الحداثة في دولة مُشلَّعة: هل تحتاج إلى وزارة ذكاءٍ اصطناعيّ؟

نزيه درويشالسبت 2026/07/18
1.jpg
الطرح على أهميته مجرد "مكياج" سياسي يُراد منه تزيين دولة مشلعة الأبواب (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

تتوالى وعود الحكومة في لبنان كمعزوفة سمجة تفتقر إلى أدنى مقومات الواقعية. من شعارات "السيادة" الجوفاء، واستعادة قرارات الحرب والسلم، ونزع السلاح، واسترجاع الأراضي وعودة أهلها، إلى الوعود المتكررة بإصلاحات سياسية ومالية متعثّرة، إلى تطوير الخدمات الأساسية المحتضرة، يجد المواطن نفسه محاصراً بوعود تحديثية لا تتجاوز حبر المراسيم. 

آخر هذه "الموضات" هو الحديث العابر عن "التحول الرقمي" واستحداث وزارة تُعنى بالذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات. ففي بلد تلاشت فيه الخدمات الحكومية الأساسية، لا يبدو هذا الطرح -على أهميته ووجاهته- مجرّد ترف فكري فحسب، بل هو "مكياج سياسي" يُراد منه تزيين دولة مشلّعة الأبواب والنوافذ والبنى التحتية والفوقية.

 

دولة تحارب نفسها

إن الفشل البنيوي في الإدارة اللبنانية ليس وليد الصدفة، بل هو النتيجة الحتمية لمنظومة "الدولة العميقة" التي تحكم قبضتها على المفاصل الحيوية. هذه الدولة العميقة، القائمة على شبكات المصالح الطائفية والمناطقية والمحاصصة الزبائنية، لا تغطي فقط الخارجين عن الدولة بسلاحهم، وإنما تمانع أيضاً أي إصلاح حقيقي، وتعتبر الرقمنة، وما ينتج عنها من شفافية وحوكمة رشيدة، تهديداً مباشراً لوجودها القائم معظم الأوقات على الغموض الإداري والواسطة والصفقات المشبوهة. 

واللافت أن الحكومة الحالية، رغم خطاباتها البليغة، فشلت حتى الآن في وضع حد لهذه الدولة العميقة، وفي تحقيق خرق معتبر في جدار الفساد المنظَّم والمحمي قضائياً وسياسياً. وغالباً ما نشهد تفريغ معظم القرارات الجيدة من محتواها، قبل دخولها حيّز التطبيق، وذلك بالتحاصص والتناتش والعراقيل المتبادلة.

 

مثلَّث برمودا

في ظل هذا الشلل، يصبح السؤال مشروعاً وعلمياً: أي معنى لخطط ذكاء اصطناعي في بيئة تعاني من "شلل مثلث" يضرب مقومات التكنولوجيا في الصميم؟

أولاً، نحن أمام قطاع طاقة شبه معدوم؛ فالخوادم ومراكز البيانات تتطلب تغذية كهربائية مستقرة ومستدامة فشلت الدولة في توفيرها، وتركت جمهور المستهلكين في قبضة "مافيا المولدات الخاصة"، بدلاً من خصخصة القطاع فوراً وفق أسس علمية، شفّافة، وخاضعة للمساءلة. 

ثانياً، يقبع قطاع الاتصالات والإنترنت في أدنى المراتب العالمية للمستهلك العادي مقابل أعلى الأسعار؛ بسبب تآكل السنترالات، وترهّل الشبكات، والعجز عن إجراء الصيانات المطلوبة للحفاظ على جودة الخدمة، ناهيك عن غياب المنافسة، وتجاهل التحديثات اللازمة لمواكبة التطور والسوق العالميَين. 

ثالثاً، وهو الأكثـر خطورة، تعرّض قطاع التعليم في كافة مراحله لهزّات جدّية منذ عقود، أتت التدابير الارتجالية الأخيرة في وزارة التربية، لتعمّقها، في ظل غياب الرقابات الإدارية والمتخصصة الفاعلة على المدارس، والمناهج، والمعلّمين، والطلاب. ساهم ذلك في مفاقمة الأمية التكنولوجية في المدارس والثانويات وحتى في المعاهد التقنية، وفي تجفيف منابع الأدمغة والعقول القادرة على تشغيل ومعالجة التكنولوجيا المستقبلية، قبل الوصول إلى عتبة التخرّج الجامعي. 

فالذكاء الاصطناعي لا يتغذى على النوايا والخطابات الرنانة، بل على الطاقة المستدامة، والبيانات السريعة الآمنة، وسهولة الوصول إليها، وعلى العقول المتعلمة أولاً وأخيراً.

إلى جانب مثلّث برمودا هذا، نستطيع إضافة ضلع رابع: الأعجوبة اللبنانية المتمثّلة في اختفاء أموال المودعين في المصارف دون أي محاسبة، وما رافقها من انهيار ثقة الجمهور بالقطاع المصرفي، واختفاء الخدمات المصرفية شبه الكامل. فالتحوّل الرقمي الذكي يتطلّب أساساً نظاماً مالياً موثوقاً يتيح الدفع الإلكتروني (Online) وعمليات السحب الآلي الجاهزة (ATM).

لذلك، فإن إنشاء وزارة تقليدية للذكاء الاصطناعي ضمن القوالب اللبنانية الراهنة لن يعني سوى توسيع رقعة المحاصصة الطائفية، وتعيين مستشارين سياسيين إضافيين يغرقون الملف في بيروقراطية روتينية قاتلة. إن البديل الحقيقي ليس "حقيبة تجميلية"، بل "حوكمة رقمية رشيقة" تهدف إلى استخدام التكنولوجيا كأداة "قفز زمني" لتجاوز عقود من التخلف الخدماتي، وكسر هيمنة الوساطة البشرية عبر خوارزميات ووسائط محايدة لا تقبل الرشوة ولا تنتمي لزعيم.

 

هل قلتَ خطة؟

لا نعلم ما خطة الحكومة أو الوزارة العتيدة، إن كان لديها أي خطة على الإطلاق. ولكن على الحكومة، التي أرسلت إلى مجلس النواب مشروع قانون إنشاء الوزارة، الإجابة على مسائل تتجاوز العناوين العريضة:

ينبغي أن تؤسس الوزارة الجديدة فعليًا لدخول لبنان عصر التحوّل الرقمي، مع صياغة تعريف دقيق لما يعنيه ذلك. طبعًا، هناك هيئة أُنشئت سابقاً لهذه الغاية، وهناك مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية الذي كان أخذ على عاتقه أيضاً بعض المهمات. لكن الوزارة المقترَحة يجب أن تُمركز هذا الجهد، وتؤطره، وتطوره مُستعينة بالذكاء الاصطناعي وبرامجه الآخذة في التوسّع على مدار الساعة، لتستفيد من تطبيقاته اللامحدودة.

من هذا العنوان العريض، تنطلق الوزارة إلى وضع استراتيجية تدرس تطبيقها في مختلف الوزارات والإدارات كي تغطي كافة أو معظم الخدمات التي يحتاجها المواطن، بدءاً من توحيد "الرقم الوطني" (Digital National ID) وبياناته ورقمنتها وربطها، إلى رقمنة الخدمات كافة وإتاحتها عبر الشبكة (اونلاين) مع إمكانية تحصيل وتحويل المدفوعات فوراً، إلى مباشرة الأعمال وترخيصها، وبحيث تُصبح المكاتب (والانتظار في الصفوف أو على عتبات الواسطة) من الماضي البيروقراطي المنتهي فعلا. لا نوافذ تحصيل، ولا جُباة، ولا سُعاة، و لا حتى منصات انتظار للحصول على بطاقة هوية، أو جواز سفر، أو رخصة قيادة، أو لدفع أي فاتورة أو ضريبة أو غرامة.  ولا يتحقق ذلك إلا في بيئة آمنة تشريعياً وشديدة الحماية إلكترونياً. 

 

"جورجيا في البال"

هذه هي أبسط عناوين التحوّل الرقمي. دولٌ ناشئة، كجورجيا مثالاً، نجحت في وقت قياسي في دخول العصر الرقمي والقضاء على البيروقراطية ومعظم أمراضها (الفساد، الرشاوى، تأخير المعاملات، التوظيف العشوائي، والهدر المكتبي والبشري، الخ)، بعدما وضعت استراتيجية دقيقة وصارمة وطبّقتها بنجاح في غضون سنوات قليلة (بين العامين 2008 و 2014)، ما أهّلها لقبول ملفّ انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي (قبل تعليقه لاحقاً لأسباب سياسية).

تجربة جورجيا جديرة بالاهتمام والدراسة. كمَنَ سرُّ نجاحها في توفّر إرادة سياسية قوية لمحاربة الفساد والبيروقراطية والجرائم، واكبتها ثورة تحديثية في التشريعات والبنى التحتية والمعرفية والتكنولوجية، أطلقتها وزارتا العدل والاقتصاد والتنمية عبر وكالات متخصّصة لم يتدخل في تعييناتها وعملها زعيمٌ من هنا ولا حزب من هناك. 

النتيجة: سرعةٌ مذهلة في الحصول على خدمات موثوقة وذات جودة عالية بمعايير أوروبية، اختفاء تام للرشوة وللفساد الإداري، تقليص الهدر البشري، آليات شكاوى ومحاسبة فعّالة، استغناءٌ في معظم الأحيان عن الحضور الشخصي إلى الدوائر الرسمية، والاستعاضة عنه بتقديم الطلبات والدفع بواسطة الانترنت أو الحصالات ِATM المنتشرة في كل زاوية، ما شكّل عامل جذب قوياً للمستثمرين الذين وجدوا ملاذاً آمناً وبيئة مثالية لاستثماراتهم، وحمايات قانونية وقضائية و"الكترونية" في بلدٍ صغير ذي إمكانيات متواضعة (نحو 4 ملايين مواطن، في مساحة تقارب 69700 كلم مربع، تحتلُّ روسيا نحو 20% منها منذ 2008). 

 

لبنان إن حكى

ولكن في لبنان، هناك ميل دائم لإعادة اختراع العجلة.. ثم الفشل في تشغيلها!

"الدرس الجورجي" ليس صعباً وليس مستحيلاً، ولا "خصوصية لبنانية" تحول دون تطبيقه، كما قد يسارع أحدهم للتذاكي والتحجج بـ"الفرادة" وصعوبة توطين التجارب الأخرى في "بلد الأرز"، المفطورة مجتمعاته على الزبائنية، والفساد، والزعماء الخالدين وأنسبائهم، وحروبهم المؤبَّدة والمؤجَّرة والمستأجرة.

أخشى أن تكون وزارة التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي هي العجلة التي نعيد اختراعها اليوم لنفشل فيها غداً، وأن يتحوّل الجسم المفترض به أن يكون تكنوقراطياً، فاعلاً، رشيقاً، وذا صلاحيات واسعة لتثوير الإدارات وتعزيز الانتقال وحماية البيانات الرقمية، إلى مجرّد مكتب بيروقراطي بـ"إنجازات" محدودة ودون الطموحات. 

إن تحديات النجاح ليست سهلة وطريقه ليس وردياً ومستقيماً. الذاكرة اللبنانية حبلى بإرهاصات إصلاحية انتهت قبل أن تبدأ، أو بعدها بقليل. ولا شيء يشير اليوم إلى أن الوضع أفضل حالاً، خصوصاً أن الارتجال يبدو وكأنّه ما زال سيّد الموقف. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث