ليستِ اللّحظاتُ التّاريخيّةُ مجرّدَ محطّاتٍ زمنيّة، بل اختباراتٌ لقدرةِ الدُّولِ على إعادةِ تعريفِ أدواتِها ضمنَ ثوابتِها الدُّستوريّة ومصالحِها الوطنيّة. في مثلِ هذه اللّحظات، يصبحُ التّحدّي الحقيقيّ هو الانتقالُ من إدارةِ الوقائعِ إلى صناعةِ السّياسات، ومن منطقِ ردِّ الفعل إلى منطقِ بناءِ الاستقرار.
لقد عانى لبنانُ طويلًا من تحوُّلِ قضاياه السّياديّة إلى ساحاتِ تجاذبٍ داخليٍّ وإقليميٍّ ودوليّ. لم يكن الثّمنُ سياسيًّا فحسب، بل طال الاقتصادَ والإدارةَ والاستثمارَ والثّقةَ بالمؤسّسات. من هنا، فإنّ أيَّ نقاشٍ حول الآليّاتِ التي تعتمدُها الدّولةُ في إدارةِ علاقاتها الخارجيّة ينبغي أن ينطلقَ من سؤالٍ مؤسّساتيٍّ واضح في هل تُعزّز هذه الآليّاتُ دورَ الدّولة ومؤسّساتِها، أم تُضعفه؟
إنّ الدُّستورَ لا يقدّمُ تصوّرًا نظريًّا للدّولة، بل يرسمُ حدودَ الاختصاصاتِ وآليّاتِ ممارسةِ السّلطة. في هذا الإطار، فإنّ إدارةَ العلاقاتِ الخارجيّة، كما إدارةَ القضايا المتّصلةِ بالأمنِ الوطنيّ، تبقى من صلبِ مسؤوليّاتِ المؤسّساتِ الدُّستوريّة. هذه ليست مسألةً إجرائيّة، بل تعبيرٌ عن مبدأِ وحدةِ القرارِ السّياديّ، وهو أحدُ مقوّماتِ قيامِ أيِّ دولةٍ حديثة.
في العلاقاتِ الدّوليّة، يبقى التّفاوضُ إحدى الأدواتِ المشروعةِ التي تلجأُ إليها الدُّولُ لإدارةِ مصالحِها وتسويةِ النّزاعاتِ أو الحدِّ من مخاطرِها. لا يمكنُ تقييمُ أيِّ مسارٍ تفاوضيٍّ بمعزلٍ عن أهدافِه ومرجعيّاته ونتائجِه، ولا عن مدى انسجامِه مع الدُّستورِ والقانونِ الدّوليّ والمصلحةِ الوطنيّة.
غير أنّ النّقاشَ العامَّ كثيرًا ما ينزلقُ من تحليلِ السّياساتِ إلى تبادلِ الشّعارات. هنا تكمنُ إحدى الإشكاليّاتِ الأساسيّة. الدّولةُ تحتاجُ إلى نقاشٍ نقديٍّ رصين، لكنّها لا تستفيدُ من مقارباتٍ تُصدرُ أحكامًا مسبقةً من دون تقديمِ قراءةٍ مؤسّساتيّةٍ متكاملةٍ للبدائل. إنّ وظيفةَ النّقدِ في الدّولةِ الدّيمقراطيّة ليست تعطيلَ النّقاش، بل الارتقاءَ به.
إنَّ أخطرَ ما يُواجهُ الدُّولَ في المراحلِ الانتقاليّة ليس تعدُّدَ الآراء، بل استمرارُ مقارباتٍ تقرأُ المتغيّراتِ الجديدةَ بعُدّةٍ فكريّةٍ تنتمي إلى سياقاتٍ سابقة. حينَ يُختزلُ النِّقاشُ في توصيفاتٍ مطلقةٍ، أو في شعاراتٍ تُغفلُ الاعتباراتِ الدُّستوريّة والمؤسّساتيّة، يغيبُ السُّؤالُ الأهمّ، كيف يمكنُ تعزيزُ قدرةِ الدّولةِ على ممارسةِ وظائفِها الحصريّة؟ إنّ المقارباتِ التي لا تنطلقُ من هذا السُّؤال قد تُسهم، من حيثُ لا تقصد، في إطالةِ أمدِ إدارةِ الأزمات، بدلاً من الانتقالِ إلى بناءِ الاستقرار.
لعلّ التّحوّلاتِ الجيو-سياسيّةَ التي تشهدُها المنطقةُ تفرضُ بدورها مقاربةً أكثرَ هدوءًا وواقعيّة. الدُّولُ التي تنجحُ في حمايةِ مصالحِها ليست بالضّرورةِ تلك التي ترفعُ أعلى السّقوفِ الخطابيّة، وإنّما تلك التي تُحسنُ بناءَ المؤسّسات، وتربطُ خياراتِها الاستراتيجيّةَ بقدرتِها على تعزيزِ السّيادةِ وسيادةِ القانون، وتطويرِ الاقتصاد، واستعادةِ ثقةِ مواطنيها.
لا يمكنُ فصلُ منظومة الأمنِ القومي عن مفهومِ الأمانِ الإنسانيّ، كما لا يمكنُ فصلُ السّياسةِ الخارجيّةِ عن الإصلاحِ الدّاخليّ. الدّولةُ التي تسعى إلى استقرارٍ مستدام تحتاجُ، بالتّوازي، إلى قضاءٍ مستقلّ، وإدارةٍ كفوءة، وماليّةٍ عامّةٍ مستدامة، ومؤسّساتٍ تتمتّعُ بالثّقةِ والمساءلة. بذلك فقط يصبحُ الاستقرارُ جزءًا من مشروعِ بناءِ الدّولة، لا مجرّدَ حالةٍ أمنيّةٍ عابرة.
من هنا، فإنّ الانتقالَ من إدارةِ الصّراعِ إلى بناءِ الاستقرار ليس انتقالًا في الأدواتِ وحدَها، بل في الذّهنيّةِ الحاكمةِ للسّياساتِ العامّة. إنّه انتقالٌ من منطقِ إدارةِ الأزماتِ المتكرّرة إلى منطقِ بناءِ المؤسّسات، ومن البحثِ عن تسوياتٍ مؤقّتة إلى ترسيخِ قواعدِ دولةٍ قادرةٍ على ممارسةِ اختصاصاتِها كاملةً، وفقَ الدُّستورِ والقانون.
إنّ لبنانَ يمتلكُ من المقوّماتِ الدُّستوريّةِ والإنسانيّةِ والثّقافيّةِ ما يسمحُ له باستعادةِ دورِه كدولةِ حوارٍ وتعدّديّةٍ وانفتاح. غير أنّ هذا الدّورَ يبقى مرتبطًا بمدى قدرةِ المؤسّساتِ على استعادةِ المبادرة، وبمدى نجاحِ الإصلاحاتِ في ترسيخِ دولةِ القانون، ووحدةِ القرارِ، واحترامِ الاختصاصات.
في نهايةِ المطاف، لا تُقاسُ قوّةُ الدُّولِ بقدرتِها على إدارةِ الخلافاتِ فقط، بل بقدرتِها على تحويلِها إلى سياساتٍ تُنتجُ استقرارًا مستدامًا. حينَ يصبحُ الدُّستورُ المرجعَ الأعلى، والمؤسّساتُ الإطارَ النّاظم، والمصلحةُ الوطنيّةُ البوصلة، ينتقلُ لبنانُ تدريجيًّا من منطقِ إدارةِ الصّراع إلى منطقِ بناءِ الدّولة. دولةٍ حرّة، سيّدة، مستقلّة، تُمارسُ سيادتَها من خلالِ مؤسّساتِها، وتبني مستقبلَها على قواعدِ الشّرعيّة، لا على استدامةِ الأزمات..




