خلف الضباب الدبلوماسي الكثيف الذي أشاعته أجواء اليوم الثاني من مفاوضات روما، والتي ركزت على إطلاق "المنطقتين التجريبيتين" تحت وطأة الرغبة الأميركية المستعجلة، تكشف الوقائع العسكرية في الجنوب اللبناني عن مسار مغاير تماماً. هو مسارٌ لا يوحي بانسحاب حقيقي وشيك، بل بفرض واقع دائم يعيد رسم جغرافيا المنطقة بالنار والتحصينات.
فالجيش الإسرائيلي باشر فعلياً تعميق وإنشاء خط جديد من المواقع العسكرية الدائمة في العمق اللبناني. وبذلك، لم يعد وجود الجيش الإسرائيلي محصوراً في شريط حدودي بعمق محدد، كي يضمن إبعاد صواريخ الدروع والمسيّرات، كما كان ينادي دائماً، بل هو يتمدد ليثبت نقاط ارتكاز إستراتيجية على طول خط المرتفعات المشرفة، من جبل الشيخ شرقاً، المطل على البقاع وصولاً إلى منطقة السلطان يعقوب والسيطرة بالنار على الطريق الدولية بين بيروت ودمشق. وهذا التموضع الممنهج يعكس رغبة واضحة في فرض "حزام أمني دائم" يتجاوز كلياً مفاهيم "المناطق التجريبية" المطروحة في روما.
وبالموازاة مع محادثات العسكريين المقررة غداً الجمعة عن بُعد، يسابق الجيش الإسرائيلي عقارب الساعة لإتمام تدمير شامل وممنهج للبنية التحتية في 52 بلدة جنوبية خلال الأسابيع المقبلة، مستغلاً الهامش الزمني الضيق قبل الضغوط الأميركية المحتملة للانسحاب. والجولة الميدانية التي نظمها للصحافة العسكرية في مدينة بنت جبيل، المعقل الرمزي التاريخي لحزب الله، كشفت عن حجم دمار مروع ناهز 80% في البلدة. وهذا التدمير الشامل يهدف بالدرجة الأولى إلى تجريد الأرض من أي معالم حيوية، بحيث لا يجد الجيش اللبناني أو أي قوة بديلة بنية تحتية صالحة للحياة أو الدفاع، إذا تقرر تنفيذ أي انسحاب جزئي.
وأجمعت التقارير الإسرائيلية على أن رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المستعجلة في إنهاء ملف لبنان وسوريا، وسعيه إلى انسحاب إسرائيلي سريع يخدم مشاريعه الإقليمية الكبرى، من إعمار غزة إلى توسيع اتفاقيات أبراهام ومد خطوط الطاقة، يصطدمان بطموحات إسرائيل ومصالح نتنياهو الانتخابية. وهنا يبرز دور آلية التنسيق العسكري التي يقودها الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد. وعلى رغم إدراك الجانب الأميركي لمحدودية قدرات الجيش اللبناني في ضبط الميدان ومواجهة السلاح، فإن إسرائيل تخشى أن يرفض المستوى السياسي في واشنطن تعليق نقل الأراضي أو إيقاف الانسحابات بذريعة عدم استيفاء الشروط الأمنية الإسرائيلية. وهذا التعارض مرشح للتحول إلى مواجهة سياسية مباشرة بين ترامب ونتنياهو، ما يجعل الأخير يفضل التركيز حالياً على قضم الأرض وتوسيع الأحزمة الأمنية بفرض الأمر الواقع.
ويُخشى أن تكون "إيجابيات روما" واجهة دبلوماسية تخفي تحتها تصعيداً عسكرياً غير مسبوق. فإسرائيل تستعجل إكمال إفراغ القرى الحدودية من مقومات الحياة وبناء تحصينات عسكرية ثابتة، ما يعني أن أي انسحاب مستقبلي من "المنطقة التجريبية الأولى" لن يكون خطوة أولى نحو سلام شامل، بل إعادة تموضع تكتيكي محكوم بشروط تفصيلية معقدة ورقابة أميركية صارمة على الجيش اللبناني. وإلى أن يحين موعد قمة واشنطن في 21 الجاري، يبقى الميدان الجنوبي رهينة سياسة التفجير الإسرائيلي الممنهج، الهادف إلى فرض "الحزام العازل" بالقوة.
تفاوض تحت سقف الوقائع الإسرائيلية
لا تكمن خطورة ما يجري في الجنوب في عدد المواقع التي يبنيها الجيش الإسرائيلي فحسب، بل في الوظيفة السياسية والعسكرية لهذه المواقع. فإسرائيل لا تتصرّف بوصفها قوّة تستعدّ للانسحاب وفق جدول تفاوضي، بل كقوّة تعيد تصميم مسرح العمليات قبل الدخول في أي تسوية. وهي تريد أن يصبح الانسحاب، إن حصل، تنازلًا إسرائيليًّا مشروطًا، لا تنفيذًا لالتزام واضح باستعادة لبنان سيادته على أراضيه.
وما كشفته صحيفة "معاريف" عن إنشاء خطّ من المواقع العسكرية الدائمة يضع المفاوضات أمام اختبار جوهري. فالحديث عن مناطق تجريبية يفترض وجود تبادل متزامن للخطوات، انسحاب إسرائيلي، انتشار للجيش اللبناني، وآلية تحقّق محايدة. أمّا بناء المواقع الثابتة، فيعني أن إسرائيل تفصل بين المسارين، فتفاوض على إجراءات محدودة، بينما تؤسّس ميدانيًّا لوجود طويل الأمد.
بهذا المعنى، لا تبدو التحصينات مجرّد احتياط أمني، بل ورقة ضغط استباقية. فكلّ موقع جديد يرفع ثمن الانسحاب، ويمنح إسرائيل قدرة إضافية على المطالبة بضمانات أمنية وسياسية، وربط أي خطوة بملف سلاح حزب الله، وانتشار الجيش اللبناني، وآليات المراقبة الدولية.
نتنياهو يفاوض ترامب من داخل الميدان
توقّعت "معاريف" أن يتحوّل هذا المسار إلى مصدر مواجهة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. جوهر الخلاف لا يتعلق بتفصيل عسكري، بل بتناقض بين مشروعين إقليميين. ترامب يريد إغلاق الجبهات المفتوحة بسرعة، وتوظيف الاستقرار في توسيع اتفاقيات أبراهام، وتحريك مشاريع إعادة الإعمار والطاقة، وفتح مسارات سياسية جديدة. أمّا نتنياهو، فيرى أن إنهاء الحرب من دون تثبيت مكاسب جغرافية وأمنية قد يتحوّل إلى خسارة داخلية وانتخابية.
لهذا، يستخدم نتنياهو الوقت المتاح قبل تصاعد الضغط الأميركي لإنتاج وقائع يصعب التراجع عنها. فبدل أن يواجه ترامب برفض علني للانسحاب، يسمح للمؤسسة العسكرية بتوسيع انتشارها، وتدمير ما تعتبره بنى عسكرية أو لوجستية، وإقامة خطوط دفاع جديدة. وعندما تبدأ المفاوضات الجدية، يصبح السؤال المطروح أميركيًّا ليس: لماذا لا تنسحب إسرائيل؟ بل: كيف يمكن ضمان أمنها بعد انسحابها من مواقع باتت تُقدَّم باعتبارها حيوية؟
هذه هي معادلة الأمر الواقع التي يجيد نتنياهو استخدامها. فهو لا يرفض المبادرة الأميركية مباشرة، لكنه يعيد صياغة شروطها ميدانيًّا قبل أن تصل إلى طاولة القرار.
تدمير البيئة قبل تسليم الأرض
الجولة التي نظّمها الجيش الإسرائيلي للصحافيين العسكريين في بنت جبيل لم تكن نشاطًا إعلاميًّا عابرًا. اختيار المدينة، بما تمثّله من رمزية تاريخية في الصراع مع حزب الله، يهدف إلى إعلان تحوّل سياسي وعسكري، مفاده أن إسرائيل لا تريد فقط إضعاف الحزب، بل تحطيم البيئة المادية التي أتاحت له العمل والانتشار.
وبحسب المعطيات التي عرضها الجيش الإسرائيلي، بلغ الدمار في بنت جبيل نحو 80 في المئة، فيما استُهدف نحو 1500 موقع، معظمها داخل منازل تتهم إسرائيل حزب الله باستخدامها لتخزين الأسلحة. غير أن التفاوت بين حجم الدمار المعلن ونسبة ما دُمّر من البنية العسكرية يكشف مشكلة أساسية في الرواية الإسرائيلية. فإذا كانت نسبة واسعة من البلدة قد دُمّرت، بينما بقيت أجزاء كبيرة من البنية العسكرية، فإن العملية تجاوزت مفهوم إزالة التهديد المباشر إلى إعادة تشكيل المجال السكاني والعمراني نفسه.
الهدف الأعمق هو جعل العودة صعبة، وإبطاء إعادة الإعمار، وتحويل القرى الحدودية إلى مناطق هشّة أمنيًّا واجتماعيًّا. وعندئذ، يصبح الانسحاب الإسرائيلي الشكلي غير كافٍ لإعادة الحياة، لأن الأرض التي تُسلَّم إلى الدولة اللبنانية تكون قد جُرّدت من شروط الاستقرار.
المنطقة التجريبية أم اختبار أحادي للجيش؟
الإعلان الأميركي عن التوصل إلى "هيكلية وإرشادات" لتنفيذ خطّة المنطقتين التجريبيتين قُدّم بوصفه نتيجة إيجابية لمفاوضات روما. لكن الإيجابية الحقيقية لا تُقاس بصياغة الاتفاق، بل بالموقع الذي سيبدأ منه التنفيذ.
فالجيش اللبناني موجود أصلًا في عدد من البلدات المطروحة ضمن النطاق التجريبي، ومنها فرون والغندورية وقلاويه وبرج قلاويه وكفردونين. وإذا بدأت التجربة في مناطق لا تحتلّها إسرائيل مباشرة، فإنها ستتحوّل إلى امتحان لقدرة الجيش اللبناني على منع عودة حزب الله، من دون أن تتضمّن اختبارًا موازيًا لجدّية إسرائيل في الانسحاب.
وهنا تكمن خطورة الصيغة. فإسرائيل تستطيع لاحقًا القول إن الجيش اللبناني لم يستوفِ الشروط، وإن بيئة المنطقة لم تصبح آمنة، وإن الانسحاب من المواقع المحتلّة يجب أن يتأجّل. لذلك، يتمسّك الجانب اللبناني بأن تشمل المرحلة الأولى نطاقًا تسيطر عليه القوات الإسرائيلية، وأن يبدأ التنفيذ بانسحاب موثّق، يتزامن مع انتشار الجيش اللبناني، لا أن يسبقه اختبار مفتوح المدة.
كما أن إسناد التحقّق إلى جهة ثالثة غير "اليونيفيل" وهيئة مراقبة الهدنة يطرح أسئلة عن طبيعة المرجعية الجديدة وصلاحياتها. فإذا كانت الآلية أميركية في بنيتها وقرارها، فقد تتحوّل الرقابة من أداة لضمان الانسحاب إلى وسيلة لفرض شروط أمنية على لبنان.
جنوب لبنان أمام خرائط جديدة
العمليات العسكرية المتواصلة، من الغارات والتفجيرات إلى إحراق المنازل وتجريف الأراضي، لا تنفصل عن مسار التفاوض. إنها جزء منه، بل ربما تكون أداته الأكثر فاعلية. فإسرائيل تحاول تغيير صورة الأرض قبل تثبيت أي اتفاق، بحيث تصبح الخريطة التي سيناقشها المفاوضون مختلفة عن الخريطة التي سبقت الحرب.
وعندما يعلن مسؤولون إسرائيليون أن البقاء في "المناطق الأمنية" سيستمر، أو يربطون الانسحاب بنزع سلاح حزب الله، فهم يرفعون سقف الشروط من ترتيبات ميدانية إلى معادلة سياسية شاملة. ووفق هذه المعادلة، تصبح السيادة اللبنانية نتيجة مؤجلة لنزع السلاح، بدل أن تكون قاعدة قانونية لا تحتاج إلى إذن إسرائيلي.
واشنطن أمام امتحان الإرادة
يبقى السؤال الحاسم مرتبطًا بمدى استعداد ترامب لاستخدام ثقله لإجبار نتنياهو على الالتزام بالانسحاب. فالضغط الدبلوماسي وحده لن يغيّر الوقائع ما لم يقترن بجدول زمني، وآلية تحقّق، وربط واضح بين الدعم الأميركي لإسرائيل واحترامها التفاهمات.
أمّا لبنان، فيواجه تحدّيًا مزدوجًا. فهو مطالب بتعزيز حضور الجيش وبسط سلطة الدولة، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى منع تحويل هذا الانتشار إلى غطاء مجاني لبقاء الاحتلال. نجاح الدولة لا يُقاس فقط بقدرتها على ضبط الداخل، بل أيضًا بقدرتها على انتزاع الانسحاب وحماية السكان وفرض معادلة متوازنة.
حتى الآن، تبدو إسرائيل أكثر قدرة على استثمار الوقت من لبنان. تفاوض في روما، وتحصّن في الجنوب، وتترك لواشنطن مهمّة التوفيق بين الانسحاب الذي تريده والمكاسب التي يرفض نتنياهو خسارتها. لذلك، قد لا تكون "المنطقتان التجريبيتان" بداية حلّ، بل بداية صراع على تعريف الحلّ نفسه، بين لبنان يريد استعادة الأرض، وإسرائيل تريد إعادة تسليمها بعد تفريغها، وواشنطن تبحث عن إنجاز سريع ولو بقيت جذور المواجهة قائمة.




