النصاب يسقط قبل العفو: البرلمان يمرّر الممكن ويؤجل الخلافي

نغم ربيعالخميس 2026/07/16
Image-1784207118.Jpeg
نجح المجلس في إقرار حوالي 16 بند من البنود قبل أن يفقد نصابه (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

استأنف مجلس النواب جلسته التشريعية لليوم الثاني على التوالي، لاستكمال مناقشة جدول أعمال حافل يضم 44 بنداً بين مشاريع واقتراحات قوانين. وعلى الرغم من السجالات التي استهلكت ساعات طويلة من النقاش، فإنّ المسار التشريعي سار وفق ما كان متوقعاً ومتفقاً عليه مسبقاً، إذ نجح المجلس في إقرار حوالي 16 بند من البنود قبل أن يفقد نصابه في لحظة سياسية لافتة، سبقت الوصول إلى أكثر الملفات حساسية وإثارة للانقسام، وهي ملف قانون العفو العام، الإعلام والإعدام.

فقد بدا واضحاً أنّ الجلسة الثانية كانت امتداداً لليوم الأول، من خلال تحوِّلها إلى مساحة مفتوحة لتصفية حسابات سياسية وتبادل رسائل بين الكتل والنواب، وسط لغة خطاب تجاوزت في بعض محطاتها الأعراف التقليدية للعمل البرلماني، مع مُشاداتٍ كلامية حادة وخروج بعض المداخلات عن أدبيات النقاش النيابي المعتادة.

 

تمديد مشروط لرئيس الجامعة اللبنانية

وكان البند الأكثر استهلاكاً للوقت والنقاش ذلك المتعلق بتعديل قانون تنظيم الجامعة اللبنانية. فالنقاش الذي استمر أكثر من ساعة ونصف الساعة، كشف انقساماً واضحاً بين من رأى في التعديل ضرورة لحماية استقرار الجامعة، ومن اعتبره تشريعاً مفصّلاً على قياس شخص واحد.

خلال المناقشات، لم يُخف عدد من النواب حقيقة الهدف من الاقتراح. فقال النائب أنطوان حبشي إن القانون "موضوع على قياس شخص واحد"، فيما اعتبر النائب جورج عقيص أن "لا أحد في هذه القاعة يجهل أنّ المقصود هو التمديد لرئيس الجامعة الحالي"، ليرُدَّ رئيس المجلس نبيه بري بسؤال حمل دلالات سياسية أكثر مما حمل طابعاً إجرائياً: "شو هالجريمة يعني؟".

في المقابل، استند مؤيدو الاقتراح إلى تجارب جامعية محلية وخارجية. واستشهد النائب إدغار طرابلسي بأنظمة معمول بها في جامعات عالمية، وكذلك في الجامعة الأميركية والجامعة اليسوعية، معتبراً أنّ استمرار الرئيس الناجح قد يكون عاملاً في تعزيز موقع المؤسسة الأكاديمية. أما النائبة حليمة قعقور فرأت أنّ كثيراً من الجامعات تسمح بولاية ثانية، شرط ألا يكون الرئيس الحالي هو من يدير العملية الانتخابية، فيما شدد عقيص على أنّ "النجاح للمؤسسات لا للأشخاص".

وبرز اعتراض "اللقاء الديمقراطي" عبر النائب بلال عبدلله الذي أعلن رفضه تعديل القانون، معتبراً أن المسألة تمسُّ بمبدأ تداول المسؤوليات، وأنّ المطلوب هو احترام النصوص النافذة والإسراع في التعيينات وفق الأصول القانونية.

وفي خضم السجال، طرح رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل مخرجاً وسطياً، قضى بالتمديد لرئيس الجامعة اللبنانية بسام بدران لمدة ستة أشهر، ريثما يُشكّل مجلس الجامعة. الذي رحب به وزير الحكومة نواف سلام، وانتهى النقاش إلى إقرار صيغة تسمح بتمديد ولاية بدران ستة أشهر، مع منحه حقَّ الترشح لولاية ثانية لمرة واحدة وفق الأصول القانونية بعد تشكيل مجلس الجامعة.

 

رسائل سياسية من "حزب الله"

سياسياً، سجلت الجلسة موقفاً لافتاً لكتلة "الوفاء للمقاومة"، عبر النائب حسن فضل الله، الذي نقل النقاش من القضايا التشريعية إلى الملفات الوطنية الكبرى.

وقال فضل الله إن "السلطة لم تفِ بضماناتها، بل بقي دمنا ينزف"، مضيفاً أن كل اللقاءات التي جمعت الكتلة برئيس الجمهورية العماد جوزاف عون تمحورت حول مطلب "تسليم الصواريخ الثقيلة". وأكد أن مقاربة ملف سلاح المقاومة يجب أن تتم داخلياً، ولكن بعد انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة.

بدت مداخلة فضل الله بمثابة تثبيت لموقف الحزب في خضم النقاش المتصاعد حول الاستراتيجية الدفاعية وسلاح "حزب الله"، في وقت تتزايد فيه الضغوط الداخلية والخارجية لفتح هذا الملف.

 

سجالات تتجاوز التشريع

ولم تقتصر التوترات على مضمون القوانين، بل امتدت إلى طبيعة الخطاب النيابي نفسه.

فاستُهلت الجلسة بسجال متجدد بين النائبة بولا يعقوبيان ووزير الدفاع ميشال منسى، على خلفية الخلاف الذي انفجر بينهما في الجلسة أمس. وبينما كانت يعقوبيان تشيدُ بأحد مشاريع القوانين المتعلقة بالمؤسسة العسكرية (بند رقم 19)، عَلت التصفيقات من بعض النواب مع تعليقات عن "الصلح" بينها وبين الوزير.

غير أنّ يعقوبيان أعادت فتح الملف مطالبة باعتذار من منسى بسبب بيان سابق اعتبرته متضمّناً عبارات مسيئة بحقها، فردّت يعقوبيان: "بخصوص الزقفة، هيدا ما خصّه، أنا عم بحكي بموضوعية عن مشروع القانون، بس بعدني بدي اعتذار من وزير الدفاع على قلة التهذيب وردّه النابي".
فتدخّل نائب رئيس مجلس النواب الياس بوصعب قائلاً: “ما فيكي تقولي قلة تهذيب”.
أما النائب أديب عبد المسيح فطالب بشطب العبارة من المحضر، معتبراً أنها لا تليق بحقّ وزير الدفاع.
وتدخّل رئيس مجلس النواب نبيه بري قائلاً: "يا جماعة، اليوم آخر جلسة إلا إذا حابين تجوا السبت والأحد. كل الجرايد مبارح قالت إنو كانت الجلسة فوضى، ما فينا نكفّي هيك". فردّ النائب رازي الحاج ممازحًا: "هيدي إشاعة دولة الرئيس".
وخلال النقاش، قال عبد المسيح: "وزير الدفاع اللي كلنا منحبه وكلّه أخلاق"، فردّت عليه يعقوبيان قائلة: "مش مظبوط، ما بسمحلك، ترضاها على أمك أو أختك؟".
أما منسى وعند إجابته على بعض الأسئلة المتعلق بالبند، ختم قائلا: "مش غلط الإنسان يكون مثقف ومهذب"، فردت يعقوبيان عليه: "ويعتذر".

وقال بو صعب: "يا بولا خلص بقى"، أما برّي فتوجه إلى يعقوبيان قائلاً: "ليش عم تعملي فوضى؟".

وردت يعقوبيان قائلة "مبارح وزيرة التربية طلبتوا منها تعتذر على كلمة "غوغائيين" الكلام اللي قاله وزير الدفاع أكبر بكتير". فقال لها بو صعب: "الوزيرة قالت كلامها بالإعلام، بحالتكن ما منعرف شو صاير بيناتكن"، لترد: "مش صحيح، نشر بيانه بالإعلام".
وفي نهاية النقاش، أُقرّ مشروع القانون برفع الأيدي.


 

مشادة بين الجميّل والصمد

ولم تكن تلك المشادة الوحيدة. فقد شهدت الجلسة مواجهة كلامية حادة بين رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل والنائب جهاد الصمد خلال مناقشة مشروع قانون يتعلق بالسماح للضباط بالتدريس في الجامعة اللبنانية.

وفي التفاصيل، قال الجميّل إنَ "رئيس لجنة الدفاع جهاد الصمد لم يعرف بالقانون". فردّ الصمد قائلاً: "احترم حالك وتكلم معي بأدب"، فأشار الجميّل إلى أن "الصمد ليس من مستواه ولن يردّ عليه".
وتدخَّل النائب الياس حنكش وقال للصمد: "اربط زندك".

عندها، ردّ الصمد قائلاً "مستواك أوطى بكتير يا واطي، تاريخك معروف". فتدخل رئيس مجلس النواب نبيه برّي، وأُقرّ مشروع القانون برفع الأيدي.

 

النصاب يطيح بالبنود الساخنة

ورغم نجاح المجلس في الانتقال من البند 19 إلى البند 28 وإقرار عدد من القوانين، فإنّ الجلسة فقدت نصابها عند البند 29، وهو اقتراح مطلبي يتعلق بالمتعاقدين بالساعة.

لكنّ أهمية فقدان النصاب لم تكن في البند نفسه، بل في توقيته. فالمجلس كان لا يزال بعيداً عن البنود الأكثر حساسية، وفي مقدمها قانون الإعدام، وقانون الإعلام، وقانون العفو العام، وهي ملفات مرشحة لإثارة انقسامات سياسية ونيابية واسعة. وعندها رفع رئيس المجلس نبيه بري الجلسة إلى السادسة مساءً، بعدما تلا المحضر، ما يجعل جميع القوانين التي أُقرت خلال النهار نافذة حكماً حتى لو لم يكتمل النصاب عند استئناف الجلسة. 

ولم يُنظر إلى سقوط النصاب على أنّه مجرد تفصيل إجرائي، بل كمؤشر إلى حدود التوافقات الممكنة تحت قبة البرلمان، إذ نجح المجلس في تمرير البنود التي حظيت بحدٍ أدنى من التفاهم، لكنّه تعثر قبل الوصول إلى الملفات الأكثر خلافية. ومع اقتراب موعد الاستئناف، لا تبدو فرص استعادة النصاب مرتفعة، خصوصاً أنّ مغادرة عدد من النواب قبل مناقشة هذه البنود تُقرأ كرسالة سياسية تعكس حجم التباينات حولها، ما يجعل ترجيح عدم انعقاد الجلسة مجدداً أقرب إلى الواقع، وتأجيل ما تبقّى من ملفات شائكة إلى موعدٍ لاحق تتوافر فيه ظروف سياسية أكثر ملاءمة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث