مع الزيارة التي بدأها رئيس الجمهورية جوزاف عون لواشنطن، والتي استهلها بلقاء مع الوزير ماركو روبيو، دخل الملف اللبناني تحديًا صعبًا. فإسرائيل تصر على فرض شروطها في الميدان، فيما يواجه الموقف الرسمي اللبناني امتحانًا مصيريًا لتفادي الألغام التي ترافق تنفيذ الاتفاق الإطاري. وسيكون لقاء روبيو تمهيدًا للقمة المنتظرة الثلاثاء بين الرئيسين عون ودونالد ترامب، والتي يتوقع أن تتسم بطابع الحسم، وفيها سيسعى لبنان إلى انتزاع التزام أميركي واضح بفرض انسحاب إسرائيلي شامل وتثبيت وقف النار. كما تكمن أهمية المحادثات في طرح بنود شديدة الحساسية، وعلى رأسها ملف دعم الجيش اللبناني لتمكينه من بسط سلطة الدولة، ورسم هندسة جديدة لمستقبل القوات الدولية مع بدء الترتيبات لانسحاب تدريجي لـ"اليونيفيل" في العام 2027 بعد انتهاء ولايتها في آخر العام الجاري. ويتوقع خصوصًا أن تُشكّل القمة غطاءً سياسيًا للإعلان عن إطلاق العمل بـ"المناطق التجريبية" بالتزامن مع الاجتماع العسكري الثلاثي الافتراضي الذي أُرجئ إلى الأسبوع المقبل.
ووفق بيان الخارجية، أشاد روبيو بشجاعة حكومة لبنان ، بقيادة عون، لجهودها الحثيثة لاستعادة سيادة لبنان ونوع سلاح حزب الله ، وأعلن روبيو التزام واشنطن بدعم التنفيذ الناجح للإطار الثلاثي. وأوضح السفير ميشال عيسى، ردا على سؤال، أن روبيو لا يؤيد انخراط سوريا في لبنان.
وتتم زيارة عون وسط أجواء تصعيدية تفتعلها إسرائيل جنوبًا. وجاء استشهاد جندي لبناني وإصابة ضابط وعسكري آخر جراء انفجار في آلية تابعة للجيش في المنصوري ليعكس "الألغام التنفيذية" التي تنتظر الاتفاق. وقد سارعت إسرائيل إلى نشر بيان تنفي فيه مسؤوليتها عن العبوة، معتبرة أن آلية الجيش اللبناني دخلت "المنطقة الأمنية" "من دون تنسيق مسبق". وهذا البيان ينطوي على محاولة إسرائيلية لتثبيت شرعية "الحزام الأمني" كأمر واقع محسوم، يُفترض أن يلتزم به لبنان.
وفي المقابل، يمثل هذا الحادث جرس إنذار حقيقيًا للوفد العسكري اللبناني الذي يستعد لاستئناف التفاوض، إذ يثبت استحالة انتشار الجيش في مناطق لا تزال خاضعة للسيطرة بالنار الإسرائيلية أو مزروعة بالأجسام المشبوهة، ما يعزز وجهة نظر القيادة العسكرية بضرورة بدء التجربة من مناطق خاضعة للاحتلال الفعلي لضمان أمن الجنود والأهالي.
كما واصلت إسرائيل شن غارات وتنفيذ تفجيرات واسعة شملت الخيام، حداثا، دير سريان، كفرتبنيت، وزوطر الشرقية، فضلًا عن جرف وإحراق أشجار في بنت جبيل المدمرة. وهذا التصعيد يتقاطع مع تقرير لافت لإذاعة الجيش الإسرائيلي كشف عن قرار بـ"التخلي عن تحصين 11 موقعًا عسكريًا" على الحدود اللبنانية بسبب نقص الميزانية ووقف دفع مستحقات المقاولين من جانب وزارة الحرب. ويحمل هذا التراجع عن التحصين دلالة إستراتيجية خطيرة: فبما أن إسرائيل غير قادرة ماليًا وعملياتيًا على حماية مواقعها من مسيّرات الحزب الانتحارية، فإنها تعوض هذا العجز بتحويل القرى الحدودية اللبنانية إلى أرض محروقة وخالية تمامًا من البنى التحتية والمقومات الحيوية، لضمان عدم وجود أي نقطة ارتكاز يمكن استخدامها ضدها، كبديل هجومي عن التحصين الدفاعي المفقود.
ولذلك، يدخل عون البيت الأبيض بمحاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكنه محاصر بين مطرقة الشروط الإسرائيلية التي تُدعم بالنار والعبوات، وسندان الفيتو السياسي القاطع الذي رفعه حزب الله في وجه التنازلات الرسمية، والذي أعاد تأكيده اليوم. فنجاح الزيارة يقاس عمليًا بقدرة واشنطن على كبح جماح إسرائيل وإلزامها بجدول زمني حقيقي للانسحاب. وبخلاف ذلك، فالاتفاق الإطاري قد يتحول إلى مأزق لبناني بكل معاني الكلمة.
زيارة تتجاوز البروتوكول إلى اختبار الضمانات
لا تكتسب زيارة رئيس الجمهوريّة جوزاف عون إلى واشنطن أهمّيّتها من كونها أوّل زيارة رئاسيّة لبنانيّة إلى الولايات المتّحدة منذ عام 2009 فحسب، بل من توقيتها الذي يضع الدولة اللّبنانيّة أمام لحظة سياسيّة وأمنيّة مفصليّة. فالمباحثات مع وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو، ثمّ القمّة المرتقبة مع الرّئيس دونالد ترامب، لا تُعقدان في سياق دبلوماسيّ اعتياديّ، بل في ظلّ سباق مفتوح بين مسارين متناقضين، مسار لبنانيّ يريد تحويل الاتفاق الإطاريّ إلى مدخل لاستعادة السّيادة، ومسار إسرائيليّ يسعى إلى تحويله إلى أداة لإدارة الاحتلال وتثبيت شروطه.
لهذا السّبب، لا يستطيع عون العودة من واشنطن ببيانات دعم سياسيّ عامّة. المطلوب لبنانيًّا هو التزام أميركيّ قابل للترجمة، يتضمّن جدولًا زمنيًّا واضحًا للانسحاب الإسرائيليّ، وضمانات لوقف الاعتداءات، وآليّة رقابة تمنع تلّ أبيب من استخدام الذّرائع الأمنيّة لتعطيل انتشار الجيش. أمّا الاكتفاء بإعادة تأكيد حقّ لبنان في الاستقرار، من دون أدوات ضغط فعليّة، فسيعني منح إسرائيل وقتًا إضافيًّا لاستكمال فرض وقائع ميدانيّة جديدة.
"المنطقة الأمنيّة" محاولة لتشريع احتلال مقنّع
يكشف انفجار المنصوري جوهر الصّراع على تفسير الاتفاق. فالرّواية الإسرائيليّة لم تكتفِ بنفي المسؤوليّة عن العبوة، بل ذهبت إلى اعتبار دخول آليّة الجيش اللّبنانيّ إلى ما سمّته "المنطقة الأمنيّة" خرقًا لنظام التّنسيق. وهذه العبارة ليست تفصيلًا تقنيًّا، بل محاولة سياسيّة لتكريس حقّ إسرائيليّ مزعوم في تحديد المناطق التي يُسمح للجيش اللّبنانيّ بدخولها داخل الأراضي اللّبنانيّة.
قبول هذا المنطق يعني عمليًّا الاعتراف بحزام أمنيّ غير معلن، تُدار حدوده وفق الاحتياجات العسكريّة الإسرائيليّة، لا وفق السّيادة اللّبنانيّة. كما يعني تحويل الجيش اللّبنانيّ من قوّة شرعيّة تنتشر على أرضها إلى قوّة تحتاج إلى إذن مسبق من جيش الاحتلال. ومن هنا، يصبح رفض هذا المفهوم بندًا أساسيًّا في المفاوضات، لأنّ أيّ غموض بشأنه قد يفتح الباب أمام حوادث أمنيّة متكرّرة، ويجعل كلّ خطوة انتشار معرضة للاستهداف أو الاعتراض.
المناطق التّجريبيّة بين فرصة الانتشار وفخّ التنازلات
تراهن واشنطن على إطلاق العمل بما يُسمّى "المناطق التّجريبيّة"، بوصفها نموذجًا قابلًا للتوسّع لاحقًا. لكنّ الخلاف الحقيقي لا يتعلّق بمبدأ التجربة، بل بالمكان الذي تبدأ منه وبالشّروط التي تحكمها. فالقيادة العسكريّة اللّبنانيّة ترى أنّ الانطلاق يجب أن يكون من مناطق خاضعة للاحتلال الفعليّ، بحيث يسبق الانسحاب الإسرائيليّ دخول الجيش، لا أن يُطلب من الجيش الانتشار في قرى محرّرة أصلًا، ثمّ تنفيذ إجراءات أمنيّة داخليّة فيما يبقى الاحتلال قائمًا في مناطق أخرى.
هذا التّرتيب هو ما يثير اعتراض حزب الله، الذي يعتبر أنّ البدء من القرى المحرّرة يحوّل الاتفاق إلى مسار تنازلات لبنانيّة أحاديّة. ومن زاوية سياسيّة، يصعب على الدّولة تسويق أيّ خطة تُظهرها متشدّدة في الدّاخل ومتساهلة حيال الاحتلال. لذلك، يحتاج عون إلى صيغة توازن بين تثبيت مرجعيّة الدّولة وسلاحها الشّرعيّ، وبين منع إسرائيل من الإفادة من هذا الشّعار لانتزاع مكاسب مجانيّة.
دعم الجيش ليس بندًا ماليًّا فقط
يتصدّر دعم الجيش اللّبنانيّ جدول المباحثات، لكنّ المشكلة لا تُختصر في السّلاح والرواتب والتّجهيزات. فالجيش يحتاج قبل كلّ شيء إلى بيئة سياسيّة تسمح له بتنفيذ مهمّاته من دون أن يتحوّل إلى قوّة فاصلة تحمي الحدود الإسرائيليّة فيما تبقى القرى اللّبنانيّة عرضة للقصف والتّدمير.
كما يحتاج إلى وسائل هندسيّة وتقنيّة لكشف الألغام والأجسام المشبوهة، وإلى قدرة على مراقبة المناطق التي سينتشر فيها، وإلى غطاء دوليّ واضح يمنع استهداف وحداته. أمّا دفعه إلى مناطق مدمّرة وغير مؤمّنة، من دون انسحاب إسرائيليّ كامل، فسيعرّض المؤسّسة العسكريّة للاستنزاف، ويضعها في مواجهة الأهالي، ويقوّض الثّقة الوطنيّة بها.
وهنا تظهر العلاقة المباشرة بين دعم الجيش ومستقبل "اليونيفيل". فالانسحاب التّدريجيّ للقوّات الدّوليّة خلال عام 2027 سيخلق فراغًا أمنيًّا ولوجستيًّا كبيرًا، ما لم تسبقه خطّة متكاملة لرفع قدرات الجيش. وأيّ تقليص لدور "اليونيفيل" قبل استكمال الانسحاب الإسرائيليّ سيعني عمليًّا إزالة الشّاهد الدّوليّ على الخروقات، وترك لبنان أمام ميزان قوّة مختلّ.
التّدمير الإسرائيليّ عقيدة أمنيّة لا ردّ ميدانيّ
لا يمكن فصل تفجير المنازل وجرف الأشجار وإحراقها في كفرتبنيت وحداثا ودير سريان والخيام وبنت جبيل عن الرّؤية الإسرائيليّة لمستقبل المنطقة الحدوديّة. فإسرائيل لا تتعامل مع القرى بوصفها تجمعات مدنيّة يجب أن تعود إليها الحياة، بل بوصفها بيئة محتملة لنشاط عسكريّ معادٍ ينبغي تفريغها وإفقارها عمرانيًّا.
ويكتسب هذا السّلوك دلالة إضافيّة مع الحديث الإسرائيليّ عن وقف تحصين أحد عشر موقعًا عسكريًّا بسبب نقص الموازنة. فحين تتراجع القدرة على بناء دفاعات ثابتة في الجانب الإسرائيليّ، تصبح إزالة العمران في الجانب اللّبنانيّ بديلًا أقلّ كلفة. وبذلك تنتقل إسرائيل من تحصين مواقعها إلى تدمير محيط خصومها، بما يحوّل القرى إلى مساحات مكشوفة ويمنع إعادة الإعمار والاستقرار.
الأنفاق ذريعة مفتوحة لاستدامة الحرب
في هذا السّياق، يأتي تقرير مركز "ألما" عن شبكة أنفاق حزب الله واستثماراتها المفترضة ليؤدّي وظيفة سياسيّة وأمنيّة تتجاوز الجانب البحثيّ. فالتّركيز على مشروع تحت الأرض تُقدّر كلفته بمليارات الدولارات يوفّر لإسرائيل سرديّة جاهزة لتبرير استمرار عمليّاتها، حتّى بعد التّوصّل إلى ترتيبات لوقف النّار.
ولا يمكن التّعامل مع هذه التّقديرات بوصفها معطيات محايدة، لأنّها صادرة عن مركز إسرائيليّ يعمل ضمن بيئة أمنيّة وسياسيّة منحازة. لكنّ خطورتها تكمن في إمكان استخدامها أميركيًّا للضّغط على لبنان، والمطالبة بإجراءات واسعة ضدّ بنية حزب الله العسكريّة قبل ضمان الانسحاب الإسرائيليّ. وهنا قد يتحوّل الملفّ من معالجة احتلال قائم إلى مطاردة بنى مفترضة، لا سقف زمنيًّا أو جغرافيًّا لها.
العامل الإقليميّ يهدّد بتعطيل المسار
يزداد المشهد تعقيدًا مع احتمال توسّع المواجهة بين الولايات المتّحدة وإيران وانخراط إسرائيل فيها. فأيّ انتقال للحرب من الخليج إلى جبهات أخرى سيضع لبنان مجدّدًا في دائرة النّار، وقد يدفع تلّ أبيب إلى تعليق الانسحابات بذريعة الخطر الإقليميّ.
كذلك، قد يجد رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو في التّصعيد الخارجيّ مخرجًا من أزماته الدّاخليّة، ما يجعل الحسابات اللّبنانيّة رهينة مصالح سياسيّة إسرائيليّة لا علاقة لها بالاتفاق. لذلك، تسعى بيروت إلى انتزاع ضمانات مبكرة قبل تبدّل الأولويّات الأميركيّة أو انفجار مواجهة أوسع تجعل جنوب لبنان تفصيلًا في حرب إقليميّة طويلة.
لا يملك عون ترف المناورة الواسعة. فهو مطالب أميركيًّا بتثبيت سلطة الدّولة، ومطالب داخليًّا بعدم تقديم تنازلات تُبقي الاحتلال وتفجّر الانقسام. وبين المطلبين، يبقى العامل الحاسم هو استعداد واشنطن لاستخدام نفوذها الفعليّ على إسرائيل.
فإذا نجحت القمّة في تثبيت معادلة واضحة قوامها الانسحاب أوّلًا، ثمّ الانتشار اللّبنانيّ، بالتّوازي مع دعم الجيش ووقف الاعتداءات، يمكن للزيارة أن تفتح بابًا لاستعادة السّيادة تدريجيًّا. أمّا إذا طُلب من لبنان تنفيذ التزاماته مسبقًا، فيما بقيت إسرائيل طليقة اليد، فسيصبح الاتفاق الإطاريّ غطاءً لإدارة الاحتلال لا لإنهائه.
وعندها، لن يكون الفشل فشلًا لبنانيًّا فقط، بل سقوطًا جديدًا لفكرة الضّمانة الأميركيّة، وسببًا مباشرًا لإعادة إنتاج منطق السّلاح والمقاومة، في بلد لا يستطيع بناء دولة قويّة فيما حدوده وقراره الأمنيّ خاضعان لشروط القوّة الإسرائيليّة.




