"المناطق التجريبية" تدخل الاختبار: هل تنقذها ضغوط ترامب؟

مانشيت - المدنالأربعاء 2026/07/15
Image-1783785158.Webp
رغم الأجواء الإيجابية، تكمن الشياطين في التفاصيل اللوجستية. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

انتهت في روما أعمال اليوم الثاني من جولة المفاوضات السادسة بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية، وسط مناخات تعتبرها واشنطن "بناءة ومثمرة للغاية". ومع تأكيد مصادر مواكبة أن الأيام المقبلة ستشهد الإعلان الفعلي عن إطلاق العمل في "المنطقتين التجريبيتين"، ينتقل اتفاق الإطار من النقاش النظري إلى المحك العملي، مدفوعاً بـ"ضوء أخضر" وتصريح لافت للرئيس الأميركي دونالد ترامب اعتبر فيه أن "الانسحاب الإسرائيلي من أجزاء من لبنان سيكون أمراً جيداً".

وعكست الـ24 ساعة الماضية تحولاً نوعياً في مسار التفاوض. فعلى رغم الخلافات المستمرة، نجح الضغط الأميركي في انتزاع موافقة مبدئية عبّر عنها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بإعلان استعداد بلاده للمضي قدماً في المنطقتين التجريبيتين، وهو ما أكدته صحيفة "يديعوت أحرونوت" بالإشارة إلى أن الاتفاق حولهما سيتحقق قريباً. وهذا الزخم يهدف بوضوح إلى تأمين "إنجاز ميداني" يسبق زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون المفصلية إلى واشنطن في 21 الجاري، ما يمنح لبنان رصيداً سياسياً ودبلوماسياً يحتاج إليه بشدة لتعزيز موقفه في البيت الأبيض.

ولكن، على رغم الأجواء الإيجابية، تكمن الشياطين في التفاصيل اللوجستية التي تحدثت عنها "معاريف"، والتي تكشف عن رغبة إسرائيلية في تحويل "المنطقة التجريبية" من ممر للانسحاب إلى أداة لفرض الوصاية. ففيما يطالب لبنان بأن تشمل المنطقة التجريبية الأولى أماكن تخضع لسيطرة إسرائيلية فعلية لتقديمها كإنجاز سياسي يمهد لانتشار الجيش، تعرض إسرائيل مناطق محدودة لتقليل مخاطرها الأمنية، وتصر على رهن المنطقة الثانية بنتائج الأولى.

كما تطلب إسرائيل "فحصاً أميركياً" للجنود اللبنانيين الذين سيُنشرون للتأكد من عدم ارتباطهم بحزب الله، وتطالب الجيش اللبناني بتقديم أدلة فعلية على تدمير الأنفاق والمخازن ومنع عودة عناصر الحزب حتى بغطاء مدني.كما لا يزال الخلاف قائماً حول الجهة المخولة بإعلان نجاح التجربة: هل هي القيادة المركزية الأميركية أم إسرائيل؟ مع تمسك تل أبيب بـ"الحق" في التدخل العسكري في حال حدوث أي "خرق"، وهو ما يرفضه لبنان، لأنه يشرعن الاحتفاظ بـ"منطقة عازلة" دائمة ملاصقة للحدود.

بالتوازي مع مفاوضات روما، يواصل الجيش الإسرائيلي تسريع عمليات النسف والتفجير الممنهج في البلدات الحدودية، كالخيام وكونين ويحمر الشقيف، في سعي واضح إلى تدمير شامل ومسبق لكل البنى التحتية الحيوية. وهذا السلوك الميداني يعكس العقيدة الإسرائيلية التي تحاول فرض "المنطقة العازلة" بالقوة النارية وجعل الأرض غير قابلة للحياة، تحسباً لأي انسحاب جزئي تفرضه الإدارة الأميركية.

لذلك، يمكن القول إن "اتفاق الإطار" دخل مرحلة الاختبار الأقسى. فالإعلان المرتقب عن إطلاق "المنطقة التجريبية الأولى" يمثل خطوة إيجابية وفرصة للبنان لالتقاط الأنفاس قبل قمة واشنطن، لكن العبرة تكمن في آليات التحقق والمتابعة التي ستتولاها الولايات المتحدة. فنجاح التجربة مرهون بقدرة واشنطن على كبح الشروط الإسرائيلية التعجيزية، ومنع تل أبيب من تحويل "الاختبار الأمني" إلى ذريعة دائمة لتعطيل الانسحاب الشامل وقضم الجنوب بالنار، ولو تحت غطاء تفاوضي.

 

من السّياسة إلى غرف العمليّات

ما خرجت به اجتماعات روما ليس اتّفاقًا نهائيًّا، بل انتقال منظّم من التّفاوض السّياسيّ إلى الاشتباك التّقنيّ. إعلان "أكسيوس" عن محادثات فنّيّة موسّعة يعني أنّ الأطراف تجاوزت سؤال جدوى المناطق التّجريبيّة، وانتقلت إلى سؤال أكثر حساسيّة، هو كيفيّة تنفيذها، ومن يراقبها، ومن يملك حقّ الحكم على نتائجها، لأنّ إسرائيل لا تتعامل مع هذه المناطق بوصفها مدخلًا تلقائيًّا للانسحاب، بل بوصفها امتحانًا مفتوحًا للدّولة اللبنانيّة وجيشها، يمكن تمديده أو تعطيله كلّما رأت تل أبيب أنّ الشّروط الأمنيّة لم تُستوفَ.

ينظر لبنان إلى التّجربة باعتبارها كسرًا للجمود، وإثباتًا بأنّ المسار التّفاوضيّ قادر على إنتاج انسحاب فعليّ، ولو محدودًا. ولذلك يصرّ الوفد اللبنانيّ على أن تشمل الرّقعة الأولى أرضًا واقعة تحت الاحتلال المباشر، لا منطقة خاضعة للسّيطرة بالنّار فحسب. الفارق جوهريّ، لأنّ انتشار الجيش في أرض تنسحب منها إسرائيل يمنح بيروت إنجازًا سياديًّا، أمّا تعزيز الانتشار في منطقة لا وجود عسكريًّا إسرائيليًّا مباشرًا فيها، فيحوّل التّجربة إلى اختبار أمنيّ أحاديّ الجانب، تُطالَب خلاله الدّولة اللبنانيّة بتقديم التزامات من دون مقابل ميدانيّ واضح.

 

اختبار الجيش أم اختبار واشنطن؟

تريد إسرائيل أن يكون الجيش اللبنانيّ هو الطّرف الخاضع للامتحان، لكنّ جوهر المرحلة المقبلة يضع واشنطن نفسها أمام اختبار حقيقيّ. فالوسيط الأميركيّ لم يعد قادرًا على الاكتفاء بإدارة الحوار أو تدوير الزّوايا، بل بات مطالبًا بضمان التزام متزامن، يبدأ بانسحاب إسرائيليّ واضح، ويقابله انتشار لبنانيّ فعّال، ضمن آليّة تحقّق لا تتحوّل إلى وصاية على المؤسّسة العسكريّة.

المطالب الإسرائيليّة المتعلّقة بفحص الجنود اللبنانيّين، والتّحقّق من خلفيّاتهم، ومراقبة الوحدات المنتشرة، تطرح إشكاليّة سياديّة تتجاوز الاعتبارات الأمنيّة. فقبول تدقيق خارجيّ في تركيبة الجيش يفتح الباب أمام سابقة خطيرة، تجعل مؤسّسة وطنيّة خاضعة لتصنيف سياسيّ تفرضه دولة عدوّة. كما أنّ منح إسرائيل حقّ الاعتراض على نجاح التّجربة يعني عمليًّا منحها حقّ تعطيل الانسحاب، وهو ما ينسف مبدأ الوساطة ويحوّل التّفاوض إلى آليّة لتثبيت الاحتلال بشروط جديدة.

 

بين "سنتكوم" و"حقّ الفيتو" الإسرائيليّ

الخلاف على الجهة المخوّلة إعلان نجاح المنطقة التّجريبيّة ليس تفصيلًا إجرائيًّا. فإذا كانت القيادة المركزيّة الأميركيّة هي المرجع، يصبح نجاح التّجربة قرارًا أميركيًّا مرتبطًا بمدى استعداد واشنطن للضّغط على تل أبيب. أمّا إذا احتفظت إسرائيل بحقّ الاعتراض، فستبقى قادرة على الادّعاء بوجود نفق غير مكتشف، أو مخزن محتمل، أو عناصر تعمل بغطاء مدنيّ، لتبرير التّأجيل أو التّدخّل العسكريّ.

ويتمسّك لبنان بآليّة محدّدة، لا تخضع للتّقدير الإسرائيليّ المنفرد. المطلوب ليس إلغاء الهواجس الأمنيّة، بل منع تحويلها إلى معيار فضفاض بلا سقف زمنيّ. فكلّ تجربة من دون موعد بداية ونهاية، ومن دون معايير قابلة للقياس، تتحوّل إلى منطقة انتظار مفتوحة، تخدم الاستراتيجيّة الإسرائيليّة القائمة على إبقاء الجنوب معلّقًا بين الاحتلال والتّهديد.

 

النّار تفاوض إلى جانب روما

بينما كانت الوفود تبحث في الخرائط والضّوابط، كانت إسرائيل تعيد رسم الوقائع بالنّسف والتّجريف وإحراق المنازل. التّفجيرات في الخيام وكونين وحولا وبيت ياحون ليست أحداثًا منفصلة عن مسار روما، بل جزء من تفاوض ميدانيّ بالنّار. تل أبيب تحاول دخول أيّ انسحاب محتمل بعد أن تكون قد دمّرت البنية العمرانيّة وقطعت الطّرق ووسّعت الفراغ السّكّانيّ، بما يجعل عودة الأهالي بطيئة ومكلفة، ويمنحها ذريعة للقول إنّ المنطقة ما زالت غير مستقرّة.

ولا يكفي أن تُقاس التّجربة بعدد الجنود أو كمّيّة السّلاح المضبوط، بل يجب أن تشمل وقف الاعتداءات، وتأمين عودة المدنيّين، وإطلاق الإعمار. وإلّا أصبح الانسحاب شكليًّا، وبقيت السّيطرة الفعليّة قائمة بالنّار والتّهديد.

 

ورقة عون إلى واشنطن 

تكتسب الأيّام السّابقة لزيارة الرّئيس جوزاف عون إلى واشنطن أهمّيّة. فالرّئاسة تحتاج إلى إنجاز يثبت أنّ "صيغة الإطار" بدأت إنتاج نتائج، ويتيح المطالبة بتوسيع الانسحاب. لكنّ الخطر أن يتحوّل الإعلان إلى إنجاز إعلاميّ يسبق التّنفيذ، ثمّ يدخل في متاهة اللّجان والشّروط.

قوّة الموقف اللبنانيّ في واشنطن لن تُقاس بحجم التّرحيب الأميركيّ، بل بوجود خطوة ميدانيّة لا رجعة عنها. فإذا بدأ الانسحاب قبل الزّيارة، يستطيع عون المطالبة بجدول زمنيّ شامل. أمّا إذا بقيت التّفاهمات في إطار التّحضيرات، فستستخدم إسرائيل الغموض التّقنيّ لربط كلّ تقدّم بملفّ سلاح "حزب الله"، وتحويل الاستحقاق الرّئاسيّ إلى مناسبة لزيادة الضّغط على لبنان بدل الضّغط على الاحتلال.

 

فرصة مشروطة لا تسوية مكتملة

المناطق التّجريبيّة ليست تسوية، بل اختبار موازين قوى. لبنان يرى فيها بداية استعادة الأرض، وإسرائيل تراها أداة لقياس قدرة الجيش وتقييد حركته، وواشنطن تريدها إنجازًا دبلوماسيًّا يثبت فاعليّة رعايتها. وبين هذه الأهداف المتعارضة، يبقى النّجاح مرتبطًا بثلاثة شروط، انسحاب إسرائيليّ ملموس، مرجعيّة تحقّق لا تمنح تل أبيب حقّ النّقض، وجدول زمنيّ يمنع تحوّل المؤقّت إلى دائم.

لقد نجح الضّغط الأميركيّ في دفع إسرائيل إلى القبول المبدئيّ، لكنّ القبول شيء والتّنفيذ شيء آخر. فالاختبار المقبل ليس في إعلان المنطقة الأولى، بل في منع إسرائيل من استخدام كلّ ملاحظة أمنيّة لتعليق الانسحاب، وفي قدرة الدّولة اللبنانيّة على الانتشار سريعًا، وحماية السّكّان، وإثبات أنّ استعادة السّيادة لا تعني استبدال احتلال خارجيّ بوصاية تقنيّة مفتوحة.

لهذا تبدو روما بداية مسار لا نهايته. الباب فُتح، لكنّ إسرائيل ما زالت تمسك بمفاتيح التّعطيل، وواشنطن وحدها تملك القدرة على انتزاعها، إن قرّرت أن يكون ضغط ترامب مقدّمة لانسحاب حقيقيّ، لا مجرّد غطاء سياسيّ لإدارة احتلال أقلّ ظهورًا وأكثر رسوخًا.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث