معارضة وقول مهدور

أحمد جابرالسبت 2026/07/18
دمار في جنوب لبنان (Getty)
في الأصل كان الصراع الاجتماعي من أجل مجتمع أفضل (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تشابك الوضع اللبناني وتعقيداته، ما كان له أن يفضي إلى اشتباك أقوال معارضة ومتعارضة، لولا انخراط الجمع في الاسترسال في إدارة القول حول "الفروع"، والابتعاد حثيثاً عن ربط الفرع بأصل تأسيسه.

حَمْلُ النقاش إلى أصله، ضرورة ابتدائية لتأسيس الرأي، وضرورة استرجاعية بعد مباشرة التأسيس. الالتزام ببندي المعادلة يضبط سير المعالجة، ويمنع التناسل الكلامي السائد الذي يبتعد بالنصوص عن أسباب إنشائها الأصلية.

في الراهن اللبناني يحتدم السجال حول مسائل الداخل، وحول المسائل الخارجية الحاضرة بأثقالها ضمن هذا الداخل.

نظرة إضافية مدققة حول مختلف المواضيع الخلافية، تظهر ما ذهبنا إليه من افتراق الفروع عن أصولها. تتعدد الأسباب، لكن الحصيلة تكون واحدة، لجهة ضياع الهدف من السجال، وفقدان بوصلة السياسة التي تحدِّد جهاتها.

 

من الخارج وعنه: تتصدر المشهد الحرب الأميركية – الإيرانية، فكيف يُدار النقاش حول هذه الحرب؟ يتحكَّم الانحياز الابتدائي بالكثرة الساحقة من المقاربات المتداولة، فتسود ثنائية "مع – ضد" من دون توسّط بين الحالة المؤيدة، والحالة المعترضة.

في الداخل، تتقدم ثنائية "ضدية" طرفاها "السلطة" و"المقاومة" فتطلع من ثنايا الضدية نصوص لا علاقة لها بأصل الخلاف السياسي المتمحور حول السيادة الوطنية من جهة، وحول "مقاومة الاحتلال" من جهة أخرى... وعليه يلقي "المختلفون" بما لديهم من عبارات النبذ والتخوين والتفريطـ، بديلاً من الذهاب إلى نقاش الأصل في "الضدية" اللبنانية الحالية. 

في الداخل أيضاً، اعتراض من صنفٍ آخر، يحاول التوسّط بين قُطبي الضدّية، فلا يصيب من جدوى الفعل إلاّ قليلاً، والسؤال في مقام "التوسّطي"، لماذا يفارق التوفيق مسعاه؟ طليعة الجواب الأوّلي على السؤال: هو أن التوسّطي الذي يحاول أن يكون فاعلاً ومؤثّراً، يعتمد غالباً على صياغة خلاصات لا تقدّم جديداً، على صعيد المطالعة "الدولتية"، وعلى صعيد المطالعة "المقاوماتية".

تعثّر هذا النمط من الاعتراض، يعود إلى عدد من الأسباب، الأبرز من بينها، التردّد في دق باب تأسيس الاعتراض على أصوله الحقيقية، واستعادة النقاش إلى مواضيعه الفعلية، والأمران يفرضان على المعترض دقّة التعيين والتحليل، وشجاعة القول ومسؤولية السلوك السياسي.

 

لقد جرت الإشارة إلى عدد من العناوين، فماذا عن كل عنوان منها، في سياق الدعوة إلى تبيان الارتباط بين الأصل وفرعه؟

عنوان الحرب الأميركية الإيرانية، فيه أصل وتتبعه فروع، لذلك في أصل العنوان الأميركي ينبغي الوقوف على أحوال السياسات التاريخية للإدارة السياسية الأميركية، فهذه لم تغب عنها صفات التدخل في الشؤون الداخلية، في أكثر من قارة، وفي أكثر من بلد، ولم تفارقها صفة العدوانية التي بعثت نوعاً من نسخ الاستعمارية الجديدة، المزيَّنة بأغلفة ومسمّيات من قبيل العولمة والأمركة والقرية الكونية الواحدة، هذا من دون أن ننسى الفوضى الخلاّقة... وصولاً إلى أميركا أوّلاً. هذا في الأصل، إذن عندما يأتي النقاش من جهة المعارضة يجب أن يكون محمولاً على إدراك الخلفية الأساسية للسياسة الأميركية، لأن هذا من شأنه أن ينير درب نقاش السلوك والسياسة، ويفتح درب الموقف الموضوعي أمام من يريد بناء اعتراضه الراهن على جملة السياسات، وعلى إجمال معطياتها.

في صدد الحرب الحالية، وقبل السؤال عن الموقف من إيران، ينبغي القول إن الهجوم العسكري من قبل أي بلد، على أي بلد آخر، مُدان كموقف مبدئي، فهذا يخلّ بمبدأ حلّ المشاكل بين الدول بالوسائل السلمية، وبالاحتكام إلى القوانين الدولية المعمول بها بعد الحرب العالمية الثانية.

إدانة العدوان موقف أول ابتدائي، هذا لكي يتسنّى للمعارضة المحلية، دعوة الآخرين إلى رفض العدوان على لبنان، الذي ما زال عرضة للاستباحة الإسرائيلية التي أفلتت من عقالها.

 

في الموقف من إيران، من المفيد التساؤل عن سبب الخلاف مع إيران وعن أسباب الاختلاف عنها؟ فإذا زالت هذه الأسباب، يصير من الممكن إدارة سياسة حسن جوار معها. لقد أسَّست إيران للخصومة معها لسبب جوهري أساسي هو: تدخّلها في الشؤون الداخلية اللبنانية، واشتغالها وإشغالها لأكثر من بلد عربي، حصيلة هذا التدخل أنتجت افتراقاً "بنيوياً" داخل لبنان، وداخل سوريا وداخل العراق واليمن وفلسطين... خطورة الافتراق تكمن في بنائها من مادة المذهبيّة، ومن مادة "تصدير الثورة" التي حملت اسماً إسلامياً، لكن الاسم الجامع، لم يحجب اسم الافتراق. لا يحتاج الأمر إلى دليل في هذا المضمار، فالأدلّة ناطقة وصارخة، والخلافات باتت معلنة، بعد أن دفعت الأحداث اللاعبين، إلى خلع الأقنعة، وإلى مغادرة المناورة والمداورة إلى السياسة المباشرة.

إذن، يقف الموقف من الحرب الأميركية الإيرانية عند حدود رفض العدوان، وعند حدود مطالبة إيران بإجراء استدارة كاملة لطيّ صفحة الخصومة مع لبنان، ومع الدول العربية، بالتوقف عن التدخل في شؤونهم العامة، وبالتوقف عن استهداف عدد من الدول العربية بأعمال حربية تدميرية، وبالإعلان الصريح عن الدعوة إلى سياسة حسن جوار، سبق لعدد من الدول العربية أن مدّت يد هذه السياسة قبيل اندلاع النيران القتالية.

 

ما الذي يسقط من التداول المعارض بعد اعتماد هكذا مطالعة؟ أميركياً، يسقط وهم "النجدة" التي يطلبها صفّ من اللبنانيين، فيرغبون لأميركا بنصرٍ على إيران، ليكون لهم ظفر لاحقٌ في لبنان. أميركا تشتغل في "أرضها"، وتعمل لأرضها هي، وهي لن تتورع، ولم تتورّع سابقاً عن التضحية "بالرخيص" من الأدوات، من أجل "النفيس" من الأهداف.

في مقابل ذلك، يسقط إيرانياً، وهم "القوة العظمى" التي هيأت الأرض لثورتها كي تطلق طوفانها "المقاوم" صوب فلسطين، فيقتلع تدفق الطوفان، نظام من هنا ونظام من هناك، لترتفع بعدها "راية الولاية". الثابت حتى الآن، أن الأميركي الذي كان في أصل تعاظم الدور الإيراني بعد اجتياح العراق، هو ذاته الذي يريد إعادة إيران إلى حدود الدور الطبيعي المعترف لها به. هي معركة تحجيم الدور بعد تضخيمه، وهي إعادة ضبط عجلات دوران الآلة الإيرانية، بعد سنوات من السماح الأميركي، بدورانها العشوائي المدروس.

ما التتمة اللبنانية، للموقف من الحرب الأميركية الإيرانية؟ من دون إطالة الشرح أو الاسترسال فيه، يجب الاعتراف بحقيقة واضحة هي: إن لبنان موجود الآن في قلب موقف سياسة تحديد الخسائر، وأي وصف مخالف لحقيقة ما صار لبنان إليه، هو وصف خارج الصدق مع الذات، ومحاولة إنكار ومكابرة، لما تلمسه اليد وتراه العين.

 

بناء على ذلك، لن يستقيم النقاش المعارض إذا اعتمد الانحياز غير المدقق إلى موقف "السلطة" التي اعتمدت سبيل التفاوض. ولن يستقيم القول أيضاً، إذا انحاز صوب تبنّي مقولة "المقاومة" التي قدّمت ما لديها، وحصدت ومعها لبنان، جنى ما زرعته.

انسجاماً مع المقدمة التي تعيد الموضوع إلى أصله، على معارضة السائد، أن لا تأخذ بمبدأ لم يكن بالإمكان أبدع ممّا كان، سلطويّاً، فتناقش في ما صار ملموساً، وتدعو إلى ما يمكن استدراكه، وتقترح كيفية هذا الاستدراك، وتحذّر من عواقب الاستخفاف بأحكام الوضعية التي آلت إليها الشيعية الشعبية والشيعية السياسية.

كذلك، وفي ذات السياق، لا تأخذ المعارضة بأسباب تمترس "المقاومة" عند نهجها، فتستبعد أول ما تستبعد حديث التذكير بالأطماع الإسرائيلية، والخطر الصهيوني، والعدوانية "الجينية" للكيان، فهذا قول سبقت إليه كل مقاومة، أنظمة الاستبداد العربي التي قتلت مستقبل شعوبها باسم تحرير فلسطين. مجدّداً، لن تسمح أية معارضة بقتل مستقبل اللبنانيين باسم تحرير حصل ثم جرى التفريط به... ببساطة، لن تضع المعارضة خطابها في جوقة استنهاض اللبنانيين للالتفاف حول تحرير جديد. هنا يتبادر إلى الذهن من المحرّر؟ وما الوسائل؟ وما البرنامج الوطني الاجتماعي الذي يجب أن يقود خطى اللبنانيين إلى مستقبلهم الموعود؟ نفتح هلالين للقول، إن المعارضة الحزبية السابقة سقطت عندما انسحبت من ميدان مهماتها الاجتماعية، وبعضها ينسحب اليوم عندما يهرب إلى الدعوة إلى القتال الشامل، محلياً وعربيّاً. يخفق الداعي في مكانه فيدعو كل الأمكنة إلى مشاركته في إخفاقه.

 

على المعارض الذي نسي الاجتماع والمجتمع، ونسي أنه في الأصل كان الصراع الاجتماعي من أجل مجتمع أفضل، ونسي أن موضوع النقاش ليس حول مسألة تحصين لبنان والدفاع عنه في الصراع مع إسرائيل، بل إن الموضوع هو كيف ندير الصراع الاجتماعي الداخلي، وكيف ندير الصراع ضد العدو، في زمن محدد، وفي ظرف محدد، ووفقاً لميزان قوى محدّد. ضبط الأصل هنا، في الأصل كان الصراع مع العدو، وفي الفروع كيف ندير هذا الصراع، ببساطة، كيف تمت إدارة الصراع في الآونة الأخيرة؟ اسألوا النتائج، فهي تنبئكم بخبر الخسارة اليقين.

نختم بالقول: هل تتأسس إدارة الصراع على تصادم الإدارات؟ أم تبنى على ابتكار التوازنات والتعهدات؟ في الحيّز الأخير هذا يجب بذل الجهد، فحديث الوحدة الوطنية قارب نجاة، أما التنابذ بالألقاب، فزيت إضافي نصبّه على النار.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث