لم يكد يمر بند واحد على جدول أعمال الجلسة التشريعية لمجلس النواب، قبل ظهر اليوم، من دون أن يتحوّل إلى ساحة اشتباك سياسي. كأن البلاد، بكل تناقضاتها وانقساماتها، دخلت إلى قاعة المجلس تحت قبة البرلمان. فبدلاً من أن تكون الجلسة مساحة لإقرار قوانين مؤجلة، تحوّلت سريعاً إلى مرآة للانقسام العام: أصوات مرتفعة، سجالات حادة، خروج عن جدول الأعمال، وملفات خلافية تطل من بين البنود التشريعية.
حتى رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي اعتاد إدارة الجلسات الطويلة بخبرة سياسية متراكمة، بدا في لحظة ما وكأنه يفقد السيطرة على إيقاع الجلسة. فبعد احتدام النقاش، اضطر إلى رفعها لعشر دقائق، بعدما كان يلوح برفعها نهائياً.
لكنّ الغائب الأكبر عن القاعة كان الحرب نفسها. الحرب التي يعيش لبنان تحت وطأتها، والجنوب الذي لا يزال جزء منه تحت الاحتلال الإسرائيلي، لم يحضرا تقريباً في نقاشات النواب، وكأنّ البلاد تناقش شؤوناً طبيعية في زمن غير طبيعي. وهذا ما أشار إليه النائب سامي الجميّل، منتقداً غياب ملف الحرب وتداعياتها عن الأولويات النيابية والجلسات.
المتعاقدون يشعلون الجلسة
بدأ الاشتباك من البند الأول المتعلق بإخضاع المتعاقدين في وزارة الإعلام لنظام التقاعد. بند كان يُفترض أن يمرّ كخطوة إنصاف لموظفين ينتظرون منذ سنوات، لكنّه كاد أن يُطيح بالجلسة.
المشكلة لم تكن في مبدأ القانون، بل في حصره بموظفي وزارة الإعلام دون سواهم، إذ طالب عدد من النواب بتوسيع الاستفادة لتشمل جميع المتعاقدين في الوزارات والإدارات العامة.
وسرعان ما ارتفع منسوب التوتر بين نوابٍ من حركة أمل ونواب من كتل التغيير والكتائب وغيرهم، وسط اعتراضات على طريقة التصويت. وعندما أعلن بري إقرار البند والانتقال إلى التالي، طالب نواب بإعادة التصويت بالمناداة.
وقال النائب نديم الجميّل لبري: "لو كنت واثقاً أنه لا يسقط لكنت اتجهت إلى التصويت بالمناداة"، فيما طالب النواب ميشال معوض وفراس حمدان وإلياس حنكش بإعادة التصويت بهذه الطريقة.
هنا خرج النقاش من الإطار الإجرائي إلى سجال مفتوح. قال بري لفراس حمدان: "سكوت إنت"، فيما ردّ النائب قبلان قبلان على المحتجين: "إذا هوبرة القصة منهوبر وإذا عياط منعيط". فجاءه رد حنكش: "مش بالهوبرة، بالمنطق… وطي صوتك ما عم بتوجهلك".
وعندما اقترح رئيس الحكومة نواف سلام إعادة دراسة القانون قبل إقراره، حذّر خليل من أنّ ذلك قد يعني "الهروب إلى الأمام ووضع ألغام أمامنا"، ليرد سلام: "هدفي إزالة الألغام".
وفي النهاية، وبعد أخذ وردّ كاد أن يُنسف البند الأول والجلسة معه، أُقرّ القانون بصيغته الموسّعة ليشمل المتعاقدين في مختلف الوزارات، فخرج موظفو وزارة الإعلام بقانون انتظروه منذ سنوات، بعدما كاد مطلبهم أن يتحوّل إلى شرارة مواجهة سياسية جديدة.
خلاف على الزرّ الإلكتروني والعبء المالي
لم يقتصر السجال على مضمون القوانين، بل وصل إلى طريقة إدارة العمل النيابي نفسها.
طالب النائب جبران باسيل خلال النقاش باعتماد التصويت الإلكتروني، قائلاً: "كل مرة منعلّق… والله عيب". فرد النائب علي حسن خليل بأن الأمر يحتاج إلى تعديل دستوري، ليجيبه باسيل: "إيه منعدل".
وردّ عليه خليل: "إيه قدمه"، فيما أشار سامي الجميّل إلى وجود اقتراحات لتعديل النظام الداخلي والدستور.
أما الخلاف حول الكلفة المالية لبعض القوانين، فأعاد فتح النقاش حول الواقع الاقتصادي. قال علي حسن خليل إن الحكومة سبق أن طلبت دراسة مالية ووعدت بها، سائلاً: "أين الدراسة؟". فرد ميشال معوض: "بدي ذكّركم… صار حرب وكلّفتنا 20 مليار دولار".
وزيرة التربية في مواجهة العاصفة
إذا كان البند الأول أشعل شرارة الجلسة، فإن البند الثامن أعاد فتح مواجهة سياسية وتربوية واسعة.
اقتراح القانون المعجل المكرر المتعلق بطلاب الشهادة الثانوية والطلاب المهنيين، وضع وزيرة التربية ريما كرامي في مواجهة مباشرة مع عدد من النواب، الذين وجّهوا إليها انتقادات حادة، خصوصاً وزير التربية السابق إلياس بو صعب.
وطالب بو صعب كرامي بتوضيح ما قصدته بعبارة "غوغائيين"، قبل أن يتدخل بري بعد مناوشات طويلة، قائلاً لها: "قولي مش قاصدة النواب"، وهو ما كررته الوزيرة.
وحاولت كرامي الدفاع عن قرارها بإجراء الامتحانات لبعض الطلاب، مستندة إلى الأرقام. واعتبرت أن الهدف هو تحقيق الإنصاف والعدالة للطلاب، موضحة أن نسبة الناجحين بموجب الإفادة بلغت 83 في المئة، وهي نسبة قريبة من السنوات السابقة، فيما بلغت نسبة الراسبين 13 في المئة، مع تسجيل النسبة الأكبر منهم في الشمال وعكار.
لكنّ هذا التفسير لم يقنع الجميع، إذ رفض النائب بلال الحشيمي، وهو نائب عن الشمال، توصيف أبناء الشمال وعكار بـ "الراسبين".
وفي النهاية، أُقرّ الاقتراح المتعلق بإلغاء الشهادات الثانوية باستثناء الطلبات الحرة، ليجد الطلاب مخرجاً مؤقتاً من أزمة الامتحانات الرسمية.
جلسة تحتاج إلى مدونة سلوك
قبل بدء الجلسة، كانت النائبة حليمة قعقور قد طالبت بإدراج قوانين المعجل المكرر على جدول الأعمال. وربما كان طَلبُ قعقور الأكثر التصاقاً بمشهد الجلسة نفسها: إنشاء مدونة سلوك تنظّم طريقة الحديث داخل اللجان وفي المجلس.
فالمشكلة لم تعد فقط في القوانين التي تُناقش، بل في الطريقة التي تُناقش بها. ففي بلد مثقل بالحرب والانهيار والأزمات، تبدو الحاجة ملحّة إلى قواعد تضبط النقاش السياسي، وتفصل بين الاختلاف الضروري وبين تحويل كل ملف إلى معركة أصوات مرتفعة.
خرج موظفو الإعلام بقانون طال انتظاره، وخرج الطلاب بتسوية مؤقتة، لكنّ المجلس خرج بصورة أخرى: صورة بلد لا تزال خلافاته أعلى من صوته، وحيث تحتاج السياسة قبل القوانين إلى قانون ينظم سلوكها.




