منذ الإعلان عن اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، انحصر الجزء الأكبر من النقاش السياسي والإعلامي في سؤال واحد: هل سيتمكن لبنان من نزع سلاح حزب الله وإنهاء وجود أي قوة مسلحة خارج مؤسسات الدولة؟
لكن القراءة المتأنية للملحق الأمني تكشف أن هذا ليس السؤال الأكثر حساسية. فالعقدة الأساسية لا تكمن فقط في عملية نزع السلاح، بل في اللحظة التي تليها: لحظة إعلان أن العملية اكتملت، وأن شروط الانتقال إلى المرحلة التالية أصبحت متوافرة.
فالملحق الأمني لا يربط إعادة الانتشار الإسرائيلي بمجرد بدء تنفيذ الإجراءات، بل ينص على أنها تتم "بعد الإنجاز الناجح لعملية متفق عليها وقابلة للتحقق من نزع السلاح والتفكيك"
(Pending successful completion of an agreed upon and verifiable disarmament and dismantlement process).،
قد تبدو هذه العبارة تقنية، لكنها في الواقع تحمل السؤال السياسي والأمني الأكثر أهمية في الاتفاق كله: من يقرر أن العملية نجحت؟
وهنا يتحول النقاش من سؤال "كيف يتم نزع السلاح؟"، إلى سؤال أكثر عمقاً: "من يملك سلطة إعلان أن الدولة استعادت سيادتها؟".
المشكلة ليست في مبدأ التحقق… بل في تعريف النجاح. لا خلاف على أن أي اتفاق أمني يحتاج إلى آليات تحقق. فلا يمكن لأي ترتيبات أمنية بين أطراف متنازعة أن تقوم على الثقة وحدها أو على التعهدات السياسية، لكن التحدي يبدأ عندما يصبح التحقق ليس مجرد وسيلة لمراقبة التنفيذ، بل شرطاً يحدد انتقال الأطراف من مرحلة إلى أخرى.
فالملحق الأمني لا يقول فقط إن هناك عملية لنزع السلاح، بل يربط إعادة الانتشار الإسرائيلي بنتيجة هذه العملية.
وهنا يصبح مفهوم "النجاح" هو جوهر الاتفاق.
قد ترى الدولة اللبنانية أن النجاح يعني انتشار الجيش اللبناني، وانتهاء أي نشاط عسكري خارج المؤسسات الرسمية، واستعادة السيطرة العملياتية على المناطق المعنية. لكن قد يرى الطرف الآخر أن النجاح لا يتحقق إلا عندما تزول أيضاً القدرة على إعادة بناء أي بنية عسكرية مستقلة مستقبلاً، والفارق بين القراءتين ليس تقنياً، بل سياسي. لأن الأولى تقيس ما تحقق على الأرض، بينما الثانية تقيس مستوى الخطر الذي قد يعود مستقبلاً، ومن هنا تنشأ مساحة قد تتحول إلى خلاف حول تفسير الاتفاق نفسه، لا حول تنفيذه فقط.
الملحق الأمني لا يتحدث عن جمع السلاح فقط. إذ يعتمد الملحق الأمني نموذجاً تنفيذياً من أربع مراحل مترابطة:
- إزالة العناصر المسلحة غير التابعة للدولة واتخاذ الإجراءات القانونية بحقها.
- تدمير أو تعطيل البنية العسكرية المرتبطة بها، بما يشمل الأسلحة ومخازنها والأنفاق ومراكز القيادة.
- التحقق، بواسطة جهة ثالثة متفق عليها، من إزالة الجماعات المسلحة وبنيتها العسكرية.
- تولي الجيش اللبناني "السيطرة العملياتية الوحيدة" (sole operational control) لمنع عودة أي نشاط مسلح.
هذه الصياغة تكشف أن الاتفاق لا يتعامل مع السلاح بوصفه مجرد معدات يمكن جمعها، بل مع منظومة قوة كاملة.
فالحديث لا يقتصر على إزالة الأسلحة، بل يمتد إلى تفكيك البنية التنظيمية والعسكرية التي تسمح بإعادة إنتاج هذه القوة، وهنا تصبح كلمة "التفكيك" بقدر أهمية كلمة "نزع السلاح" أو أكثر، لأن إثبات انتهاء القدرة على إعادة بناء بنية عسكرية أكثر تعقيداً من جمع الأسلحة نفسها.
ثم من يملك القرار عند اختلاف التفسير؟
ينص الاتفاق على إنشاء مجموعة تنسيق عسكرية لمتابعة التنفيذ، وإدارة فض الاشتباك، والمشاركة في عملية التحقق، لكن النص لا يحسم بصورة صريحة ما الذي يحدث إذا اختلفت الأطراف حول نتيجة هذا التحقق، فماذا لو اعتبرت الدولة اللبنانية أنها نفذت جميع التزاماتها، بينما رأى الطرف الآخر أن الشروط لم تستكمل بعد؟
هل تكون الجهة الثالثة صاحبة القرار النهائي؟
هل يُحسم الأمر بالتوافق داخل آلية التنسيق؟
أم يبقى لكل طرف حق تفسير المعايير وفق تقييمه الأمني؟
هذه ليست تفاصيل إجرائية، بل تمس جوهر الاتفاق. لأن الانتقال من مرحلة إلى أخرى يتوقف على الإجابة عنها.
عندما يلتقي النص بميزان القوة
حتى لو افترضنا أن الاتفاق صيغ بحسن نية، يبقى هناك سؤال لا يجيب عنه النص نفسه: ماذا يحدث إذا اختلفت الأطراف على تفسير نتائج التحقق؟ في الاتفاقات الأمنية، لا تعمل النصوص في فراغ، بل داخل ميزان قوى سياسي وعسكري. ولذلك، فإن أهمية أي آلية للتحقق لا تتوقف عند صياغتها القانونية، بل تمتد إلى البيئة التي ستُطبق فيها. فالطرف الذي يرى أن الشروط لم تكتمل قد يطالب باستمرار الإجراءات الأمنية إلى حين اقتناعه بأن أسباب القلق زالت، بينما يرى الطرف الآخر أنه أوفى بجميع التزاماته وأن الوقت قد حان للانتقال إلى المرحلة التالية.
ولا يحسم الملحق الأمني بشكل صريح كيفية معالجة هذا النوع من الخلاف إذا وقع، ولا يحدد جهة ملزمة تملك الكلمة الأخيرة في إعلان اكتمال التنفيذ، وهنا لا يصبح النقاش قانونياً فقط، بل سياسياً أيضاً، لأن تفسير النص قد يتأثر بميزان القوى القائم بين الأطراف، وبقدرة كل طرف على الدفاع عن قراءته أو فرضها، ولهذا، فإن وضوح معايير التحقق لا يمثل مسألة إجرائية فحسب، بل يشكل أحد أهم عناصر حماية الاتفاق نفسه من التحول إلى ساحة خلاف مفتوحة.
من نزع السلاح إلى احتكار الدولة للقوة
الجانب الأعمق في الملحق الأمني أنه لا يتحدث فقط عن إزالة جماعات مسلحة، بل يحدد هدفاً أوسع يتمثل في "استعادة سلطة الدولة اللبنانية الكاملة على كامل الأراضي اللبنانية"(restore full Lebanese state authority throughout Lebanon) .
وهنا يبرز سؤال جديد:
هل استعادة سلطة الدولة نفسها تصبح موضوعاً للتحقق؟
فالمناطق التجريبية التي يتناولها الملحق هي إطار تنفيذي محدد، لكن عبارة "كامل الأراضي اللبنانية" تتجاوز هذه المناطق، وتنتقل من الإجراء الأمني إلى مفهوم السيادة ذاته. السيادة ليست مجرد انتشار الجيش في منطقة معينة، بل قدرة الدولة على احتكار القوة، وفرض القانون، واتخاذ القرار في جميع أراضيها، لكن تحويل هذا المفهوم السياسي الواسع إلى معيار أمني قابل للقياس ليس بالأمر البسيط، فمتى تعتبر ان الدولة قد استعادت سلطتها بالكامل؟
هل عندما ينتشر الجيش؟
أم عندما تنتهي أي قدرة عسكرية مستقلة؟
أم عندما تصبح مؤسسات الدولة وحدها صاحبة القرار الأمني والعسكري؟
هذه ليست أسئلة نظرية، بل هي التي تحدد عملياً معنى نجاح الاتفاق.
الجيش اللبناني: مهمة أمنية أم اختبار للدولة؟
يضع الاتفاق الجيش اللبناني في قلب عملية التنفيذ.
وهذا يعكس منطقاً واضحاً: لا يمكن لأي دولة أن تستعيد سيادتها من دون أن تصبح القوة المسلحة خاضعة لمؤسساتها الرسمية.
لكن المهمة التي يحملها الاتفاق للجيش تتجاوز الانتشار العسكري، فالمطلوب منه ليس فقط السيطرة على مناطق معينة، بل إثبات أن الدولة اللبنانية أصبحت قادرة على منع عودة أي نشاط مسلح خارج سلطتها، وهذا يجعل المهمة سياسية بقدر ما هي أمنية، فالجيش اللبناني مؤسسة وطنية، لكنه ليس بديلاً عن الدولة. ونجاحه في هذه المهمة يتطلب قراراً سياسياً موحداً، وقدرة مؤسسات الدولة على مواكبة هذا التحول التاريخي من واقع تعدد مراكز القوة إلى واقع احتكار الدولة للقوة.
عندما يصبح الانسحاب نتيجة تقييم لا موعداً
أحد أهم التحولات التي يحملها الاتفاق هو أن إعادة الانتشار الإسرائيلي لا ترتبط بجدول زمني محدد، بل بنتيجة مرتبطة بتحقق شروط التنفيذ، من حيث المبدأ، هذا أمر مفهوم في الاتفاقات الأمنية، إذ تسعى الدول إلى الحصول على ضمانات قبل الانسحاب من مناطق تعتبرها حساسة أمنياً.
لكن التحدي يظهر عندما تكون هذه الضمانات مرتبطة بمعايير قابلة لتفسيرات متعددة.
فالفرق كبير بين شرط واضح يمكن قياسه، وشرط يعتمد على تقييم أمني متغير.
الأول يقود إلى نهاية مرحلة.
أما الثاني فقد يؤدي إلى استمرار الجدل حول ما إذا كانت المرحلة قد انتهت أصلاً.
عندما يصبح التحقق شرطاً للعودة وإعادة الإعمار
لا تتوقف آثار التحقق عند المسألة العسكرية، فالملحق الأمني يضع إعادة الإعمار بعد اكتمال المراحل الأمنية، بحيث تقود الدولة اللبنانية جهود الإعمار بدعم دولي بعد استكمال نموذج التنفيذ في المناطق المعنية، وهذا يعني أن الانتقال من المرحلة الأمنية إلى مرحلة التعافي يرتبط عملياً بإعلان أن شروط التنفيذ قد اكتملت.
وهنا تبرز إشكالية أخرى، فإذا أصبح هناك خلاف حول ما إذا كانت الشروط قد استوفيت، فإن هذا الخلاف لن يبقى محصوراً بين العسكريين أو الدبلوماسيين، بل سينعكس مباشرة على السكان الذين ينتظرون العودة إلى قراهم وإعادة بناء منازلهم، ولا يعني ذلك أن الاتفاق ينص على تأجيل مفتوح لإعادة الإعمار أو عودة الأهالي، لكنه يعني أن غياب سقف زمني واضح للانتقال بين المراحل قد يجعل مدة الانتظار مرتبطة بمسار التحقق نفسه. وفي النزاعات الممتدة، قد يتحول التأخير الإجرائي إلى واقع سياسي وإنساني طويل الأمد إذا لم تُحسم الخلافات أو يُعدَّل الاتفاق أو يُستبدل بترتيب جديد.
الخلاصة: ليست المشكلة في شرط التحقق… بل فيمن يفسر التحقق
لا تكمن أهمية اتفاق الإطار في أنه يطلب من الدولة اللبنانية استعادة احتكار القوة، فهذا هدف تعلنه الدولة اللبنانية منذ سنوات.إنما تكمن أهميته في أنه يجعل الانتقال إلى المراحل التالية مرتبطاً بإثبات أن هذا الهدف قد تحقق.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي:من يملك سلطة إعلان النجاح؟
ففي الاتفاقات الأمنية، لا تقتصر السلطة على من يملك القوة العسكرية، بل تشمل أيضاً من يملك تفسير النص وتحديد أن شروطه قد استوفيت، وكلما كانت معايير النجاح أكثر وضوحاً، تقلصت مساحة الخلاف. وكلما بقيت عامة ومفتوحة، انتقل الصراع من الميدان إلى تفسير الاتفاق نفسه.
لذلك، قد لا تكون الكلمة الأخطر في الملحق الأمني هي "نزع السلاح". بل كلمة أقل حضوراً وأكثر تأثيراً: التحقق.
لأن من يحدد أن الدولة استعادت سيادتها، يحدد أيضاً متى تبدأ المرحلة التالية من الاتفاق، ومتى تنتهي المرحلة التي سبقتها.



