المناطق التجريبية تنطلق: الجيش حاضر.. فهل تنسحب إسرائيل؟

بتول يزبكالجمعة 2026/07/17
الجيش اللبناني في الجنوب (Getty)
هل تحول مبدأ المناطق التجريبية إلى اختبار لقدرة الجيش اللبناني ومدى التزامه بتنفيذ مهمات التفتيش (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

أعلن الجيش اللبنانيّ أنّ وحداته نفّذت دوريّات ميدانيّة، وأقامت حواجز في بلدات فرون، والغندوريّة، وقلاويه، وبرج قلاويه، وكفردونين، في خطوة تؤكّد حضور المؤسّسة العسكريّة داخل هذه المناطق، وقدرة وحداتها على التحرّك وإنشاء نقاط للمراقبة والتّفتيش فيها.

ولا يقتصر بيان الجيش على بُعده الأمنيّ والميدانيّ، بل يكتسب دلالة سياسيّة لافتة، إذ صدر عقب اختتام الجولة السّادسة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في العاصمة الإيطاليّة روما، التي أفضت، وفق المعلومات المتداولة، إلى تفاهمات بشأن آليّة تنفيذ مشروع منطقتين تجريبيّتين في جنوب لبنان.

وتشير المعطيات إلى أنّ بلدات فرون، والغندوريّة، وقلاويه، وبرج قلاويه، تقع ضمن إحدى المنطقتين المطروحتين في إطار المرحلة التجريبيّة. وهذا يعني أنّ الجيش اللبنانيّ لم يكن غائبًا عن هذه البلدات في انتظار نتائج المفاوضات، بل كان موجودًا فيها أصلًا، وينفّذ مهمّات أمنيّة وميدانيّة قبل بدء العمل بالآليّة الجديدة.

 

انتقال للسّيطرة أم توسيع لمهمّات الجيش؟

يفرض هذا الواقع جملة من علامات الاستفهام بشأن توصيف المشروع باعتباره انتقالًا للسّيطرة إلى الجيش اللبنانيّ. فبيان المؤسّسة العسكريّة يُظهر بوضوح أنّ وحداتها موجودة أصلًا في جزء من النّطاق الجغرافيّ المشمول بالمقترحات، ولا تحتاج إلى دخول هذه البلدات أو الانتشار فيها انطلاقًا من نقطة الصّفر.

وعليه، يصبح السّؤال أكثر إلحاحًا: هل تحوّل مبدأ المناطق التجريبيّة إلى اختبار لقدرة الجيش اللبنانيّ ومدى التزامه بتنفيذ مهمّات التّفتيش، والتّحقّق، ونزع السّلاح، بدل أن يكون مدخلًا واضحًا ومباشرًا إلى انسحاب الجيش الإسرائيليّ من المناطق التي يحتلّها؟

ويبرز، في موازاة ذلك، سؤال بشأن مدى إمكان التّعويل على نتائج مفاوضات روما، وما إذا كانت ستُترجم إلى انسحاب إسرائيليّ فعليّ، أم ستبقى محصورة في ترتيبات أمنيّة وميدانيّة تُحمّل الجيش اللبنانيّ مسؤوليّات إضافيّة، من دون ضمانات حاسمة لإنهاء الاحتلال.

 

التّحرّكات الميدانيّة تؤشّر إلى بدء التّنفيذ

في هذا السّياق، رأى الخبير العسكريّ والاستراتيجيّ، العميد المتقاعد حسن جوني في حديثه إلى "المدن"، أنّ التّحرّكات الميدانيّة الأخيرة تشير إلى بدء تنفيذ مشروع المناطق التجريبيّة فعليًّا، معتبرًا أنّ "الخطوات التّنفيذيّة والآليّات المرتبطة بها بدأت مباشرة بعد المفاوضات الأخيرة التي عُقدت في روما".

وأوضح جوني أنّ بيان الجيش اللبنانيّ، إلى جانب التّحرّك الميدانيّ لوحداته، يؤشّران إلى انطلاق المرحلة الأولى من الخطوات التّنفيذيّة الخاصّة بالمناطق التجريبيّة، لافتًا إلى أنّ نطاق هذه المناطق يبدو أوسع ممّا كان متوقّعًا في البداية.

وتكتسب هذه المسألة أهمّيّة إضافيّة، بحسب جوني، إذا كان النّطاق الجغرافيّ للمرحلة التجريبيّة يشمل مدينة بنت جبيل، إذ قال: "نحن نتحدّث عن مدينة كبيرة، على الرّغم من أنّ معظم أجزائها مدمّر، وكانت خاضعة للاحتلال أو للحصار من جانب الجيش الإسرائيليّ".

وأشار إلى أنّ تمكّن الجيش اللبنانيّ من تسيير دوريّات داخل المدينة، بالتّوازي مع انتشاره في قرى أخرى، قد يعني أنّ المناطق التجريبيّة تشمل أراضي كانت محتلّة، وأنّ الجيش الإسرائيليّ سينسحب منها.

 

بنت جبيل توسّع نطاق المرحلة الأولى

يرى جوني أنّ إدراج مدينة بنت جبيل ضمن المناطق التجريبيّة، في حال تأكّده، يمثّل تطوّرًا مهمًّا، لأنّه ينقل المشروع من نطاق محدود يشمل قرية أو قريتين إلى مرحلة أولى تمتدّ على مساحة جغرافيّة واسعة.

وقال إنّ المسار لا يزال في بدايته، وإنّ تفاصيل مراحله اللّاحقة لم تتّضح بعد، لكنّ المؤشّرات المتوافرة حتّى الآن تدلّ على أنّ المرحلة الأولى "تشمل مناطق واسعة وكبيرة، ولا تقتصر على قرية أو قريتين، خصوصًا أنّها تضمّ مدينة بنت جبيل".

ولا يرتبط إدراج المدينة بحجمها الجغرافيّ والسّكّانيّ فحسب، بل بكونها من المناطق التي تعرّضت لأضرار واسعة، وخضعت أجزاء منها للاحتلال أو الحصار الإسرائيليّ. ومن هنا، فإنّ أيّ انتشار فعليّ للجيش اللبنانيّ داخلها سيشكّل اختبارًا مباشرًا لمدى ارتباط التّفاهمات الجديدة بانسحاب إسرائيليّ حقيقيّ.

وشدّد جوني على ضرورة متابعة آليّة التّنفيذ، لفهم كيفيّة استكمال الانسحاب الإسرائيليّ، وطبيعة المهمّات اللّاحقة التي سيتولّاها الجيش اللبنانيّ بعد تمركزه وإنشائه نقاط المراقبة التي أشار إليها بيانه.

 

مهمّات إضافيّة تتجاوز الانتشار

لا تبدو مهمّة الجيش اللبنانيّ، وفق قراءة جوني، محصورة بتسيير الدّوريّات وإقامة الحواجز ونقاط المراقبة، إذ يُتوقّع أن تُسند إليه مهمّات إضافيّة ترتبط بالتّحقّق والتّفتيش ونزع السّلاح.

وقال جوني إنّ هذه المهمّات قد تشمل "استكمال عمليّات التّحقّق والتّفتيش، ونزع أيّ أسلحة أخرى، والبحث عن أيّ بُنى تحتيّة عسكريّة موجودة"، معتبرًا أنّ هذه النّقطة تمثّل جوهر مشروع المناطق التجريبيّة، وستحدّد كيفيّة متابعة تنفيذه في المراحل المقبلة.

ويعني ذلك أنّ المشروع لا يختبر إمكان انتشار الجيش فحسب، بل يضع أداءه الميدانيّ والأمنيّ تحت المراقبة، ويقيس قدرته على تنفيذ مهمّات تتجاوز الانتشار التّقليديّ إلى التّفتيش والتّحقّق من خلوّ المناطق من الأسلحة والبُنى العسكريّة.

وهنا تبرز إشكاليّة أساسيّة تتعلّق بطبيعة المعايير التي ستُعتمد للحكم على نجاح المرحلة التجريبيّة، وما إذا كان تنفيذ الجيش اللبنانيّ هذه المهمّات سيقابله انسحاب إسرائيليّ متزامن وواضح، أم سيبقى الانسحاب مشروطًا بتقييمات خارجيّة ونتائج عمليّات التّحقّق.

 

مَن يتولّى التّحقّق من نجاح المهمّة؟

إلى جانب طبيعة المهمّات الملقاة على عاتق الجيش، يطرح المشروع سؤالًا بشأن الجهة التي ستتولّى مراقبة التّنفيذ والتّحقّق من نجاح المرحلة التجريبيّة.

ولفت جوني إلى أنّ إحدى النّقاط الأساسيّة تتعلّق بالجهة التي ستحدّد مدى التزام الجيش اللبنانيّ بتنفيذ المطلوب منه داخل هذه المناطق، متسائلًا: "هل ستكون الجهة الأميركيّة هي المسؤولة فعليًّا عن عمليّة التّحقّق؟".

ويحمل هذا السّؤال أبعادًا سياسيّة وسياديّة، إذ إنّ إسناد مهمّة التّحقّق إلى جهة خارجيّة قد يحوّل الجيش اللبنانيّ من سلطة شرعيّة تنتشر على أرضها إلى طرف يخضع أداؤه للتّقييم والاختبار، في وقت يفترض أن تكون الأولويّة لمراقبة انسحاب الجيش الإسرائيليّ من الأراضي التي يحتلّها.

وفي هذا الإطار، ميّز جوني بين مقاربة المنطقة التجريبيّة وبين الاتّفاق السّياسيّ أو الأمنيّ الأوسع، مشدّدًا على أنّ الحديث يدور حاليًّا حول آليّة تنفيذ المشروع، في حين أنّ الاتّفاق نفسه "مسألة مختلفة تمامًا".

 

الانسحاب لا إعادة تعريف الانتشار

تكشف قراءة بيان الجيش ومواقف جوني أنّ العقدة الأساسيّة لا تكمن في قدرة المؤسّسة العسكريّة على الانتشار، إذ إنّها موجودة أصلًا في عدد من البلدات المشمولة بالمشروع، بل في ما إذا كانت الآليّة الجديدة ستفرض انسحابًا إسرائيليًّا واضحًا من الأراضي المحتلّة، وتمنح الجيش اللبنانيّ سلطة ميدانيّة كاملة وغير منقوصة.

فنجاح المناطق التجريبيّة لا يُقاس بعدد الحواجز والدّوريّات اللبنانيّة، ولا بتحويل الجيش إلى جهة خاضعة للاختبار والتّدقيق الخارجيّ، بل بقدرة المسار التّفاوضيّ على إنهاء الاحتلال، وتثبيت السّيادة اللبنانيّة، ومنع إسرائيل من استخدام التّرتيبات الأمنيّة ذريعة لإبقاء قوّاتها أو إعادة فرض شروطها الميدانيّة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث