"تفاوض تجريبي": خفض التمثيل في روما ورفع السخونة جنوباً

مانشيت - المدنالاثنين 2026/07/13
Image-1783771632.Jpg
بين حرب تموز 2006 والحرب الدائرة بعد عشرين عامًا، لا يقف لبنان أمام مجرد تكرار لمواجهة سابقة. (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

تنطلق غدًا وبعد غدٍ، 14 و15 تموز الجاري، في روما، أعمال الجولة السادسة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية. وفيما تكتسب هذه الجولة أهمّيّة تنظيميّة لكونها مخصّصة لبحث تشكيل اللجان الأمنيّة والاقتصاديّة وآليّة عملها، فإنّها تترافق مع مؤشّرات إسرائيليّة سلبيّة تضع جدّيّة تل أبيب على محكّ الاختبار، وسط تمسّك لبنانيّ رسميّ بـ"شرط الانسحاب أوّلًا".

من المتوقّع أن تُعقد الاجتماعات في منزل السفير الأميركيّ في روما، وسط إجراءات أمنيّة مشدّدة، بتمثيل ديبلوماسيّ يضمّ السفيرين سيمون كرم وندى حمادة، سفيرة لبنان في واشنطن، عن الجانب اللبنانيّ، وسفير إسرائيل لدى واشنطن يحيئيل لايتر عن الجانب الإسرائيليّ، وبقيادة مستشار وزير الخارجيّة الأميركيّ دان هولر. ووفقًا للأجندة الموضوعة، فإنّ اللجان المعنيّة ستباشر اجتماعاتها فور تشكيلها، كلٌّ على حدة، لتركيز البحث على تثبيت وقف النار، فيما يُستكمل البحث في ملفّ "المناطق التجريبيّة"، بالتنسيق مع الوفد العسكريّ الأميركيّ الموجود في بيروت.

وشهدت الساعات الماضية تراجعًا في المؤشّرات الإيجابيّة نتيجة توجّه تل أبيب إلى خفض مستوى تمثيلها. ونقلت صحيفة "هآرتس" عن مصدر إسرائيليّ أنّ المشاركة ستقتصر على مسؤولين مدنيّين، من دون حضور ممثّلين عن المؤسّستين العسكريّتين، وهي خطوة ربّما تعكس رغبة إسرائيليّة في فرملة الاندفاعة الأميركيّة وتأجيل الحسم العسكريّ الميدانيّ.

ويتكامل هذا السلوك مع الموقف الذي أطلقه السفير الإسرائيليّ لايتر، واعتبر فيه أنّ استمرار أيّ انسحاب مرتبط كلّيًّا بنتائج "التجربة"، مهدّدًا ببقاء قواته في مواقعها الحاليّة إذا لم يستطع الجيش اللبنانيّ تسلّم المناطق بسبب بقاء حزب الله فيها، ورابطًا الانسحاب الكامل بـ"تفكيك الحزب" سلفًا.

في المقابل، جرى تزويد الوفد اللبنانيّ بتوجيهات مباشرة تقوم على ضرورة خروج اجتماعات روما بتحديد سقف زمنيّ واضح لبدء تنفيذ خطّة "المناطق التجريبيّة"، والتمسّك بكامل الشروط اللبنانيّة. وتتلخّص رؤية لبنان الرسميّة في حتميّة انسحاب الجيش الإسرائيليّ من المنطقتين التجريبيّتين المقترحتين في الجنوب، شرطًا إلزاميًّا قبل إحراز أيّ تقدّم إضافيّ في المسار الديبلوماسيّ، على أن يتزامن ذلك مع إعادة انتشار الجيش اللبنانيّ وبدء مرحلة إعادة الإعمار، ورفض الانتقال إلى جولات جديدة من دون خطوات عمليّة مقابلة من جانب تل أبيب.

إذًا، توحي معطيات طاولة روما بوجود فجوة واسعة بين منطقين: منطق لبنانيّ يرى في "اتفاق الإطار" ممرًّا إلزاميًّا لاستعادة السيادة، يبدأ بانسحاب إسرائيليّ فوريّ وملموس من المناطق التجريبيّة، ومنطق إسرائيليّ يستغلّ التفاوض للمناورة وقضم الوقت عبر خفض التمثيل، وقد يسعى إلى تحويل صفة "التجريبيّة" إلى صكّ ابتزاز سياسيّ وعسكريّ للجيش اللبنانيّ. ويضع هذا التعارض جولة روما أمام خيارين: إمّا نجاح المنسّق الأميركيّ في فرض آليّة تنفيذيّة متوازنة، وإمّا تحوّل اللجان المزمع تشكيلها إلى لجان عقيمة. وهذا ما ينقل التحدّي مباشرة إلى قمّة واشنطن بين عون وترامب في 21 تموز الجاري، علمًا أنّ كلّ ذلك يجري تحت وطأة تصعيد ميدانيّ متواصل في الجنوب، قصفًا ونسفًا وغارات.

 

من تموز 2006 إلى تموز 2026: الردع يتبدّل

بين حرب تموز 2006 والحرب الدائرة بعد عشرين عامًا، لا يقف لبنان أمام مجرّد تكرار لمواجهة سابقة، بل أمام تحوّل عميق في طبيعة الصراع وأهدافه وأدواته. في 2006، انتهت الحرب بعد 33 يومًا إلى قواعد اشتباك غير مكتوبة، كرّست توازنًا ردعيًّا نسبيًّا، وحصرت المواجهة ضمن معادلات من نوع "بيروت مقابل تل أبيب" و"حيفا مقابل الضاحية الجنوبيّة". أمّا اليوم، فقد انتقلت إسرائيل من إدارة الردع إلى محاولة إعادة تشكيل البيئة الأمنيّة والسياسيّة في لبنان.

التغيير الأساسيّ لا يرتبط فقط بالتفوّق التكنولوجيّ الإسرائيليّ، بل بالاستثمار الطويل في جمع المعلومات وبناء بنك أهداف يطاول البنية العسكريّة والاجتماعيّة لحزب الله. استفادت تل أبيب من خلاصات لجنة فينوغراد، وطوّرت منظوماتها الدفاعيّة وقدراتها الاستخباراتيّة، ثمّ رفعت سقف أهدافها من إبعاد الحزب إلى شمال الليطاني، إلى تفكيك ترسانته وإنشاء شريط أمنيّ منزوع السكان والسلاح.

في المقابل، يرى حزب الله أنّ المواجهة الأخيرة أظهرت قدرة على تكييف الوسائل البسيطة مع ظروف التفوّق الإسرائيليّ، ولا سيّما عبر استخدام تقنيّات اتّصال وتسليح يصعب تعطيلها إلكترونيًّا. غير أنّ هذا التقييم العملياتيّ لا يلغي الفارق الكبير في القدرة على إحداث الدمار، ولا يجيب عن السؤال السياسيّ الأكثر إلحاحًا: هل تستطيع أيّ معادلة عسكريّة منع إسرائيل من تحويل القرى الجنوبيّة إلى أرض تفاوض بالنار؟

 

"المناطق التجريبيّة": انسحاب مرحليّ أم فخّ دائم؟

تكمن خطورة المصطلح في مرونته. فلبنان يتعامل مع "المناطق التجريبيّة" بوصفها بداية انسحاب متدرّج، يواكبه انتشار الجيش وإطلاق إعادة الإعمار. أمّا إسرائيل، فتتعامل معها كاختبار مشروط النتائج، يمنحها حقّ تقرير نجاح التجربة أو فشلها، وبالتالي حقّ البقاء أو التقدّم أو استئناف العمليات.

هنا تصبح التجربة أداة ابتزاز لا آليّة تنفيذ. فتل أبيب تريد أن يكون الانسحاب مكافأة لاحقة على تنفيذ لبنان شروطًا أمنيّة وسياسيّة، بينما يصرّ لبنان على أنّ الانسحاب هو المدخل الذي يسمح للدولة والجيش ببسط سلطتهما. وبين الموقفين فارق جوهريّ: إسرائيل تطلب من لبنان إثبات قدرته تحت الاحتلال، فيما يطالب لبنان بإزالة الاحتلال كي يتمكّن من ممارسة سلطته.

خفض مستوى التمثيل الإسرائيليّ في روما يحمل، في هذا السياق، أكثر من رسالة. فهو يتيح لتل أبيب تجنّب تقديم التزامات عسكريّة ملزمة، ويحصر النقاش في إطار مدنيّ قابل للتأويل، كما يخفّف قدرة الوسيط الأميركيّ على انتزاع تعهّدات تنفيذيّة من أصحاب القرار الميدانيّ. لذلك، لا تُقاس نتيجة الجولة بعدد اللجان التي ستُنشأ، بل بقدرتها على إنتاج خريطة انسحاب، وجدول زمنيّ، وآليّة مراقبة، وضمانات تمنع إسرائيل من تعطيل التنفيذ بذريعة وجود الحزب.

 

التدمير بوصفه مشروعًا سياسيًّا

العمليات الإسرائيليّة في القرى الحدوديّة لا تبدو مجرّد نتائج جانبيّة للحرب. الاعترافات الإسرائيليّة بشأن تدمير آلاف المنازل وتسوية بلدات كاملة بالأرض تكشف انتقال التدمير من وظيفة عسكريّة إلى وظيفة ديموغرافيّة وسياسيّة. الهدف لم يعد فقط ضرب مواقع عسكريّة، بل جعل العودة مكلفة أو مستحيلة، وتحويل النزوح المؤقّت إلى تغيير سكانيّ طويل الأمد.

حين تتحدّث إسرائيل عن تطبيق "نموذج رفح" في جنوب لبنان، فإنّها تعلن عمليًّا أنّها تريد بناء منطقة عازلة لا عبر اتفاق حدوديّ، بل عبر محو العمران وإفراغ الأرض. ومن هنا، تكتسب إعادة الإعمار بُعدًا سياديًّا. فإعادة بناء بنت جبيل وحداثا وكفرتبنيت والقرى المدمّرة ليست ملفًّا خدماتيًّا يأتي بعد التسوية، بل جزء من الصراع على هوية الأرض وحقّ سكانها في العودة إليها.

التجربة القطريّة بعد حرب 2006 تقدّم مثالًا مضادًّا. آنذاك، تحوّلت المساعدات وإعادة بناء القرى إلى أداة تثبيت للناس في أرضهم. أمّا اليوم، فإنّ أيّ تأخير في الإعمار يمنح المشروع الإسرائيليّ وقتًا إضافيًّا لترسيخ وقائع جديدة، ويحوّل الدمار إلى وسيلة ضغط على الدولة والمجتمع معًا.

 

الدولة بين المفاوضات وسلاح الحزب

موقف رئيس الجمهوريّة جوزاف عون، القائل إنّ الدولة والجيش وحدهما قادران على حماية اللبنانيّين، يضع المفاوضات ضمن معركة داخليّة على تعريف السيادة. فالانسحاب الإسرائيليّ، وانتشار الجيش، وحصر القرار الأمنيّ بالدولة، حلقات مترابطة، لكنّ ترتيبها يشكّل جوهر الخلاف اللبنانيّ.

يرى حزب الله وحلفاؤه أنّ نزع السلاح قبل الانسحاب يعني تقديم تنازل مجانيّ لإسرائيل، فيما تعتبر قوى أخرى أنّ بقاء السلاح خارج الدولة يمنح تل أبيب الذريعة الدائمة لمواصلة الاحتلال والضربات. وبين الموقفين، تحاول الرئاسة صياغة مسار يبدأ بانسحاب إسرائيليّ ملموس، ويعيد للدولة المبادرة، من دون الانزلاق إلى مواجهة داخليّة أو فرض شروط إسرائيليّة تحت النار.

لذلك، لا يستطيع الوفد اللبنانيّ الذهاب إلى روما بتفويض تقنيّ فقط. إنّه يحمل عبء إثبات أنّ التفاوض ليس غطاءً لتكريس الاحتلال، وأنّ الدولة لا تطلب وقتًا إضافيًّا من الجنوبيّين، بل تسعى إلى تحويل الوقت إلى انسحاب وعودة وإعمار.

 

واشنطن أمام امتحان الضمانات

نجاح روما لا يحتاج إلى مزيد من الصياغات الديبلوماسيّة، بل إلى قرار أميركيّ بالضغط على إسرائيل. فإذا اكتفت واشنطن بإدارة الحوار ومنع انهياره، ستتحوّل المفاوضات إلى آليّة لاحتواء الاعتراض اللبنانيّ، فيما تواصل إسرائيل فرض وقائعها الميدانيّة.

أمّا إذا انتقلت الإدارة الأميركيّة إلى ضمان التنفيذ، فإنّ قمة عون وترامب تستطيع البناء على نتائج ملموسة: انسحاب من منطقتين محدّدتين، انتشار سريع للجيش اللبنانيّ، وقف عمليات النسف، وإطلاق مسار إعادة الإعمار. عندها فقط يمكن الحديث عن اختبار جدّيّ لاتفاق الإطار.

وتمثّل المبادرة النيابيّة الداعمة لتجديد ولاية "اليونيفيل" محاولة لتوفير شبكة أمان دوليّة موازية. فالفراغ الدوليّ في الجنوب، بالتزامن مع احتلال إسرائيليّ واستمرار الغارات، لن يقوّي الدولة، بل سيجعلها أكثر انكشافًا. لذلك، يصبح تعزيز دور الجيش و"اليونيفيل" جزءًا من مسار واحد، شرط ألّا تتحوّل القوة الدوليّة إلى شاهد على خروقات لا تملك القدرة على وقفها.

 

روما بين إنقاذ الاتفاق وتكريس المراوحة

المشكلة في الجولة السادسة ليست غياب الأفكار، بل غياب التوازن بين الالتزامات. لبنان مطالب بالانتشار وضبط الأرض ومعالجة ملفّ السلاح وطمأنة المجتمع الدوليّ، فيما ترفض إسرائيل تقديم الانسحاب بوصفه التزامًا غير مشروط. وإذا استمرّ هذا الاختلال، ستتحوّل اللجان الأمنيّة والاقتصاديّة إلى غطاء بيروقراطيّ لواقع عسكريّ تفرضه تل أبيب.

المعيار الحاسم واضح: هل يعود الجيش اللبنانيّ إلى أرض تنسحب منها إسرائيل، أم يُطلب منه الانتشار تحت سقف الاحتلال والتهديد؟ وهل تبدأ إعادة الإعمار بالتوازي مع الانسحاب، أم تبقى القرى المدمّرة رهينة اختبار تحدّد إسرائيل شروط نجاحه؟

لهذا، تبدو روما محطة سياسيّة تتجاوز حدود الجولة السادسة. إمّا أن تفتح الباب أمام مسار يعيد إنتاج السيادة تدريجيًّا، وإمّا أن تكشف أنّ المفاوضات تحوّلت إلى امتداد للحرب بوسائل ديبلوماسيّة. وفي الحالتين، لن تكون البيانات الختاميّة هي الفيصل، بل ما سيحدث في القرى الحدوديّة في اليوم التالي: انسحاب وانتشار وإعمار، أم مزيد من النسف والتوغّل وقضم الأرض.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث