطارد وهم نجاتها المنفردة، تحاصر أبناءها داخل الانهيار الجماعي.




