تأجيل اللقاء العسكري يزيد الشكوك: أوروبا نحو وراثة اليونيفيل

مانشيت - المدنالجمعة 2026/07/17
Image-1784304291.Png
تحرك آلية عسكرية اسرائيلية أمام حاجز الجيش اللبناني في المنصوري (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

المؤشرات في الجنوب رفعت مستوى الهواجس. ففيما أرجئ لاجتماع العسكري الثلاثي الذي كان مقرراً عقده اليوم، أطلقت آلة الحرب الإسرائيلية عنانها لضربات مختلفة في الجنوب، من الواضح أن الهدف منها هو تسريع فرض الأمر الواقع العسكري. ومع التفسيرات المتعددة التي أعطيت للتأجيل، ولاسيما لجهة فارق التوقيت بين لبنان والولايات المتحدة، فإن هذا التأجيل، في ذاته، يبرز أكثر فأكثر وجود إستراتيجية إسرائيلية قائمة على إضاعة الوقت في التفاوض مقابل توسيع رقعة التدمير، وربما المزيد من القضم. ويخشى أن يكون التذرع بالأسباب التقنية وفوارق التوقيت هو في الواقع غطاء لخلافات جوهرية حول أجندة الانتشار وصلاحيات التحرك.

 

لكن الجيش اللبناني استبق هذا التأجيل بمناورة ميدانية ذكية، تمثلت في تسيير دوريات وإقامة حواجز ثابتة في القرى المقترحة كـ"مناطق تجريبية"، مثل فرون، الغندورية، قلاويه، وصريفا. وهذه الخطوة تحمل رسالة واضحة مفادها أن هذه البلدات خاضعة أساساً لسلطة الدولة اللبنانية وليست محتلة كلياً، في محاولة من الجيش للضغط باتجاه اختيار مناطق خاضعة للاحتلال الفعلي لتأمين انسحاب حقيقي وعودة للأهالي، رافضاً أي تنسيق مباشر مع الإسرائيليين، ومتمسكاً بحصر المراقبة باللجنة الخاصة، تحت إشراف القيادة المركزية الأميركية.

في المقابل، تمضي إسرائيل في تطبيق سياسة كسب الوقت بالنار، إذ صعّدت من عملياته التدميرية، منفذة تفجيرات ضخمة في زوطر الغربية وحداثا، وغارات مستمرة على الناقورة والمنصوري. وهذا السلوك الميداني تُرجم سياسياً بموقف حاسم أبلغه وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس لنظيره الأميركي بيت هيغسيث، مؤكداً "عزم إسرائيل على البقاء في المناطق الأمنية" في لبنان وسوريا وغزة. وهذا الإعلان، المتزامن مع بناء مواقع عسكرية دائمة، ينسف أساس فكرة الانسحاب التدريجي، ويؤكد أن تل أبيب تتعامل مع الشريط الحدودي كجغرافيا مستقطعة تخضع لسيطرتها الدائمة، وتريد من الجيش اللبناني أن يلعب دور "حرس الحدود" لمنع التسلل بدلاً من استعادة السيادة.

 

ومع اقتراب نهاية تفويض قوات "اليونيفيل" في 31 كانون الأول 2026، وفي ظل الإدراك الدولي لصعوبة تطبيق الترتيبات الأمنية الحالية، بدأت العواصم الأوروبية بطرح بدائل جدية لحفظ نفوذها وموقعها في الشرق الأوسط. وقد تجلى ذلك في المقترح المباشر لوزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول بتشكيل "قوة تابعة للاتحاد الأوروبي" تحل محل اليونيفيل لمنع أي فراغ أمني. ويتزامن هذا الطرح مع تسريبات إعلامية إسرائيلية عن دراسة مقترح بنشر "قوات إيطالية" في الجنوب. هذه التحركات تشير إلى اقتناع دولي متزايدة بأن المرحلة المقبلة تتطلب تفويضاً عسكرياً بأسنان أكثر حدة من تفويض الأمم المتحدة التقليدي، لضمان استقرار الحدود وحماية الترتيبات الجديدة.

 

إذاً، بين مماطلة إسرائيلية تفرض الخرائط بالمتفجرات، وحراك أوروبي يبحث عن موطئ قدم أمني جديد، وتضارب مواقف داخلي ينذر بانفجار سياسي، يبدو لبنان كمن يسير على حقل ألغام بلا خارطة. ويبقى الرهان اليتيم، والمحفوف بالمخاطر، معلقاً على الزيارة "السريعة" للرئيس جوزاف عون للبيت الأبيض. فهل ينجح في انتزاع تغطية أميركية حاسمة تجبر إسرائيل على الانسحاب وتلجم التدهور؟

 

اعتراض الجيش يطيح بالصيغة الإسرائيلية

كشف معلومات "المدن" أن تأجيل الاجتماع العسكري الافتراضي لم يكن تقنياً فحسب، بل جاء نتيجة خلاف حول المناطق التجريبية المقترحة لتنفيذ اتفاق الإطار. فقد اعترض الجيش اللبناني على اختيار إسرائيل بلدات لا تخضع للاحتلال، معتبراً أن ذلك يهدف إلى الإيحاء بانسحاب من مناطق أعاد الجيش الانتشار فيها أصلاً، باستثناء زوطر الغربية وزوطر الشرقية.

 

وأصرّ الجانب اللبناني على أن تكون المناطق التجريبية واقعة فعلياً تحت الاحتلال الإسرائيلي، بما يضمن انسحاباً حقيقياً وعودة الأهالي، رافضاً منح إسرائيل حرية الحركة في الجنوب في ظل استمرار القصف والخروقات. كما شدد خلال اجتماعات روما على ضرورة وقف الأعمال العدائية واعتماد جدول زمني واضح للانسحاب. وبحسب المصادر، بلغ الاعتراض العسكري مستوى متقدماً داخل الاجتماعات، فيما دخل قائد قوات مشاة البحرية الأميركية في القيادة المركزية (سنتكوم) الفريق جوزيف كليرفيلد على خط الاتصالات لمعالجة الخلاف، وسط مساعٍ أميركية لإعادة عقد الاجتماع.

 

الميدان يسبق السياسة

وبينما تعثرت الاتصالات، واصل الجيش الإسرائيلي فرض وقائع ميدانية جديدة. فقد نفذ تفجيراً ضخماً استهدف مبنى مدارس المهدي في بنت جبيل، بالتزامن مع نسف عدد من المنازل في المدينة، كما فجّر مواقع في محيط كفرتبنيت، واستهدف منطقة جل شهاب أسفل تلة علي الطاهر بقصف مدفعي، واستكمل عمليات التفجير في زوطر الغربية وحداثا.

 

وامتدت الاعتداءات إلى المنصوري والناقورة، حيث نفذت المسيّرات الإسرائيلية غارات عدة أدت إلى سقوط جريح، فيما توغلت آلية إسرائيلية حتى الطريق العام بين المنصوري وبيوت السياد وتمركزت قرب نقطة للجيش اللبناني قبل أن تنسحب. كما ألقت محلقة إسرائيلية قنبلة صوتية في البلدة، فيما حاصرت عمليات التمشيط الليلي عدداً من الأهالي في حاريص، واضطرت فرق الإسعاف إلى انتشال جثامين الشهداء من موقع الغارة التي استهدفت المنصوري ليلاً. وفي موازاة ذلك، واصل الطيران الإسرائيلي المسيّر تحليقه المكثف فوق الزهراني والبقاع الأوسط وبعلبك، فيما حلق الطيران الحربي في أجواء صيدا وجوارها، في مشهد يعكس استمرار الضغط العسكري بالتزامن مع المسار التفاوضي.

 

انقسام داخلي ورسائل متقابلة

سياسياً، أكمل نواب حزب الله تصعيدهم في الخطاب الداخلي. فقد اعتبر عضو كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب علي فياض أن السلطة اللبنانية تمضي في مفاوضاتها مع إسرائيل رغم تصاعد العدوان، متهماً إياها بدفع البلاد إلى "مكان شديد الخطورة"، ومعتبراً أن استمرار هذا المسار لن يؤدي إلى استعادة الأرض أو السيادة، بل سيهدد الاستقرار الداخلي. من جهته، أصدر حزب الله بياناً نفى فيه بشكل قاطع صحة المواقف التي نسبت إلى مسؤوليه أمام رئيس الجمهورية، مؤكداً أن مواقفه المعلنة والثابتة لم تتغير، سواء لجهة دعمه لغزة أو رفضه المطلق لأي مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.

 

الأمم المتحدة وأوروبا: البحث عن مرحلة جديدة

في موازاة التصعيد، أكد القائم بأعمال المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان جان أرنو أمام مجلس الأمن أن استمرار الأعمال العدائية والوجود العسكري الإسرائيلي في الجنوب خلّفا دماراً واسعاً ونزوحاً كبيراً، مشدداً على أن تنفيذ القرار 1701 يتطلب دعماً دولياً، وأن الجيش اللبناني يشكل الركيزة الأساسية لبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها. 

 

وتزامن ذلك مع تأكيد الأمم المتحدة أن الاحتياجات الإنسانية في لبنان لا تزال كبيرة، فيما وصلت الدفعة الأولى من المساعدات الإماراتية، المؤلفة من 29 شاحنة، عبر معبر المصنع. في المقابل، يتواصل النقاش الأوروبي حول مرحلة ما بعد "اليونيفيل"، مع طرح ألماني لتشكيل قوة تابعة للاتحاد الأوروبي، بالتوازي مع تسريبات إسرائيلية عن بحث نشر قوات إيطالية في جنوب لبنان.

 

سباق بين الوقائع والمفاوضات

تبدو المفاوضات اليوم أمام اختبار حقيقي. فإسرائيل تسعى إلى تثبيت وقائع ميدانية قبل أي اتفاق، فيما يحاول الجيش اللبناني منع تحويل الانسحاب إلى خطوة شكلية تكرّس الاحتلال ولا تنهيه. وبين الضغوط الأميركية، والحراك الأوروبي، والتصعيد العسكري المتواصل، تتسارع الأحداث بوتيرة تجعل أي تأخير في التفاهمات ينعكس مباشرة على الأرض. وفي ظل هذا المشهد، تبدو زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن، محاولة أخيرة لانتزاع ضمانات أميركية تفرض انسحاباً إسرائيلياً فعلياً، قبل أن تتحول الوقائع التي ترسمها الجرافات والمتفجرات إلى حدود سياسية جديدة يصعب تغييرها.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث