لكن ما الذي فعلهُ عزمي بشارة؟

محمود وهبةالأحد 2026/07/12
عزمي بشارة (Getty)
انطلقَ عزمي بشارة من فلسطين الوطن المفقود، وفكرة النموذج عن التحرر العالمي، واصلاً في رحلته إلى تخوم أسئلتها الكبرى
حجم الخط
مشاركة عبر

يُفَصِّلُ أنطونيو غرامشي، في معرضِ حديثه عن السياسة، أنّ مِنْ أكثرِ أشكال السلطة رسوخاً وأعمقها أثراً، هي تلكَ التي تنجحُ بدايةً في إنتاج المعنى، وتسهِمُ مع امتدادِ التجربة والمِراس في جعل روايتها تبدو للعالم بديهيّة وطبيعيّة إلى درجةٍ لا تحتاجُ معها إلى دفاع. بتعبيرٍ آخر، تنتقلُ المعركة إلى مصاف اللغة التي تُستَخدم لوصف الأشياء، متبوعةً بالمفاهيم التي يُفسَّر التاريخ على أساسها، ولا تنتهي بالرواية التي تُقَدَّم ليقتنع بها العالم.

ربما من هنا يُمكنُ قراءة التحريض الإسرائيلي على المفكِّر العربي د. عزمي بشارة. الأمر يتخطّى فكرة السِّجال مع رجل. يتخطّى أيضاً سرديَّة الموقف السياسي المُنَاوِئ. يُمكِنُ النظر إليه اليوم بما يُجسِّدهُ من بوابة تطلُّ على القلق الذي يسكن المؤسسة الإسرائيلية نفسها. لافتٌ اليوم أنَّ صحيفة محسوبة على اليمين الإسرائيلي تتجاهلُ ميادين إجرام إسرائيل الكثيرة المشرّعة وتضعُ في مركز مخاوفها مفكراً، وتصفه بأنه أشد خطراً من قوى إقليمية تمتلك جيوشاً ودولاً.

 

ماذا فعلَ بشارة؟

خلال تجربته الممتدة منذ ما يقارب 45 عاماً، قام مشروع بشارة على إنتاج أدوات المعرفة والفهم. وانصرف إلى العمل على بناء قاموس سياسي وفلسفي عربي قادر على تناول ومناقشة مفاهيم الدولة، والمواطنة، والطائفية، والديمقراطية، والاستعمار الاستيطاني، والهوية، والثورات العربية. قاربَ كلّ هذه المفاهيم التحليليّة من داخل التجربة العربية، بعيداً من ترجمة مفاهيم الآخرين. بعبارة أخرى، حاول بشارة أن يغيّر موقع المثقف العربي نفسه. انطلاقاً من رهانه على المعرفة التي يعتبرها أحد الميادين الأساسية لممارسة العمل السياسي.

المواقف السياسيّة تنتهي بانتهاء مناسباتها ومواقيتها. في حين تبقى المفاهيم قادرة على مقاربة الوقائع الجديدة وتفسيرها. لذا يصعبُ اختزال تجربته وأفكاره في نطاق فلسطين أو في نطاق القراءة لأي لحظة سياسيّة. فالرجل كرَّس على مدى نصف قرن من الاشتغال إطاراً نظرياً يسمحُ ويمهِّدُ لفهم الأحداث وتأويلها.

 

ضد الرواية الإسرائيلية

نجحت إسرائيل لعقود في تقديم نفسها، في جزءٍ واسعٍ من الغرب، باعتبارها "الديمقراطية" الوحيدة في الشرق الأوسط، والضحيّة الدائمة، والحليف الأخلاقي الذي لا يجوز لكائنٍ المساس به. كلّ هذا كان نتاجاً للجامعات التي تسيطر عليها وتغذيها ومراكز التفكير، والإعلام، وأماكن ومنتديات صناعة المعرفة.

يقول لنا هذا إنّ إسرائيل، القوة العسكرية، تفوّقت طويلاً في إنتاج الرواية أيضاً. من هنا، يمكنُ النظر إلى الإرباك الإسرائيلي الذي ينتجُ عن ظهور خطاب ينافسها في الحقل الذي اعتقدت طويلاً أنه حقلها الخاص. لذلك لم يكتفِ كاتب "معاريف" بالتحذير من تأثير بشارة ومشاريعه، واستفاض في الحديث عن المؤسسات التي أسهمَ في بنائها، وعن المراكز البحثية والمجلات التي نتجت عن مشروعه. وكأنّ كلاينر، يشيرُ إلى قدرة المفكّر العربي على تحويل الأفكار إلى مؤسسات قادرة على توجيه رأي عام وخطابٍ عام يتراكم تباعاً في العالم، وهذا التراكم شيئاً فشيئاً يصلُ إلى حدود المدرسة الفكريّة. 

لو قررنا العودة إلى مفتتح غرامشي في بداية المقالة لرأينا أنّ المعرفة شرطٌ للهيمنة، كما أنّها في الوقت عينه شرطٌ لمقاومتها. فالمعرفة، حين تتمظهرُ في مؤسسات تتجاوزُ صاحبها، وتُصبح بعد ذلك أقل ارتباطاً بالشّخص وأكثر صلةً وقدرةً على إنتاج أجيال جديدة من المستمعين والباحثين والكتّاب والمترجمين وربما المفكرين. لهذا السبب لم يبدُ التحريض موجهاً إلى عزمي بشارة بقدر ما بدا موجهاً إلى فكرته في إنتاج معرفة عربية مستقلة، قادرة على الدخول في النقاش العالمي من موقع الندّية والحقّ، وهذا ما تقوم عليه أفكار بشارة وطروحاته.

 

قراءة فاحصة 

ثمة فارقٌ كبيرٌ بين الاختلاف مع مفكّر، وبين تحويله إلى تهديد وجودي. ذلك أن هذا النوع من التحريض لا يقولُ كثيراً عن عزمي بشارة نفسه بقدر ما يكشف حجم القلق من الفكرة التي يمثلها. وقطعاً، ليس من المطلوب، أن يتحول المفكِّر العربي إلى شخصية فوق النقد. كلُّ مشروع فكري كبير قابل للنقاش، والمراجعة، والاختلاف والنقد والتشريح على طاولة الزمن والأفكار. 

حين تصل دولة تمتلك واحداً من أقوى الجيوش في العالم إلى اعتبار مفكر من أخطر خصومها، هنا يستحقُّ الأمر البحث عن الأسئلة التي طرحها بشارة والمعرفة التي أنتجها حتى أصبحت تُقلق القوة الإسرائيليّة إلى هذا الحدّ. هكذا يدخلُ كلامُ "معاريف" في خانة الاعتراف غير المقصود بأنّ بشارة أدخلَنا في مرحلة غدَت فيها الرواية في موازاة أهمية القوة.

 

أفكار وطروحات

كشف إدوارد سعيد العلاقة الوثيقة بين المعرفة والسلطة، كتبَ عنها انطلاقاً من كونها فعلاً أكاديمياً خالصاً وجزءاً من الصراع على تمثيل الشعوب وصياغة صورتها في العالم. يُمكنُ قراءة تجربة عزمي بشارة، في وجوهها الكثيرة، بوصفها امتداداً لهذا الرهان، رهان على بناء معرفة عربية تتخطّى الاعتراض على الرواية السائدة، وتنافسها في تفسير التاريخ والواقع.

تستطيعُ إسرائيل احتلال الأرض، تستطيع أيضاً ادعاءَ انتصارها في الحرب. لكنّها مع أفكار بشارة لا تستطيع أن تحتكرَ هذه الأرض إلى الأبد، كما لا يُمكنُها أن تضمن انتصار سرديّتها وحروبها الكثيرة في الوعي العالمي. 

لربما أصابت "معاريف" في خوفها. لأنّ المعرفة وتراكمها تساهم في هدم المسلمات التي تقوم عليها الدول. هنا يغدو رهان بشارة مشروعاً عاماً لم يبقَ في الإطار النظريّ. اقترن، على امتداد سنوات، ببناء مؤسسات بحثية وأكاديمية وإعلامية هدفت إلى إنتاج المعرفة العربية بصورة منهجية، وإلى فتح فضاء للنقاش العلمي حول قضايا الدولة، والديمقراطية، والثورات، والاستعمار الاستيطاني، والتحولات العربية. لربما هنا تكمن خصوصية التجربة، إذ سعى عزمي بشارة بكتابة الأفكار وإنتاجها، إلى بناء البيئات التي تسمح لهذه الأفكار بأن تُناقش، وتُختبر، وتستمر.

 

فلسطين وأشياء أخرى

انطلقَ عزمي بشارة من فلسطين الوطن المفقود، وفكرة النموذج عن التحرّر العالمي، واصلاً في رحلته إلى تخوم أسئلتها الكبرى. منها ومعها اختبرَ معنى الحرية، وحق الشعوب أن تكتب تاريخها بنفسها. بعد 45 عاماً تجاوزت فلسطين، في قراءته، حدود الجغرافيا لتصبح إحدى القضايا الكونية التي يُقاس بها معنى العدالة في العالم المعاصر. ومعه أصبحَ الدفاع عنها دفاعاً عن فكرة التحرر نفسها.

تفتح مقالة "معاريف" قصة عزمي بشارة الذي اختار أن يخوض معركته في المكان الأصعب الذي تُصنع فيه المواقف والأفكار. مكانٌ يُقاسُ بقدرة فكرة ما على البقاء والوصول وفتح الأسئلة التي ظُنّ أنها أُغلقت. ولعلّ المفارقة أن محاولة تقليص أثر مفكر قد تكون أحياناً الدليل الأكثر سطوعاً على أنه نجح في الوصول إلى مكان تصبح فيه الفكرة نفسها موضوعاً للقلق.

ربما، غالباً، وعلى الأرجح، لن يحفظَ التاريخ اسم من يملك القوة الأكبر، إنّما سيتذكَّر تماماً ذاك الذي استطاع أن يتركَ خلفه سؤالاً وأبواباً بعيدة وعصيّة على الإغلاق.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث