كشفت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي يعمق حاليًا إنشاء خط جديد من المواقع العسكرية الدائمة في جنوب لبنان، في خطوة تُعدّ تطورًا مهمًا يعزز إحكام سيطرته على المنطقة. وتوقعت أن تشعل هذه الخطوة مواجهة سياسية حادة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ووجهت الصحيفة تحذيراً شديد اللهجة إلى نتنياهو حيث قالت: لا تقل إن أحدًا لم ينبّهك، ولا تقل إن أحدًا لم يحاول لفت انتباهك، ولا تقل: "لم أكن أعلم".
ومضت الصحيفة تقول، يدرك ترامب أنه يواجه حاليًا معضلة سياسية مع نتنياهو؛ إذ قد يُفسَّر أي لقاء معه على أنه تدخل في الانتخابات الإسرائيلية، كما يراقب ترامب استطلاعات الرأي، ويدرك أنه ليس من المؤكد أن يبقى نتنياهو، بعد ثلاثة أو أربعة أشهر، الرجل الذي ستتعين عليه إدارة العلاقات معه في إسرائيل. لكن ترامب يدرك أيضًا أمرًا آخر: فسياسة الرفض التي تنتهجها إسرائيل في مختلف تحركاتها الدبلوماسية تعرقل مشاريعه الكبرى في المنطقة. فمن إعادة إعمار غزة، إلى توسيع اتفاقيات أبراهام، ومد خطوط الغاز والنفط من الخليج العربي إلى البحر المتوسط عبر إسرائيل، وصولًا إلى محاولة إطلاق مسار سياسي مع السلطة الفلسطينية، كلها ملفات تتأثر بالموقف الإسرائيلي.
غير أن الملف الأكثر إلحاحًا بالنسبة لترامب حاليًا هو لبنان وسوريا. فقد كرر أمس مطالبته بأن تبدأ إسرائيل خطوات الانسحاب من لبنان وسوريا.
وبحسب الصحيفة: "تتعرض الإدارة الأميركية في هذا السياق لضغوط من تركيا وقطر ودول أخرى. وفي موازاة ذلك، نظم الجيش الإسرائيلي أمس جولة للصحافيين العسكريين في منطقة بنت جبيل بجنوب لبنان، وهي إحدى أبرز معاقل حزب الله ورموزه العسكرية خلال العقود الثلاثة الماضية.
ومن المرجح أن ترامب بحاجة، في هذه المرحلة، إلى دفع عملية سياسية في المنطقة، وقد يشكل انسحاب إسرائيلي جزئي من لبنان أو سوريا خطوة ترضي الإدارة الأميركية. إلا أن المشكلة تكمن في أن رغبة ترامب لا تنسجم مع الاحتياجات الأمنية التي ترى إسرائيل أنها قائمة في كلتا الجبهتين".
ففي لبنان، يتمركز الجيش الإسرائيلي في مناطق دفاعية أنشأ ضمنها شريطًا أمنيًا يمتد نحو عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، بما يضع قواته خارج مدى الصواريخ المضادة للدروع ومعظم الطائرات المسيّرة المفخخة.
لكن الوجود الإسرائيلي لم يعد يقتصر على هذا الشريط، إذ يتمركز الجيش أيضًا في مواقع استراتيجية داخل العمق اللبناني. ففي الشرق، يسيطر على امتداد جبل الشيخ المطل على شمال سهل البقاع، وصولًا إلى منطقة السلطان يعقوب والطريق الدولي بين بيروت ودمشق.
وفي ظل هذه المعطيات، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان الرئيس الأميركي ينظر إلى انتشار الجيش الإسرائيلي على طول خط المرتفعات في جنوب لبنان، وإلى خططه المستقبلية، بالطريقة نفسها التي تنظر بها إسرائيل. وفي ضوء الوضع الراهن، ليس من المؤكد أن يكون من الحكمة بالنسبة إلى نتنياهو أن يخاطر سياسيًا من أجل عقد لقاء مع ترامب؛ فربما يكون الاكتفاء بمكالمة هاتفية خيارًا أفضل، بحسب الصحيفة.
التدمير وسط ضغوط أميركية للانسحاب
من ناحيتها، تحدثت صحيفة جيروزالم بوست عن أن الجيش الإسرائيلي يسابق الزمن لإنهاء تدمير بنية حزب الله العسكرية، فيما يضغط ترامب على نتنياهو للانسحاب من لبنان. ولا مؤشرات حتى الآن إلى انسحاب وشيك، في حين زارت "جيروزاليم بوست" مدينة بنت جبيل برفقة الجيش الإسرائيلي، ووقفت داخل الملعب الذي ألقى فيه الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله خطاب "بيت العنكبوت" عام 2000.
وقالت مصادر في الجيش الإسرائيلي للصحيفة، إن الجيش يعمل بوتيرة متسارعة لاستكمال تدمير البنية التحتية العسكرية التابعة لحزب الله في 52 بلدة بجنوب لبنان خلال الأسابيع المقبلة، قبل أن تمارس الولايات المتحدة ضغوطًا على إسرائيل لتنفيذ انسحاب أوسع من الأراضي اللبنانية.
وخلال زيارة أجرتها صحيفة جيروزاليم بوست إلى مدينة بنت جبيل، الواقعة على بعد عدة كيلومترات داخل جنوب لبنان، والتي يصفها الجيش الإسرائيلي بأنها كانت أحد أهم معاقل حزب الله في المنطقة، شرح مسؤولون عسكريون للصحيفة ولوسائل إعلام أخرى كيفية السيطرة على المنطقة، واستعرضوا الوضع الميداني الراهن.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بأنه يريد أن تبدأ إسرائيل الانسحاب من كل من لبنان وسوريا.
وتجري عمليات الانسحاب الجزئي ونقل المناطق بإشراف الفريق جوزيف آر. كليرفيلد، من سلاح مشاة البحرية الأميركية، الذي تولى أيضًا تنسيق هذه الملفات بين إسرائيل ولبنان منذ خريف عام 2024 وحتى الحرب الأخيرة، بمساندة نحو ثلاثين مسؤولًا عسكريًا أميركيًا.
وقالت مصادر إسرائيلية إن كليرفيلد يدرك جيدًا محدودية قدرات الجيش اللبناني، لكنها أضافت أنها لا تستطيع الجزم بأن المسؤولين السياسيين الأميركيين سيوافقون على تعليق عمليات نقل الأراضي إذا رأت إسرائيل أن ذلك ضروري لأسباب أمنية، وهو ما قد يتعارض مع الرغبة الأميركية في إنهاء ملف لبنان سريعًا، بحسب الصحيفة.
ورفض مسؤول في قيادة قوات مشاة البحرية الأميركية التابعة للقيادة المركزية الأميركية (CENTCOM)، والمسؤولة عن مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان، تقديم تفاصيل إضافية بشأن سير عمليات نقل المناطق.
لكن الصحيفة أفادت بأن كليرفيلد التقى رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الفريق إيال زامير في الأول من تموز/يوليو، كما أجرى زيارة غير معلنة إلى لبنان في الثاني من الشهر نفسه.
ورغم استمرار المخاوف الإسرائيلية من فشل الجيش اللبناني مجددًا في منع حزب الله من إعادة الانتشار، كما حدث بين عامي 2024 و2025، فإن مصادر الجيش الإسرائيلي أعربت عن قدر من التفاؤل هذه المرة، في ظل عقد الحكومة اللبنانية اجتماعات علنية مع إسرائيل وإعلانها تأييدها لنزع سلاح حزب الله.
بنت جبيل دمار واسع
وخلال الجولة، اصطحب الجيش الإسرائيلي الصحفيين إلى بلدة مارون الرأس المدمرة وإلى عدد من نقاط الرصد المطلة على بنت جبيل، التي وصفها بأنها تعرضت لدمار بنسبة تقارب 80%، بينما قال إن 44% فقط من البنية التحتية العسكرية التابعة لحزب الله فيها قد دُمّرت حتى الآن.
وبحسب الجيش الإسرائيلي، جرى تدمير نحو 1500 هدف عسكري، موضحًا أن معظم هذه الأهداف كانت داخل منازل قال إنها كانت تستخدم لتخزين أسلحة حزب الله. وأضافت المصادر للصحيفة العبرية أن الفرقة 91 بقيادة العميد يوفال غيز تمكنت من هزيمة نحو 350 مقاتلًا من حزب الله في المنطقة، قُتل منهم ما بين 200 و250، فيما تمكن نحو مئة آخرين من الفرار في المرحلة الأولى. وأوضحت أن هؤلاء حاولوا لاحقًا إعادة تنظيم صفوفهم داخل مستشفى صلاح غندور، الذي وصفه أحد الضباط بأنه "مستشفى الشفاء في بنت جبيل"، في إشارة إلى استخدام حركة حماس لمجمع الشفاء في غزة كمركز قيادة، أو في مرتفعات سيلفستر الواقعة خارج البلدة.
وأكد الجيش الإسرائيلي أن الفرقتين 91 و98 تمكنتا معًا من هزيمة هذه القوات عبر تنفيذ هجمات من عدة محاور، وفي بعض الحالات الالتفاف عليها من الخلف لإرباكها.




