وزراء الخارجية في أزمنة التفاوض: يصنعون السياسة أم تصنعهم؟

بتول يزبكالاثنين 2026/07/13
وزارة.jpg
وُلدت وزارة الخارجية في دولة لم تحسم هويتها السياسية بقدر ما صاغت تسويةً لتأجيل الصدام حولها.
حجم الخط
مشاركة عبر

لمشهديّة المفاوضات الّتي جرّت في واشنطن، عُمقٌ وطبقات لا يختزلها فقط التحليل السّياسيّ والدلالات والمُخرجات. 

ففي واشنطن، جلست السفيرة اللبنانيّة إلى طاولة واحدة مع الممثّل الإسرائيليّ، تحت رعاية الولايات المتّحدة. حيث تقدّم الوسيط الأميركيّ بالاقتراحات، وحدّد إيقاع الجولات، وخرج ليعلن مقدار التقدّم. أمّا وفي بيروت، فتوزّعت إدارة الملفّ بين رئاسة الجمهوريّة ورئاسة الحكومة والقيادات العسكريّة والأمنيّة والمستشارين. أما وزارة الخارجيّة، صاحبة الاختصاص المهنيّ المفترض، فحضرت في الصورة العامّة من دون أن يتّضح تمامًا إن كانت تقود المفاوضات، أم تؤدّي دور الممثّل الرسميّ لقرار صيغ في مكان آخر.

ليست المفاوضات اللبنانيّة، الإسرائيليّة الجارية في العام 2026 مجرد لقاءات تقنيّة محدودة. إنّها تتناول وقف الأعمال الحربيّة، والانسحاب الإسرائيليّ، وانتشار الجيش اللبنانيّ، وضبط الحدود، ومستقبل السلاح خارج الدولة، وآليّات تنفيذ القرار 1701، وربّما شكل العلاقة بين لبنان وإسرائيل في مرحلة إقليميّة يعاد تركيبها بالقوّة. وقد استضافت واشنطن جولات عدّة، أعقبتها تفاهمات لوقف النار، ثمّ اتفاق إطار أوّلي في أواخر حزيران 2026، تضمّن ترتيبات تجريبيّة لتسلّم الجيش اللبنانيّ مناطق تنسحب منها القوّات الإسرائيليّة. لكنّ إسرائيل أبقت انسحابها الأوسع مشروطًا بنزع سلاح "حزب الله"، فيما ظلّ الحزب خارج طاولة التفاوض ورافضًا التخلّي عن سلاحه.

هنا تكمن المفارقة اللبنانيّة كاملةً. الدولة تفاوض على مسألة لا تملك وحدها أدوات حسمها، والوزارة تمثّل الدولة من دون أن تملك وحدها قرارها، والوسيط الأجنبيّ يعرف أحيانًا عن مواقف الأطراف اللبنانيّة أكثر ممّا تعرف المؤسّسات اللبنانيّة بعضها عن بعض. ترتفع الأعلام فوق الطاولة، لكنّ الخريطة الحقيقيّة للقرار تبقى مطويّة في جيوب عدّة.

ومن هذا المشهد الراهن يبرز السؤال الذي رافق تاريخ الدبلوماسيّة اللبنانيّة منذ الاستقلال: هل ما زالت وزارة الخارجيّة تصنع سياسة لبنان الخارجيّة، أم أنّها باتت تعلن سياسة يصنعها الآخرون؟

 

وزارة وُلدت في دولة قلقة

وُلدت وزارة الخارجيّة في دولة لم تحسم هويّتها السياسيّة بقدر ما صاغت تسويةً لتأجيل الصدام حولها. قام الاستقلال على معادلة الميثاق الوطنيّ: لا التحاق كامل بالغرب، ولا ذوبان في مشاريع الوحدة العربيّة. كان على الدبلوماسيّة اللبنانيّة أن تقدّم لبنان إلى العالم بلدًا عربيًّا مستقلًّا، منفتحًا على الغرب، من دون أن يبدو قاعدةً له، ومتمسّكًا بعروبته من دون أن يتخلّى عن خصوصيّته.

أعطى هذا الهاجس الوزارة أهمّيّة مبكرة. شارك لبنان في تأسيس جامعة الدول العربيّة، وكان من الدول المؤسّسة للأمم المتّحدة، وأنشأ شبكة دبلوماسيّة استفادت من موقع بيروت ومن الانتشار اللّبنانيّ ومن قدرة نخبه على العمل بين لغات وثقافات متعدّدة. لم تكن الخارجيّة مجرّد جهاز بروتوكوليّ، بل وسيلة لحماية كيان صغير لا يستطيع الدفاع عن نفسه بالقوّة.

لكنّ السياسة الخارجيّة حملت منذ البداية انقسام الداخل. رأى فريق في العلاقات الغربيّة ضمانةً للكيان، ورأى فريق آخر في الانتماء العربيّ شرطًا لشرعيّته. وهكذا أصبحت الوزارة مكانًا تُترجم فيه النزاعات الطائفيّة إلى مواقف دوليّة. لم يكن المطلوب منها فقط أن تدير علاقات لبنان، بل أن تخترع، في كلّ أزمة، لبنانًا واحدًا يمكن تقديمه إلى الخارج.

 

الدبلوماسيّة بين الرئاسة والحكومة

لا يمنح الدستور وزير الخارجيّة احتكار السياسة الخارجيّة. فالمادّة 52 تجعل رئيس الجمهوريّة مسؤولًا عن التفاوض في المعاهدات وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، على أن تخضع للتصديق وفق الأصول الدستوريّة. وبعد اتفاق الطائف، أصبح مجلس الوزراء مركز السلطة التنفيذيّة الجماعيّة. الوزارة تُعدّ وتنسّق وتمثّل وتحفظ الوثائق، لكنّها لا تستطيع دستوريًّا أن ترسم وحدها الخيارات الكبرى.

في دولة طبيعيّة، لا يشكّل هذا التوزيع مشكلة. الرئيس والحكومة يصنعان القرار السياسيّ، ووزارة الخارجيّة تحوّله إلى خطّة تفاوضيّة، وتقدّم البدائل، وتدير العلاقات، وتحفظ الذاكرة المؤسّسيّة. أمّا في لبنان، فقد تحوّل تعدّد الصلاحيّات إلى تعدّد مراكز القرار. للرئيس مستشاروه واتصالاته، ولرئيس الحكومة قنواته، ولرئيس مجلس النوّاب أدواره، وللجيش والأجهزة خطوطها الأمنيّة، وللأحزاب علاقاتها المباشرة بالعواصم. ثمّ تُطلب من الوزارة صياغة بيان موحّد يغطّي واقعًا غير موحّد.

قبل الطائف، كانت قوّة رئاسة الجمهوريّة تجعل الرئيس المدير الأبرز للسياسة الخارجيّة. وبعد الطائف، انتقل جزء كبير من القرار إلى الحكومة، من دون أن تُبنى آليّة ثابتة لتوحيده. لم تصبح الخارجيّة أقوى، بل صار عليها أن تنتظر التوافق بين رئاسات تتنازع أحيانًا حتّى على معنى الجملة الواحدة.

 

محطّات صنعت فيها الخارجيّة فارقًا

في أزمة عام 1958، ظهر وزير الخارجيّة شارل مالك لاعبًا أساسيًّا، لا ناقل رسائل. تحرّك في الأمم المتّحدة وواشنطن، وشارك في تقديم الأزمة بوصفها تهديدًا خارجيًّا للبنان، لا مجرّد تمرّد داخليّ على عهد كميل شمعون. وتكشف الوثائق الأميركيّة حجم اتصالاته ودوره في مناقشة طلبات الدعم وفي تدويل الأزمة.

كان مالك دبلوماسيًّا ذا ثقافة وعلاقات وحضور دوليّ، لكنّه لم يكن فوق الانقسام اللبنانيّ. عبّر عن خيار الرئاسة وعن قراءتها للصراع الإقليميّ، فيما رأت المعارضة أنّ العهد يستخدم الخارج لحماية نفسه. أثبتت الأزمة أنّ الوزير الكفوء يستطيع توسيع هامش الدولة، لكنّه لا يستطيع تحويل سياسة فئويّة إلى إجماع وطنيّ بقوّة البلاغة.

في المقابل، كشف اتفاق القاهرة عام 1969 حدود الوزارة. فقد جرى الاتفاق، الذي نظّم الوجود المسلّح الفلسطينيّ في لبنان ومنح التنظيمات الفلسطينيّة هامشًا عسكريًّا داخل المخيّمات وفي الجنوب، تحت ضغط مصريّ وعربيّ وفي سياق أمنيّ داخليّ. لم تقد وزارة الخارجيّة المسار، بل وجدت الدولة نفسها مطالبةً بتسويق تسوية مسّت احتكارها للسلاح ولم تكن قادرةً على ضبط نتائجها. ومنذ تلك المرحلة، بدأت الدبلوماسيّة اللبنانيّة تدافع في الخارج عن سيادة كانت تتآكل في الداخل.

أثناء الحرب الأهليّة، بقيت الوزارة والسفارات تعمل، لكنّ القرار الخارجيّ تفتّت كما تفتّت البلد. كانت هناك حكومة ورئاسة وسفراء، لكنّ الزعماء والميليشيات أقاموا علاقاتهم الخاصّة مع دمشق وواشنطن وتل أبيب وبغداد وطرابلس الغرب وعواصم أخرى. حافظ الدبلوماسيّون على المقعد اللبنانيّ في المؤسّسات الدوليّة، غير أنّهم كثيرًا ما مثّلوا اسم الدولة أكثر ممّا مثّلوا سلطةً قادرةً على فرض موقفها.

 

حين انتقلت المفاوضات إلى خارج الوزارة

بعد الاجتياح الإسرائيليّ عام 1982، خاض لبنان مفاوضات انتهت باتفاق 17 أيّار 1983. شاركت مؤسّسات الدولة ووزارة الخارجيّة، وكان الوزير إيلي سالم من الوجوه الأساسيّة في المرحلة، لكنّ المفاوضات جرت تحت الاحتلال الإسرائيليّ والوساطة الأميركيّة والرفض السوريّ والانقسام اللبنانيّ. لم تكن المشكلة في الصياغة وحدها، بل في غياب ميزان قوّة يسمح للدولة بتنفيذ ما وقّعته. أُلغي الاتفاق في آذار 1984، بعدما انهار التوازن السياسيّ والعسكريّ الذي أنتجه.

تكرّرت الصورة مع اتفاق الطائف عام 1989. كان الاتفاق ضرورةً تاريخيّة أنهت الحرب، وأعاد توزيع الصلاحيّات، ونصّ على حلّ الميليشيات وبسط سلطة الدولة وإعادة تنظيم العلاقات اللبنانيّة، السوريّة. لكنّه لم يكن ثمرة مبادرة قادتها وزارة الخارجيّة. تفاوض عليه النوّاب اللبنانيّون في المملكة العربيّة السعوديّة، تحت رعاية عربيّة ودوليّة وفي ظلّ تفوّق سوريّ واضح. كانت الدولة اللبنانيّة موضوع التسوية بقدر ما كانت طرفًا فيها.

في مرحلة الوجود السوريّ، احتفظ لبنان بوزارة خارجيّة وسفارات، لكنّ خياراته الاستراتيجيّة كانت تخضع لسقف دمشق. عمل دبلوماسيّون محترفون وحافظوا على مصالح يوميّة وعلاقات دوليّة مهمّة، غير أنّ القضايا الكبرى، من المفاوضات الإقليميّة إلى العلاقة بالغرب والسلاح الفلسطينيّ و"حزب الله"، لم تكن تُدار باستقلال لبنانيّ كامل. كانت الوزارة تترجم أحيانًا سياسةً مقرّرة خارجها إلى لغة سياديّة. وهذه إحدى أكثر وظائف الدبلوماسيّة اللبنانيّة سخريةً: إضفاء الصيغة الوطنيّة على قرار محدود الوطنيّة.

 

وزراء تركوا بصماتهم، وآخرون مرّوا عابرين

لا يمكن اختزال تاريخ الوزارة في أسماء وزرائها، لكنّ الشخصيّة والخبرة تصنعان فارقًا حين يتوافر هامش للعمل. ترك شارل مالك أثرًا لأنّه امتلك مشروعًا فكريًّا وعلاقات دوليّة وقدرةً على المبادرة، ولو بقي موقفه مرتبطًا بخيارات عهد شمعون. وترك فؤاد بطرس أثرًا مختلفًا في عهد إلياس سركيس، إذ مثّل مدرسةً في الواقعيّة والهدوء وإدارة الممكن وسط الحرب والاحتلال والتدخّلات.

كما أدّى غسّان تويني، سفير لبنان لدى الأمم المتّحدة في مرحلة الاجتياح الإسرائيليّ، دورًا يتجاوز نقل التعليمات. استخدم المنبر الدوليّ للدفاع عن استقلال لبنان وعن حقّه في الخروج من الاحتلالات والحروب التي تُدار على أرضه. وشارك سفراء ودبلوماسيّون، بعيدًا عن الشهرة، في إبقاء القرار 425 مرجعيّةً دوليّةً قائمةً حتى الانسحاب الإسرائيليّ عام 2000. فالقرار الصادر عام 1978 طالب إسرائيل بالانسحاب وأنشأ قوّة "اليونيفيل"، وظلّ الأساس القانونيّ الذي استندت إليه الدولة في مطالبتها بإنهاء الاحتلال.في المقابل، عرف لبنان وزراء تعاملوا مع الوزارة بوصفها امتدادًا للحزب أو الطائفة. صار بعضهم يخاطب الداخل من منصة خارجيّة، ويرفع نبرة الخطاب لتعويض ضآلة التأثير. 

 

الخارجيّة في زمن القرارات الدوليّة

مع القرار 425، نجحت الدبلوماسيّة اللبنانيّة في حفظ مرجعيّة الانسحاب، وإن لم تكن قادرةً على فرضه. وعندما انسحبت إسرائيل من معظم الجنوب عام 2000، أدّت الدولة والوزارة والبعثة اللبنانيّة لدى الأمم المتّحدة دورًا في متابعة التحقّق الدوليّ ورسم "الخطّ الأزرق". لم يكن ذلك ترسيمًا نهائيًّا للحدود، بل خطًّا عمليًّا للتحقّق من الانسحاب، وهو فارق قانونيّ كثيرًا ما ضاع في الخطاب السياسيّ.

أمّا القرار 1559 الصادر عام 2004، فكان نموذجًا معاكسًا. دعا إلى انسحاب القوّات الأجنبيّة، وحلّ الميليشيات ونزع سلاحها، وبسط سلطة الحكومة على كامل الأراضي. لم تصنع وزارة الخارجيّة القرار، بل وُضع لبنان أمام نصّ دوليّ يعكس صراعًا داخليًّا وإقليميًّا بلغ مجلس الأمن. انقسم اللبنانيّون حول القرار بدل أن ينتجوا سياسةً وطنيّةً للتعامل معه.

بعد اغتيال رفيق الحريري في 14 شباط 2005، دخل لبنان مرحلة تدويل كثيفة: تحقيق دوليّ، انسحاب سوريّ، ثمّ تفاوض بين الحكومة اللبنانيّة والأمم المتّحدة على إنشاء المحكمة الخاصّة بلبنان. وعندما تعذّر استكمال إقرار الاتفاق داخليًّا، وضعه مجلس الأمن موضع التنفيذ بالقرار 1757 تحت الفصل السابع. أدّت الحكومة وخبراء لبنانيّون أدوارًا قانونيّة وتفاوضيّة، لكنّ الوزارة لم تكن مركز القرار الوحيد، بل جزءًا من مواجهة سياسيّة داخلية ودوليّة واسعة.

وفي حرب تمّوز 2006، شاركت الحكومة اللبنانيّة وفريقها الدبلوماسيّ في بلورة المطالب التي سبقت القرار 1701. أوقف القرار الأعمال الحربيّة، وعزّز انتشار الجيش و"اليونيفيل"، ودعا إلى منطقة بين الخطّ الأزرق ونهر الليطاني لا توجد فيها أسلحة إلا بإذن الدولة. لكنّ التنفيذ بقي ناقصًا لأنّ الحرب لم تكن أصلًا قرارًا اتخذته المؤسّسات الدستوريّة، ولأنّ الدولة لم تستعد احتكار السلاح.

 

من الحدود البحريّة إلى أزمات الحاضر

بعد عام 2005، أُقيمت علاقات دبلوماسيّة رسميّة بين لبنان وسوريا، لكنّ إنشاء السفارتين لم يحلّ ملفات الحدود والمفقودين والاتفاقات القديمة والتفاوت السياسيّ بين البلدين. فالعلاقة الدبلوماسيّة لا تصبح ندّيّةً بمجرّد رفع علم، كما لا تصبح الوزارة صاحبة قرار لأنّها أرسلت سفيرًا.

وفي ملفّ اللجوء السوريّ، ظهر غياب السياسة الموحّدة بوضوح. توزّعت الصلاحيّات بين الحكومة والأمن العام والوزارات والبلديّات والقوى السياسيّة. تحدّث كلّ طرف بلغة مختلفة إلى دمشق والأمم المتّحدة والدول المانحة. لم تكن المشكلة نقص البيانات وحده، بل غياب تعريف وطنيّ جامع لما يريده لبنان: عودة منظّمة وآمنة، أم ضغط سياسيّ سريع، أم إدارة طويلة الأمد للنزوح؟ عندما تعجز الدولة عن تحديد هدفها، لا تستطيع الخارجيّة اختراع سياسة لها.

وفي ترسيم الحدود البحريّة عام 2022، نجح لبنان في بلوغ اتفاق غير مباشر مع إسرائيل بوساطة أميركيّة، لكنّ الملفّ أُدير أساسًا بين رئاسة الجمهوريّة ورئاسة الحكومة ورئاسة مجلس النوّاب والجيش والمستشارين والوسيط الأميركيّ. حضرت الوزارة في المسار القانونيّ والإجرائيّ، لكنّها لم تكن العقل السياسيّ الوحيد الذي قاده.

 

من الوزير الفرد إلى المؤسّسة الغائبة

يكشف هذا التاريخ أنّ الوزراء المؤثّرين لم يكونوا جميعًا من مدرسة واحدة. شارل مالك كان صاحب مشروع فكريّ وخيار غربيّ واضح. فؤاد بطرس كان واقعيًّا حذرًا يحاول حماية الدولة من وهم القوّة. إيلي سالم راهن على الوساطة الأميركيّة والتفاوض في ظلّ الاحتلال. فارس بويز تحرّك بفاعليّة داخل السقف السوريّ. جان عبيد اعتمد بناء العلاقات والمرونة. ناصيف حتّي استقال حين اكتشف أنّ الخبرة لا تكفي. جبران باسيل منح الوزارة حيويّةً حزبيّةً كبيرة، لكنّه عمّق التصاقها بالاستقطاب الداخليّ. وعبد الله بو حبيب أدار دبلوماسيّة دولة منهارة ماليًّا ومنقوصة القرار الأمنيّ.

كما ترك سفراء بصمات لا تقلّ عن بصمات الوزراء: شارل مالك قبل دخوله الحكومة، وغسّان تويني في زمن الاجتياح، ونواف سلام في مرحلة القرارات الدوليّة والمحكمة، إلى جانب عشرات الدبلوماسيّين الذين حافظوا على حضور لبنان في العواصم والمؤسّسات الدوليّة بعيدًا عن الأضواء.

لكنّ القاعدة بقيت واحدة: ينجح الوزير حين يمتلك تفويضًا واضحًا، ومؤسّسةً محترفة، وقرارًا داخليًّا قابلًا للدفاع عنه. ويفشل، مهما بلغت كفاءته، حين يُطلب منه تمثيل سياسات متناقضة. لذلك لا ينقسم وزراء الخارجيّة اللبنانيّون فقط بين أقوياء وضعفاء، بل بين مَن عملوا في ظلّ دولة تمتلك حدًّا أدنى من القرار، ومَن أُرسلوا إلى العالم لشرح أسباب فقدانه.

بعضهم وسّع هامش لبنان. بعضهم وسّع هامش حزبه. بعضهم حفظ موقع الدولة بصمت، وبعضهم استعمل الوزارة مكبّر صوت. لكنّ أحدًا منهم لم يستطع أن يجعل قصر بسترس مصنعًا دائمًا للسياسة الخارجيّة. كانت الرئاسة أقوى منه أحيانًا، والحكومة أقوى أحيانًا، ودمشق أقوى زمنًا طويلًا، والأحزاب المسلّحة أقوى في ملفات الحرب، والوسيط الدوليّ أقوى حين يجلس اللبنانيّون إلى التفاوض بلا موقف موحّد.

إنها ليست سيرة وزراء تعاقبوا على حقيبة. إنّها سيرة دولة كانت وزارة خارجيّتها قويّةً كلّما كانت الدولة تعرف ما تريد، وضعيفةً كلّما اكتفت الدولة بمعرفة ما يريده الآخرون منها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث