لا تُقاسُ قدرةُ السُّلطة في الدُّول التي تُدركُ معنى السِّيادة، بعدد القرارات التي تُصدرها، بل بقدرتها على إنتاج رؤيةٍ وطنيّةٍ متكاملة، تُحوِّلُ الإدارة من ردِّ فعلٍ إلى فعلٍ استباقيّ. أمّا في الدُّول التي تعتادُ إدارةَ الأزمات بدل حلِّها، فإنَّ السِّياسات العامّة تتحوَّل إلى سلسلةٍ من التَّرقيعات المتلاحقة، يُضافُ بعضها إلى بعضٍ من دون أن يلتقي أيٌّ منها في مشروعٍ وطنيٍّ جامع. هنا تكمنُ المعضلة الحقيقيّة التي يعيشها لبنان منذ عقود، حيث باتت الاستجابةُ الظرفيّة تُقدَّم على أنّها إنجاز، فيما يغيبُ السؤال الجوهريّ، أين المخطَّطُ التوجيهيُّ السِّياديُّ الإصلاحيُّ للدَّولة؟
ليست الأزمةُ في كثرة المبادرات، بل في غياب الرؤية التي تمنحها المعنى والاتّجاه. كلُّ ملفٍّ يُدارُ بمعزلٍ عن الآخر، وكلُّ وزارةٍ تعمل ضمن حدودها الضيّقة، وكلُّ أزمةٍ تُعالَجُ كأنّها منفصلةٌ عن سائر الأزمات. هكذا تُصبحُ الكهرباءُ ملفًّا تقنيًّا، والاقتصادُ ملفًّا ماليًّا، والتربيةُ ملفًّا إداريًّا، والأمنُ ملفًّا عسكريًّا، والدبلوماسيّةُ ملفًّا خارجيًّا، فيما الحقيقةُ أنّها جميعًا حلقاتٌ في منظومةٍ واحدة، إمّا أن تُبنى بصورةٍ متكاملة، وإمّا أن تتداعى معًا. الدَّولةُ ليست تجميعًا لمؤسّساتٍ متجاورة، بل منظومةُ سياساتٍ مترابطة. لذلك فإنّ الإصلاح لا يبدأُ من تعديل قانونٍ هنا أو إنشاء هيئةٍ هناك، بل من إعادة تعريف وظيفة الدَّولة نفسها، بوصفها المرجعيّة الوحيدة لإنتاج السِّياسات العامّة وتنفيذها وتقييمها. وكلُّ حديثٍ عن الإصلاح خارج هذا الإطار يبقى مجرّد تحسينٍ لإدارة الأزمة، لا انتقالًا إلى إدارة الدَّولة.
إنَّ المواطنات والمواطنين لا ينتظرون المزيد من الوعود، بل ينتظرون دولةً تعرفُ إلى أين تريد الوصول. الخدمات العامّة لا تُبنى بالاستنسابيّة، بل بالتخطيط. والحمايةُ الاجتماعيّة لا تُصاغُ بمنطق المساعدات، بل بمنظومةٍ اقتصاديّةٍ واجتماعيّةٍ عادلة. التنميةُ لا تتحقَّقُ بالمشاريع المتفرّقة، بل برؤيةٍ وطنيّةٍ تُحدِّدُ الأولويّات، وتربطُ الاستثمار بالإنتاج، والجامعة بسوق العمل، والإدارة بالتحوُّل الرقميّ، والماليّة العامّة بالنموّ الحقيقيّ، لا بالموازنات المحاسبيّة وحدها.إنَّ أيَّ مخطَّطٍ توجيهيٍّ سياديٍّ إصلاحيٍّ يجب أن يبدأ من الإنسان، لا من المؤسّسات فقط. الغايةُ ليست إصلاح الإدارة لذاتها، بل تمكين الإنسان من حقوقه، وضمان كرامته، وتأمين الفرص المتكافئة له، وتحويل المواطنة من مفهومٍ نظريٍّ إلى ممارسةٍ يوميّةٍ. حين يشعر المواطن/ة بأنّ الدَّولة تُديرُ حياته بعدالةٍ وكفاءة، يصبحُ الانتماء إليها خيارًا طبيعيًّا، لا واجبًا مفروضًا.
غير أنّ الإنسان لا يستطيعُ أن يثقَ بدولةٍ تتعدَّدُ فيها المرجعيّات السياديّة. السِّيادة ليست شعارًا سياسيًّا، بل هي الإطارُ الذي يُمكّنُ جميعَ السِّياسات العامّة من العمل بفعاليّة. إذ كيف يُمكنُ بناءُ اقتصادٍ مستقرٍّ من دون قرارٍ سياديٍّ موحَّد؟ وكيف يُمكنُ اجتذابُ الاستثمار في ظلِّ تعدُّد مراكز القوّة؟ وكيف يُمكنُ للدبلوماسيّة أن تُقنع العالم بشراكةٍ مع دولةٍ لا تحتكرُ وحدها قرارَي السِّلم والحرب؟ من هنا، فإنَّ حصريّةَ السِّلاح ليست بندًا أمنيًّا منفصلًا، بل هي شرطٌ تأسيسيٌّ لبناء الدَّولة الحديثة. هي ليست موجَّهةً ضدَّ أحد، ولا تستهدفُ مكوِّنًا بعينه، بل تُعيدُ الاعتبار إلى المبدأ الذي قامت عليه كلُّ الدُّول المستقرّة. سلطةٌ واحدة، وقرارٌ واحد، ومؤسّساتٌ واحدة، ومسؤوليّةٌ واحدة أمام المواطنين/ات. عندما تستعيدُ الدَّولة احتكارَ أدوات القوّة المشروعة، يصبحُ ممكِنًا الحديثُ عن إصلاحٍ اقتصاديٍّ حقيقيّ، وقضاءٍ مستقلّ، وإدارةٍ فاعلة، وسياسةٍ خارجيّةٍ متماسكة.
في موازاة ذلك، لا يكتملُ المخطَّطُ السِّياديُّ من دون إعادة تعريف موقع لبنان في محيطه. الحيادُ الإيجابيُّ ليس ترفًا فكريًّا، ولا انسحابًا من القضايا العربيّة أو الإنسانيّة، بل هو سياسةُ دولةٍ تسعى إلى حماية مجتمعها من تحوّلات الإقليم، وإلى تحويل موقعها الجغرافيّ من ساحةِ صراعٍ إلى مساحةِ شراكة. إنّه انتقالٌ من استهلاك الجغرافيا إلى استثمارها، ومن الارتهان للمحاور إلى الانفتاح المتوازن على الجميع، بما يخدمُ المصلحةَ الوطنيّة العليا. الحيادُ الإيجابيُّ يُحرِّرُ الدبلوماسيّة اللبنانيّة من ردود الأفعال، ويمنحُها القدرة على صناعة المبادرات، كما يُعيدُ الثقةَ العربيّةَ والدوليّةَ بلبنان بوصفه شريكًا موثوقًا، لا ساحةً لتصفية الحسابات. الحيادُ الإيجابيُّ، قبل كلِّ شيء، يُشكِّلُ الامتدادَ الطبيعيَّ لحصريّة السِّلاح، لأنّ السياسةَ الخارجيّة لا تستقيمُ إذا تعدَّدت مصادرُ القرار السياديّ في الداخل. لقد أثبتت التجاربُ أنّ المقاربات الجزئيّة لا تُنتجُ حلولًا مستدامة. كلُّ معالجةٍ موضعيّةٍ تُؤجِّلُ الأزمة ولا تُنهيها، لأنّها تتعاملُ مع النتيجة بدل السَّبب. لذلك تراكمت الأزماتُ الماليّةُ والاجتماعيّةُ والإداريّةُ والدستوريّةُ، حتى باتت تُغذّي بعضها بعضًا. ما يُقدَّمُ اليوم على أنّه إصلاحاتٌ متفرّقة، لن يُغيِّر شيئًا إذا لم يُدرج ضمن مشروعٍ سياديٍّ شاملٍ يُحدِّدُ وجهةَ الدَّولة لعقودٍ مقبلة.
إنَّ المطلوب ليس وثيقةً إضافيّةً تُضافُ إلى أرشيف الإدارات، بل مخطَّطًا توجيهيًّا ملزمًا، تُشاركُ في إعداده المؤسّساتُ الدستوريّة، والجامعات، والخبراء/ات، والقطاعُ الخاصّ، والمجتمعُ المدنيّ، والنقابات، والاغترابُ اللبنانيّ، ليُصبحَ عقدًا وطنيًّا جديدًا حول أولويّات بناء الدَّولة. الدُّول الناجحة لا تتحرَّكُ وفق إيقاع الحكومات المتعاقبة، بل وفق استراتيجيّاتٍ ثابتة تتبدَّل فيها الوسائل، فيما تبقى الغاياتُ واضحة. هذا المخطَّط ينبغي أن يُحدِّد بوضوحٍ أولويّات الإصلاح الدستوريّ والإداريّ، والتحوُّل الرقميّ، وإعادة هيكلة القطاع العامّ ترشيقًا وتفعيلًا، والسياسة الاقتصاديّة الإنتاجيّة، والحماية الاجتماعيّة، وإدارة الموارد الطبيعيّة، والأمن القوميّ، والدبلوماسيّة، واللامركزيّة الإداريّة الموسَّعة، واستقلال القضاء، وإصلاح النظام الماليّ، واستعادة الثقة بين المواطن/ة والدَّولة. فلا يعودُ كلُّ وزيرٍ يبدأ من الصفر، ولا كلُّ حكومةٍ تُعيدُ اكتشاف البديهيّات، ولا كلُّ عهدٍ يفتتحُ مرحلةً جديدةً بلا ذاكرةٍ مؤسّساتيّة.
إنَّ الدُّول لا تنهضُ حين تُتقنُ إدارةَ الانهيار أو التَّصويب التَّرقيعيّ، بل حين تمتلكُ شجاعةَ الانتقال إلى مشروعٍ وطنيٍّ واضح المعالم. أمّا البقاءُ في منطق التَّرقيع، فهو يعني القبول الضمنيّ باستمرار الاستنزاف، وإدامة الهشاشة، وإطالة عمر الأزمات. ما يحتاجه لبنان اليوم ليس مزيدًا من الخطابات عن الإصلاح، بل قرارًا سياديًّا بإطلاق مخطَّطٍ توجيهيٍّ متكامل، يجعلُ من المواطن/ة محورَ السِّياسات العامّة، ومن الدَّولة المرجعيّة الوحيدة للقرار، ومن حصريّة السِّلاح قاعدةً للاستقرار، ومن الحياد الإيجابيّ إطارًا لدور لبنان الإقليميّ والدوليّ.عندها فقط، يصبحُ الإصلاحُ مسارًا لا شعارًا، والسِّيادةُ ممارسةً لا خطابًا، والدَّولةُ مشروعًا يُبنى للأجيال، لا أزمةً تُدارُ من موسمٍ إلى آخر. السؤالُ الحقيقيُّ لم يعد ما هي الأزمةُ التالية؟ بل، متى يمتلك لبنان إرادةَ وضع المخطَّط التوجيهيّ السِّياديّ الإصلاحيّ الذي يستحقّه؟




