بدا استحضار المناخ السياسي اللبناني لاتفاق السابع عشر من أيار، تزامناً مع زيارة وزير خارجية سوريا لبيروت، كأنّه استحضارٌ لاتفاق ومرحلة وُلدت بعد سقوط 17 أيار. مرحلة كاملة بكل مفرداتها السياسيّة وفي مقدّمتها "وحدة المسار والمصير". المشروع الذي كانت ركيزته الأساسيّة تقوم على فكرة إدارة القضايا الاستراتيجية الكبرى، وفي مقدمتها الصراع مع إسرائيل، وأمن الحدود، وخيارات السياسة الخارجية، كلّ هذه العوامل لا يُمكنُ لها أن تُدار في بيروت بمعزل عن دمشق، ولا في دمشق بمعزل عن بيروت.
كل مرحلة مصيريّة تُحَتِّمُ على الدول العودة إلى أرشيفها السياسي. لعلّ الماضي يكشف الطريقة التي تكوّنت بها الأفكار وصيغت فيها القرارات والاتفاقات. وتأتي هذه العودة إلى واحدة من أكثر محطات الحرب اللبنانية حساسية مترافقة مع زيارة الشيباني لبيروت. زيارة غير مفصولة عن التحولات العميقة التي تعيشها سوريا نفسها. كما لا يُمكنُ فصلُها عن محاولة البلدين إعادة تعريف علاقتهما بعد سنوات من القطيعة والتوتر.
يتحوّل السؤال حول 17 أيار من تفاصيله وحيثيات ولادته وإسقاطه إلى نوع من القراءة للنظام السياسي الذي نشأ بعد سقوطه. فقد شكّل الاتفاق بداية لمرحلة كاملة. مرحلة حكمت العلاقة اللبنانية-السورية طيلة عقود. مرحلة يمكنُ القول إنّ عنوانها كان هو الاعتقاد بوحدة المسار والمصير الذي عبّر عن رؤية كاملة للعلاقة بين الدولتين.
كانت دمشق تنطلق من فكرة أن الجغرافيا تجعل أمن لبنان جزءاً من أمنها القومي، وأن أي اختراق إسرائيلي للساحة اللبنانية سينعكس حكماً على الداخل السوري. في مقابل هذه السرديّة، رأى قسم من اللبنانيين أن هذه المقاربة، وإن استندت إلى اعتبارات جيوسياسية حقيقية، سرعان ما تجاوزت حدود التنسيق بين دولتين. وبين هذين الفهمين، وُلد معظم الجدل الذي رافق العلاقات اللبنانية-السوريّة.
لم تكن هذه الرؤية محل إجماع في الداخل اللبناني. فقد رأت فيها قوى سياسية ضمانةً لعدم عزل لبنان عن محيطه العربي، وللحفاظ على توازن استراتيجي في مواجهة إسرائيل، فيما اعتبرتها قوى أخرى مدخلاً إلى اختلال العلاقة بين الدولتين، بحيث يتداخل تلقائياً التعاون مع الوصاية، والتنسيق مع تراجع هامش القرار اللبناني المستقل. وبين هذين التصورين، عاش الانقسام اللبناني حول طبيعة العلاقة مع سوريا.
وقِّعَ الاتفاق عام 1983 في ظل الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وبرعاية أميركية، بعدما وصلت القوات الإسرائيلية إلى بيروت. وقدِّم آنذاك بوصفه اتفاقاً ينظم الانسحاب الإسرائيلي ويعيد تثبيت سيادة الدولة اللبنانية. لكن القراءة السوريّة، ومعها قوى لبنانية عديدة، رأت فيه شيئاً آخر. إخراج لبنان من معادلة الصراع العربي-الإسرائيلي، وإقامة ترتيبات أمنية وسياسية تمنح إسرائيل ما عجزت عن فرضه بالقوة العسكرية.
هذه المقاربة لم تبقَ في حدود الخطاب السياسي. مع الوقت، وجدت طريقها مؤسساتياً. مع اتفاق الطائف، كرِّس الدور السوري وأنيطَ بمواكبة تنفيذ التسوية اللبنانية، وكأنّه جزءٌ من إعادة بناء الدولة وإنهاء الحرب. واستمرّ ذلك مع معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق عام 1991 التي أسست لإطار قانونيّ يحكمُ العلاقة بين البلدين، عبر المجلس الأعلى اللبناني-السوري، وشبكة من اللجان المشتركة التي تولّت تنسيق ملفات السياسة والاقتصاد والأمن.
في مطلع التسعينيات، ومع انطلاق مؤتمر مدريد للسلام، بدا مفهوم "وحدة المسار والمصير" في أوضح تجلياته. حيث شارك لبنان وسوريا في المؤتمر ضمن رؤية تقوم على ترابط المسارين اللبناني والسوري، مع التأكيد على رفض أي تسوية منفردة مع إسرائيل.
تصدعات وحدة المسار والمصير
مع انسحاب الجيش السوري من لبنان عام 2005، بدأ عملياً أول تصدع فعلي في مفهوم "وحدة المسار والمصير". فما بدا منطقياً في لحظة الصراع العربي-الإسرائيلي بصيغته التقليدية، بدأ يفقد كثيراً من مرتكزاته مع التحولات التي شهدها الإقليم، لتأتي بعد ذلك الحرب السوريّة وتساهم في تعميق التحول، ونقل العلاقة بين البلدين من مرحلة التكامل السياسي إلى مرحلة إدارة الضرورات، لكن من دون أن يحل محلها نموذج واضح ومستقر. بمعنى آخر شكلٌ آخر للعلاقة يتماوج بين القطيعة والتنسيق والإدارة الخافتة.
الشيباني اليوم والتوقعات
تكتسب زيارة أسعد الشيباني معناها من كونها محطة فوق دبلوماسيّة. تطرح، بصورة غير مباشرة، سؤالاً عن شكل العلاقة التي يريدها البلدان اليوم. دمشق الجديدة تعود إلى لبنان بشروط مختلفة عن مرحلة ما بعد الطائف. بدوره لبنان تغيب عنه التوازنات التي أنتجت تلك المرحلة.
هكذا يغدو النقاش قطعاً بعيداً عن إحياء "وحدة المسار والمصير"، مرتكزاً حول صياغة علاقة مختلفة، قائمة على التعاون بين دولتين مستقلتين، في ملفات الحدود، والاقتصاد، والنازحين، والأمن، من دون استعادة النموذج السابق أو الاكتفاء بقطيعة السنوات الماضية.
لعلّ التحدّي اللبناني السوري يكمنُ في استعادة الماضي وعدم التنصل منه، إنما في قراءته ببرودة. لأنّ "وحدة المسار والمصير" كانت، قبل كل شيء، وليدة مرحلة إقليمية كاملة، أنتجتها الحرب الباردة، والصراع العربي -الإسرائيلي، وتوازنات الحرب اللبنانية. النظرة إلى اليوم، تكشفُ تغيُّر خرائط النفوذ وأولويات المنطقة التي تُرسَم، وتسأل ما الذي بقي وما الذي غاب عن المشهد. هكذا تبدو زيارة الشيباني لبيروت كأنّها محاولة للتفكير كيف يمكن للبنان وسوريا المحافظة على ما تفرضه الجغرافيا من مصالح مشتركة، بلا أيّ حاجة للعودة إلى الصيغ التي فرضها التاريخ والظروف والإقليم وتبدّلاته.




