إدغار موران... فيلسوف التعقيد وصوت الضمير في قضية فلسطين

مصطفى علّوشالخميس 2026/07/16
إدغار موران (Getty)
كان يرفض اختزال الإنسان في هوية واحدة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

"مر الكلام ذي الحسام يقطع مكان ما يمر

أما المديح سهل وريح يخدع لكن بيضر

والكلمة دين من غير إيدين بس الوفا عل الحر" (أحمد فؤاد نجم)

 

برحيل الفيلسوف والمفكر الفرنسي إدغار موران، يطوي الفكر الإنساني صفحة أحد أكثر العقول تأثيرًا في القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين. فعلى امتداد أكثر من مئة عام من الحياة والإنتاج الفكري، لم يكن موران مجرد فيلسوف أو عالم اجتماع، بل كان مشروعًا ثقافيًا متكاملًا سعى إلى إعادة بناء طريقة الإنسان في التفكير بالعالم. وقد ترك وراءه عشرات المؤلفات، وفي مقدمتها موسوعته الشهيرة المنهج  (La Méthode)، التي أصبحت من أهم الأعمال الفلسفية المعاصرة في نظرية التعقيد.

 

لم يكتسب موران مكانته من كثرة مؤلفاته فحسب، بل من قدرته النادرة على تجاوز الحدود التقليدية بين الفلسفة والعلوم الطبيعية وعلم الاجتماع والسياسة والأنثروبولوجيا. ففي زمن ازداد فيه التخصص العلمي دقةً، كان هو يدعو إلى رؤية شاملة ترى العلاقات بين الظواهر بدل الاكتفاء بدراسة كل ظاهرة بمعزل عن الأخرى. وكان يؤمن بأن العالم لا يُفهم من خلال التفكير الاختزالي الذي يفكك الواقع إلى أجزاء منفصلة، وإنما من خلال إدراك الترابط والتفاعل والتغذية الراجعة بين مكوناته المختلفة.

ولعل أبرز ما ميّز مشروعه الفكري هو مفهوم الفكر المركب أو فلسفة التعقيد. فقد رأى أن الواقع ليس خطيًا ولا بسيطًا، وأن النظام والفوضى ليسا نقيضين مطلقين، بل عنصرين متكاملين يولد من تفاعلهما تنظيم جديد. فكل نظام يحمل في داخله عناصر اضطرابه، وكل اضطراب يفتح إمكانات لتنظيم جديد. ومن هنا رفض موران النظريات التي تتعامل مع التاريخ بوصفه مسارًا حتميًا أو تقدمًا مستقيمًا نحو غاية نهائية، معتبرًا أن التاريخ يتحرك عبر عمليات متكررة من الاستقرار والاضطراب وإعادة التنظيم. هذه النظرة الفلسفية لم تبق حبيسة الكتب، بل انعكست بوضوح في مواقفه السياسية والأخلاقية، ولا سيما من القضية الفلسطينية، التي ظل ينظر إليها من خلال منهجه القائم على رفض التبسيط والانحيازات المطلقة.

 

ينتمي موران إلى أسرة يهودية سفاردية، وعاش بنفسه تجربة مقاومة الاحتلال النازي لفرنسا، كما تأثر عميقًا بالمحرقة النازية التي شكلت جزءًا من الوعي اليهودي الحديث. ولذلك كان يؤكد دائمًا أن أي نقاش حول إسرائيل لا يمكن أن يتجاهل قرونًا من الاضطهاد الأوروبي الذي تعرض له اليهود، ولا سيما الكارثة التي وقعت خلال الحرب العالمية الثانية. وكان يرى أن هذا التاريخ يفسر جانبًا مهمًا من الحاجة الإسرائيلية إلى الأمن، ومن المخاوف الوجودية التي لا تزال حاضرة في الوعي الجماعي الإسرائيلي.

غير أن هذا الإدراك لم يتحول عنده إلى تبرير غير مشروط لسياسات الدولة الإسرائيلية. بل على العكس، كان يعتبر أن مأساة الماضي يجب أن تكون مصدرًا لحساسية أخلاقية مضاعفة تجاه معاناة الآخرين، لا مبررًا لإنتاج مآسٍ جديدة. ولهذا وجّه انتقادات متكررة للاحتلال الإسرائيلي ولتوسع المستوطنات في الأراضي الفلسطينية، معتبرًا أن استمرار السيطرة على شعب آخر لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يهدد أيضًا الأساس الأخلاقي الذي قامت عليه إسرائيل بعد الحرب العالمية الثانية. كان موران يرى أن الشعب الذي عرف الاضطهاد أكثر من غيره مطالب بألا يتحول إلى طرف يمارس الظلم. ومن هذا المنطلق اعتبر أن الاحتلال الطويل والاستيطان وسياسات الإقصاء لا يمكن أن تؤدي إلى سلام دائم، بل تعمّق دائرة العنف وتدفع الطرفين إلى مزيد من الخوف والكراهية.

في المقابل، لم يقع موران في الخطاب الذي يبرر العنف الفلسطيني من دون تحفظ. فقد أدان استهداف المدنيين الإسرائيليين، واعتبر أن الإرهاب لا يمكن أن يكون وسيلة مشروعة لتحقيق العدالة. وبعد هجمات السابع من أكتوبر 2023، وصف قتل المدنيين بأنه فعل لا يمكن الدفاع عنه أخلاقيًا، لكنه رفض في الوقت نفسه أن تتحول تلك الإدانة إلى تبرير لحرب مفتوحة تؤدي إلى تدمير غزة وإيقاع أعداد هائلة من الضحايا المدنيين.

 

وهنا تتجلى فلسفة التعقيد بصورة عملية. فموران كان يرفض التفكير الذي يحول الصراع إلى مواجهة بين خير مطلق وشر مطلق، أو بين ضحية دائمة وجلاد دائم. ففي نظره، يستطيع شعب أن يكون ضحية في مرحلة من التاريخ، ثم يصبح قادرًا على ممارسة الظلم في مرحلة أخرى إذا غابت المراجعة الأخلاقية. كما يمكن أن يحمل طرف ما قضية عادلة، لكنه يفقد جزءًا من عدالة قضيته عندما يستهدف الأبرياء.

ولهذا كان يؤكد أن الدفاع عن الفلسطينيين لا يقتضي معاداة اليهود، كما أن الدفاع عن أمن الإسرائيليين لا يقتضي السكوت عن الاحتلال. فالإنسانية، في نظره، لا تتجزأ، والحقوق لا تُقاس بهوية أصحابها، بل بكونهم بشرًا يستحقون الكرامة والحياة.وقد جرّ عليه هذا الموقف انتقادات من جهات متعارضة. فهناك من رأى أنه بالغ في نقد إسرائيل، وهناك من اعتبر أنه لم يذهب بعيدًا بما يكفي لأنه ظل يعترف بحقها في الوجود ويدعو إلى تسوية سياسية قائمة على الاعتراف المتبادل. لكن هذه الانتقادات تكشف في الحقيقة طبيعة مشروعه الفكري، إذ لم يكن يسعى إلى إرضاء أي معسكر، وإنما إلى الدفاع عن مبادئ يرى أنها يجب أن تُطبَّق على الجميع من دون استثناء.

 

إن قيمة موران لا تكمن فقط في مواقفه السياسية، بل في الطريقة التي بنى بها هذه المواقف. فقد كان يرفض اختزال الإنسان في هوية واحدة، ويرى أن كل فرد يحمل في داخله انتماءات متعددة وتجارب متشابكة لا يجوز اختصارها في الدين أو القومية أو الأيديولوجيا. ومن هنا جاءت دعوته إلى ما سماه "سياسة الحضارة"، أي السياسة التي تنطلق من المصير الإنساني المشترك بدل الانقسامات الضيقة.

واليوم، في زمن تتزايد فيه الحروب والاستقطابات، تبدو أفكار موران أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالعالم يعيش أزمات متشابكة: تغيرًا مناخيًا، وثورة في الذكاء الاصطناعي، وصراعات جيوسياسية، وأزمات اقتصادية، وانقسامات ثقافية. وكلها تؤكد صحة فكرته الأساسية بأن مشكلات العصر لا يمكن حلها بعقول تختزل الواقع إلى معادلات بسيطة.

 

ومن هنا يمكن القول إن إرث إدغار موران يتجاوز القضية الفلسطينية، رغم أهميتها في مسيرته. فقد ترك للأجيال منهجًا في التفكير قبل أن يترك لها أجوبة جاهزة. علّمنا أن الحقيقة غالبًا ما تكون مركبة، وأن النظام يولد من الفوضى كما أن الفوضى قد تنشأ من النظام، وأن السياسة التي تفتقد الحس الإنساني تتحول إلى صراع بين يقينيات مغلقة لا ترى الإنسان الذي يقف في منتصفها.

لقد رحل موران، لكن رسالته بقيت حية: لا يمكن بناء سلام دائم على انتصار طرف وإذلال آخر، ولا يمكن فهم العالم من خلال الثنائيات الجامدة التي تقسم البشر إلى أخيار وأشرار. فالفكر الحقيقي يبدأ حين نعترف بتعقيد الواقع، وحين ندرك أن العدالة لا تكون كاملة إلا إذا شملت الجميع، وأن الإنسانية تظل القيمة العليا التي يجب أن تعلو على كل انتماء سياسي أو قومي أو ديني.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث