لبنان يقاتل في روما:المنطقة التجريبية أول انسحاب أم فخ أمني؟

مانشيت - المدنالثلاثاء 2026/07/14
Image-1784041948.Webp
المسألة الجوهرية التي كُلف الوفد اللبناني بالتشبث بها، أي وقف إطلاق النار والانسحاب. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

انتهت أعمال اليوم الأوّل من الجولة السادسة من المفاوضات في روما. وفي انتظار تكشّف النتائج، ظهر بوضوح أنّ الاستراتيجيّة الّتي تعتمدها إسرائيل هي تفخيخ مسار الانسحاب التدريجيّ. فهي تبتكر ذرائع سياسيّة وميدانيّة تضمن لها التفلّت من تنفيذ التزاماتها الواردة في اتّفاق الإطار. ويتلخّص هذا التفلّت في تكتيك ممنهج يوافق في العلن على انطلاق برنامج الانسحابات، لكنّه في الواقع يرمي إلى إحراج لبنان الرسميّ وإخراجه تفاوضيًّا، عبر ربط الانسحاب بمواجهة لبنانيّة داخليّة، سياسيّة وعسكريّة ربّما، تخوضها الدولة ومؤسّساتها، وفي طليعتها الجيش، مع "حزب الله". وهذا الالتفاف الدبلوماسيّ يعبّر عنه المسؤولون الإسرائيليّون باستمرار، وعلى مستويات رفيعة. فمن جهة، يقولون إنّهم مستعدّون لتنفيذ خطوة تجريبيّة أولى، كما أعلن وزير الخارجيّة جدعون ساعر اليوم، لكنّهم، من جهة أخرى، يربطون الخطوة بمواقف تعجيزيّة، عبّر عنها رئيس الوفد الإسرائيليّ للمفاوضات، السفير في واشنطن يحيئيل لايتر، الذي جعل الانسحاب رهنًا بمدى قدرة الجيش اللبنانيّ على تسلّم المناطق التجريبيّة وتجريد "حزب الله" من سلاحه فيها. وهذا الربط يحوّل التزام إسرائيل بالانسحاب إلى أداة ابتزاز تضع الدولة اللبنانيّة بين فكّين: إمّا بقاء الاحتلال في الجنوب، وإمّا الانزلاق نحو صدام داخليّ.

كما تربط إسرائيل أيّ انسحاب لها بملف الترتيبات الأمنيّة شمال نهر الليطاني، وتحديدًا في نقاط استراتيجيّة بالغة الحساسيّة، كتلة علي الطاهر. وتدرك تل أبيب تمامًا أنّ هذه التلّة تمثّل مركز قيادة استراتيجيًّا وبنية تحتيّة حيويّة مشتركة بين الحزب وإيران، ولا يمكنهما التخلّي عنها. ومن هنا، فإنّ الإصرار الإسرائيليّ، المدعوم أميركيًّا، على فرض تسليم هذه النقاط للجيش اللبنانيّ، شرطًا للمضيّ بالاتّفاق، هو في الواقع لغم صُمّم بعناية لدفع اللبنانيّين إلى مواجهة داخليّة، أو التنصّل تمامًا من أيّ التزام.

وعلمت "المدن" أنّ المطلوب من الجانب اللبنانيّ يتمثّل في العمل على وضع آليّة تنفيذيّة واضحة لاتّفاق الإطار. وبحسب المعلومات، يهدف لبنان إلى تحديد "المنطقة النموذجيّة" الأولى، تمهيدًا للبدء بتنفيذ الاتّفاق على الأرض. وتركّز البحث، من الجانب اللبنانيّ، على كيفيّة وضع الآليّات التنفيذيّة لاتّفاق الإطار، على أن تتمثّل الخطوة الأولى في تسجيل انسحاب إسرائيليّ من الأراضي اللبنانيّة. ويصرّ الوفد اللبنانيّ على إقرار الانسحاب الإسرائيليّ من أوّل "منطقة نموذجيّة"، على أن تعمل الولايات المتّحدة على تحديد آليّة التحقّق من تنفيذ الانسحاب، في حين أبدى الجانب الإسرائيليّ تحفّظات على الطرح. وبحسب المعلومات، يقوم مفهوم "المنطقة النموذجيّة" على اختيار منطقة لبنانيّة محتلّة لتطبيق الانسحاب فيها. وجرى درس الاقتراحات المقدّمة من الجانبين اللبنانيّ والإسرائيليّ في شأن تحديد المنطقة النموذجيّة وآليّة العمل فيها.

وأكّدت مصادر بعبدا أنّ الموقف اللبنانيّ ينطلق من مبدأ يقضي بأن تكون "المنطقة النموذجيّة" خاضعة للاحتلال، مشدّدة على أنّ الخطوة الأولى بالنسبة إلى لبنان تتمثّل في تسجيل انسحاب إسرائيليّ من أوّل شبر من الأراضي اللبنانيّة. وأشارت إلى أنّ البحث، من الجانب اللبنانيّ، تركّز على كيفيّة وضع الآليّات التنفيذيّة لاتّفاق الإطار.

وأوضحت المصادر أنّ انطلاق المفاوضات تأخّر بسبب وصول الوفد الإسرائيليّ وقسم من الوفد الأميركيّ بعد أكثر من ساعة من الموعد المحدّد.

إذًا، المسألة الجوهريّة التي كُلّف الوفد اللبنانيّ بالتشبّث بها، أي وقف إطلاق النار والانسحاب، ليست مضمونة النتائج. فلبنان الرسميّ يصرّ على ضرورة أن تخلص اجتماعات روما إلى تحديد سقف زمنيّ ملزم لبدء انسحاب الجيش الإسرائيليّ من منطقتين تجريبيّتين، شرطًا مسبقًا لأيّ تقدّم إضافيّ، يليه انتشار الجيش اللبنانيّ وإطلاق مسار الإعمار. وفي المقابل، تدرك إسرائيل أنّ لبنان الرسميّ، حتّى إشعار آخر، يتجنّب الصدام مع الحزب، تفاديًا لتعميق الشرخ الداخليّ، ويفضّل حصر المواجهة عسكريًّا في الميدان الجنوبيّ. لذلك، تستغلّ تل أبيب هذا الهامش اللبنانيّ الضيّق لمواصلة القصف والنسف والتهجير، وتثبيت "الحزام الأمنيّ"، وفرض الشروط بالنار.

مع انطلاق مفاوضات روما، وعشيّة قمّة واشنطن المرتقبة في 21 تمّوز الجاري، من الواضح أنّ إسرائيل توظّف "اتّفاق الإطار" غطاءً لفرض "خيارات إجباريّة" على الدولة اللبنانيّة. وهذا ما يضع الإدارة الأميركيّة والقيادة المركزيّة أمام مسؤوليّاتهما عن ضمان التنفيذ. فهل تضغط واشنطن لانتزاع انسحاب إسرائيليّ فوريّ، أم تنجح تل أبيب في إسقاط جوهر الاتّفاق، أي الانسحاب الكامل، بما يهدّد بضياع الجنوب في قبضة الاحتلال الدائم؟

 

مفاوضات تحت النار لا مفاوضات على وقفها

لا يمكن فصل ما يجري في روما عن المشهد الإقليميّ المتفجّر. فعودة الضربات المتبادلة بين إيران والولايات المتّحدة، ووصول الاستهدافات إلى مناطق في الخليج، يعيدان طرح احتمال تجدّد المواجهة الواسعة، ويكشفان هشاشة التفاهمات التي كان يُفترض أن تضبط إيقاع التصعيد. وفي قلب هذا الاضطراب، يبدو لبنان معلّقًا بين اتّفاقين لا يملك السيطرة الكاملة على أيّ منهما: اتّفاق مع إسرائيل يتيح لها الاحتفاظ بهامش واسع من الحركة العسكريّة، وتفاهم غير معلن يربط سلوك "حزب الله" بمسار المواجهة الإيرانيّة الإسرائيليّة.

المشكلة هنا أنّ إسرائيل لا تتعامل مع المفاوضات بوصفها طريقًا إلى وقف الحرب، بل باعتبارها امتدادًا للحرب بوسائل سياسيّة. فالعمليّات التي سبقت الجولة السادسة، من نسف المنازل وتجريفها في حداثا وكونين ومجدل زون وزوطر الشرقيّة، لم تكن أحداثًا ميدانيّة منفصلة، بل رسائل تفاوضيّة مكتوبة بالنار. أرادت تل أبيب القول إنّها ستفاوض على شكل الانسحاب، فيما تواصل تغيير طبيعة الأرض التي يُفترض أن تنسحب منها.

هكذا تصبح المفاوضات سباقًا بين مسارين: مسار لبنانيّ يريد تثبيت قاعدة "الانسحاب أوّلًا"، ومسار إسرائيليّ يسعى إلى تكريس قاعدة معاكسة مفادها أنّ الانسحاب مكافأة تحصل عليها الدولة بعد تنفيذ مطالب أمنيّة وسياسيّة تتعلّق بسلاح الحزب وانتشار الجيش.

 

"المنطقة النموذجيّة": بداية انسحاب أم فخّ أمنيّ؟

الخلاف حول المناطق التجريبيّة ليس تقنيًّا، ولا يتعلّق فقط بأسماء القرى أو حدود الخرائط. إنّه خلاف على تعريف المرحلة المقبلة برمّتها. لبنان يريد منطقة محتلّة تنسحب منها إسرائيل، ثمّ يدخلها الجيش، بما يثبت أنّ الاحتلال هو المشكلة الأولى التي ينبغي حلّها. أمّا إسرائيل فتريد منطقة تختبر فيها قدرة الجيش على ضبط السلاح، قبل أن تقرّر إن كانت ستنسحب منها أو تبقى فيها.

هذا الفارق يقلب المعادلة. ففي الطرح اللبنانيّ، يشكّل الانسحاب تنفيذًا لالتزام إسرائيليّ. وفي الطرح الإسرائيليّ، يتحوّل الانسحاب إلى جائزة مشروطة بحصول مواجهة بين الجيش و"حزب الله". ولذلك، لا يعود السؤال: متى تنسحب إسرائيل؟ بل يصبح: ماذا فعل لبنان ليستحقّ الانسحاب؟

وتزداد خطورة هذا المنطق عندما تُطرح تلّة علي الطاهر ضمن الترتيبات المطلوبة. فهذه النقطة لا تمثّل مجرّد مرتفع جغرافيّ، بل تختصر عقدة السلاح والنفوذ الإيرانيّ وحرّيّة الحركة الإسرائيليّة. إدخالها في المرحلة التجريبيّة يعني عمليًّا نقل المفاوضات من ملف الاحتلال إلى ملف البنية العسكريّة للحزب شمال الليطاني، أي إلى المنطقة التي يدرك الجميع أنّ مقاربتها تحتاج إلى قرار سياسيّ داخليّ واسع، لا إلى شروط تُفرض تحت القصف.

 

رواية الأنفاق تضغط على التفاوض اللبنانيّ

في هذا السياق، جاءت الرواية التي نشرها موقع "والا" الإسرائيليّ عن وجود عشرات من عناصر "حزب الله" محاصرين داخل شبكة أنفاق في مرتفعات علي الطاهر. وبصرف النظر عن دقّة هذه الرواية، فإنّ توقيت تسريبها ووظيفتها السياسيّة يبدوان أكثر أهمّيّة من مضمونها الأمنيّ.

إسرائيل تريد تكريس صورة تقول إنّ المنطقة ليست أرضًا لبنانيّة يجب الانسحاب منها، بل "مسرح تهديد" يحتاج إلى معالجة عسكريّة. كما أنّ التلويح بخيار "الاستسلام أو الموت" يمنح تل أبيب ورقة ضغط مزدوجة: ابتزاز الحزب عبر مصير العناصر المفترضين، وإحراج الدولة اللبنانيّة عبر مطالبتها بالتدخّل في ملف لا تملك وحدها مفاتيحه.

وتخدم الرواية أيضًا هدفًا تفاوضيًّا آخر، هو تبرير استمرار الحصار والوجود العسكريّ الإسرائيليّ بذريعة منع خروج مقاتلين أو إعادة تفعيل الأنفاق. وبذلك، تتحوّل واقعة أمنيّة غير مثبتة لبنانيًّا إلى أساس محتمل لتعديل خرائط المنطقة النموذجيّة وعرقلة الانسحاب.

 

الجيش بين مسؤوليّة الانتشار واستحالة الصدام

تدفع إسرائيل باتّجاه تحميل الجيش اللبنانيّ مسؤوليّة تفوق حدود قدرته العمليّة والسياسيّة. فالجيش مستعدّ للانتشار في أيّ منطقة تنسحب منها القوّات الإسرائيليّة، لكنّ هذا الانتشار يفترض وقف الاعتداءات، وتأمين الغطاء السياسيّ، وتوفير التجهيزات، وضمان ألّا يتحوّل إلى قوّة تفصل بين احتلال ثابت وبيئة لبنانيّة غاضبة.

اشتراط نزع السلاح قبل الانسحاب يضع المؤسّسة العسكريّة أمام مهمّة مستحيلة: الدخول إلى منطقة ما زالت تحت النار، والتعامل مع سلاح الحزب، فيما تبقى إسرائيل محتفظة بحرّيّة القصف والتوغّل. وهذا لا يؤدّي إلى تعزيز سلطة الدولة، بل إلى استنزافها وتحويل الجيش إلى طرف في نزاع داخليّ يخدم بقاء الاحتلال.

من هنا، تكتسب مطالبة القيادة العسكريّة بوقف الأعمال العدائيّة قبل الانتشار أهمّيّة تتجاوز البعد الميدانيّ. إنّها محاولة لمنع قلب وظيفة الجيش من حماية السيادة إلى حراسة شروط الاحتلال.

 

واشنطن أمام اختبار الضامن لا الوسيط

الولايات المتّحدة ليست وسيطًا محايدًا في هذه الجولة، بل هي الطرف القادر على تحديد ما إذا كان "اتّفاق الإطار" سيصبح آليّة للانسحاب، أم غطاءً لإدارة احتلال طويل. فتكليف القيادة المركزيّة الأميركيّة بآليّة التحقّق يمنح واشنطن دور الضامن، لكنّ هذا الدور يفقد معناه إن اقتصر التحقّق على أداء الجيش اللبنانيّ وتجاهل استمرار الاعتداءات الإسرائيليّة.

المعيار الحقيقيّ لنجاح الجولة ليس إعلان إسرائيل استعدادها للانسحاب من منطقتين، بل تحديد هاتين المنطقتين، ووضع جدول زمنيّ واضح، وربط أيّ انتشار لبنانيّ بانسحاب فعليّ وكامل، لا بإعادة تموضع إسرائيليّ داخل نطاق أمنيّ جديد.

لبنان يقاتل في روما لأنّه يعرف أنّ خسارة المعركة التفاوضيّة ستثبّت ما تحاول إسرائيل فرضه ميدانيًّا: جنوبًا منزوع السكّان، مدمّر البنية، خاضعًا للمراقبة والنار، ودولةً مطالبةً بتقديم ضمانات أمنيّة إلى الاحتلال قبل أن تحصل على حقّها البديهيّ في استعادة أرضها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث