قول على قول الانزياح الجنبلاطي

أحمد جابرالسبت 2026/07/11
5.jpg
الانزياح ممارسة سياسية جنبلاطية (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

قرأ السيد وليد جنبلاط الاتفاق الإطار في صيغة مذكّرة قدمها للمجلس المذهبي لطائفته. بَدَتْ العناية بالنصّ واضحة لجهة تفنيد "الإطار" ولجهة تبويبه ووضع خلاصته، أمّا اللغة فكانت واضحة في باب المثالب والأخطار، وفي باب المقارنة بين اتفاق اليوم واتفاق الهدنة سنة 1949 واتفاق أيار سنة 1983. لم يفت السيد جنبلاط التركيز على المسافة مع "الهدنة"، وعلى القرب من 17 أيار واشتراكه معه في الخطر الوطني الذي انطوى عليه.

آذن النصّ بمباشرة انزياحٍ جنبلاطي واضح، فاقترب من المعارضين الشيعة وغير الشيعة، اقتراب انسجام لم يلامس التطابق، لكنه دخل ساحة الانحياز المدروس، الذي يخاطب موقف الرئيس نبيه برّي، الحليف المستدام لوليد جنبلاط، في مساق التقلبات والانقلابات لمعادلات البنية اللبنانية.

 

الانزياح ممارسة سياسية جنبلاطية. بوصلة الانحياز قراءة المصالح ودراسة معطياتها وخلاصة حساباتها. على هذا الصعيد، لا تفترق جنبلاطية "الوليد" عن جنبلاطية "الكمال"، لكنها تفارقها في بند "المبدئية القيمية"، التي تبقى لصيقة بثوابت الجنبلاطية السياسية، في الخلاف وفي التوافق وفي إدارة معارك الحفاظ على مواقع ومكتسبات الطائفة الكيانية.

وبعد، وطلبًا للدقّة والفائدة، لا تقرأ المذكرة الجنبلاطية قراءة نصيّة فقط، بل تُعرض عرضًا منهجيًّا أيضًا، بحيث يُستنطقُ النص على ضوء سياقه، وعلى جادّة الربط بين مضمونه وقاعدته الفكرية-السياسية، ليكون ممكنًا كشف الأهداف المقصودة، ولتكون الخلاصات حاضرة الوجود، في ثوب ما أعلن منها، وفي جلباب ما بقي منها طيّ الححب والاحتجاب.

من النصّ. عابَ وليد جنبلاط على الاتفاق مضمون بنوده، وحدّد الخطر الكامن ضمن هذه البنود.

يسأل الوليد، عن فلسفة بنود الاتفاق، ليجيب أنها لا تشير إلى الاحتلال كسبب مركزيّ للصراع، وتحيل السبب إلى نتيجة مشروطة بعلاقتها بالوضع الداخلي، ولا تحفظ حق لبنان في مقاومة الانتهاكات قانونيّا وسياسيّا....

ننحّي المقارنات التي ساقتها المذكرة، فنختصر بخلاصتين: الأولى، هي أن المنهج كان غائيًا من نقطة انطلاقه، ولم يكن تطوّريًا استدلاليًا. في الأمر هذا، منطق السياسة المباشرة التي تحدد هدفها مسبقًا، ثم تستغرق في عرض حيثيّاته.

الخلاصة الثانية، هي أن السرد كان انتقائيّا استقدم ما واءم الهوى، ثم هوى حين استبعد ما لا يأتلف والهوى.

إذن، كيف كان ذلك؟

في صيغة الصريح الذي قيل؛ والصحيح المسكوت عنه، نورد معادلة الواقع بطرفيها، وعليه يتسنّى لصوت السؤال أن يلقى صدى الجواب.

 

في ظل العنوان المعادلة:

الاحتلال الإسرائيلي هو أساس النزاع التاريخي، هذا صحيح، لكن الصحيح أيضًا، أن إدارة النزاع هي من مسؤولية الداخل اللبناني، إذن. ماذا هذه الإدارة؟ ماذا عن أطرافها؟ أين الخطأ وأين الصواب؟ وكيف تحدد المسؤوليات.

 

نكمل على جادة المعادلة:

ترى المذكرة الجنبلاطية أن "الإطار" يحمل تحوّلاً في مقاربة الصراع اللبناني الإسرائيلي، لا ينطلق من إنهاء الاحتلال، بل يجعل السلاح سبباً للنزاع، فينقل المشكلة إلى الداخل اللبناني. تحمل الإشارة هذه صحيحاً ناقصاً، لكن ماذا عن تتمَّة صحيحها؟ أليس السلاح "المستقلّ" اليوم عاملاً أساسيّاً من عوامل الخلاف الداخلي اللبناني؟ وهل ثبت السلاح في موقعه الدفاعي الوطني، أم أنه أضاف إليه انخراطاً خارجيّاً لا علاقة له بمصالح اللبنانيين الوطنية.

يخشى وليد جنبلاط من تقييد العروبة اللبنانية، مثلما يخشى أثر ذلك على موقع لبنان، من حقّه الصحيح أن يخشى ذلك، لكن كيف يحدّد موقع لبنان اليوم عربيّاً؟ وكيف يُعرَّف الموقف اللبناني في صيغته المعلومة للقاصي والداني. وإذا كانت الوصاية الأميركية مرفوضة... وإذا كان حق لبنان في المواجهة السياسية والقانونية دفاعاً عن مصالحه مطلوباً... يظلّ النص المغيَّب "لغاية في نفس..." جنبلاط طواها، هو نصّ معاينة الوصاية الداخلية على الداخل، من خلال تجميد اتفاق الطائف، والتلاعب ببنوده، ومخالفة "فلسفته"، والتوافق على توزيع "البلد" حصصاً ومراكز غنيمة ونفوذ...

 

إحاطة عامة:

 لقد حذَّر وليد جنبلاط من حصول ما هو حاصل في الأصل، قبل الاتفاق الإطار، ويبدو أنه سيتواصل بعده، ولعلَّ هذا من عوامل التبدّل التي تؤرق وليد جنبلاط، فيحذر في مطالعته- المذكرة، من إعادة تشكيل الداخل. هذا سطر من سطور "القصيد" النقدي الجنبلاطي، فالتوازن الداخلي ومراقبة حركات أكَفّ موازينه يظل الشغل الشاغل لكلّ "الجنبلاطية". هل الحذر صحيح؟ نعم هو كذلك؟ لكن وعلى ذات جادة طلب استكمال النصّ، ما التعديلات التي أدخلت على البنية الداخلية قبل اتفاق الطائف وبعده؟ من كان "أبطال" التعديل وصنّاعه؟ ثمة جواب قديم، الجنبلاطية جزء منه، هو إن "النظام الطائفي اللبناني هو المسؤول... وأن قوى الانعزال هي المسؤولة... وأن المراهنات على الخارج الأميركي والرجعي العربي... مسؤولة أيضاً..."؟ واليوم وبمفعول يومي، كيف يحدّد وليد جنبلاط، بمذكّرة ومن دون مذكَرة المسؤولين عن التعديل الذي أصاب البنية اللبنانية وتوازناتها؟ الجواب الأقرب هو أن الشيعية السياسية قامت بالدور التعديلي الأساسي، وأن "الجنبلاطية" كانت شريكاً وازناً في أكثر من محطة من محطات التعديل والتبديل.

 

خلاصة:

لقد ختم "الزعيم" وليد جنبلاط مذكرته بخلاصة كثّفت هواجسه المضمرة، بسطور معلنة، فوضع لبنان بين: إمّا بقاء الاحتلال، وإمّا انفجار الداخل! ووجد في ذلك مصلحة إسرائيلية.

قول على قول الخلاصة، إنها ضيّقة المخارج، فأمام لبنان غير "إمّا وإمّا" فإذا توسَّعت الخيارات أمكن إفشال الهدف الإسرائيلي الذي يعمل على شرذمة لبنان.

أمام اللبنانيين اقتراح رسمي يقوده رئيس الجمهورية، وجد ترجمته في "الإطار" المرفوض شيعيّاً... ونحسب أنه مرفوض الآن درزياً.

ومعروض على اللبنانيين اقتراح آخر، يؤكد على ضرورة الاستمرار بالمقاومة. الاقتراحات ليست على طريقة طلب الاختيار بنعم أو بلا، بل هما موضوعان للنقاش الوطني المسؤول، وهما قابلان لأن يقتربا فيصيران خياراً جامعاً، هذا إذا كان الهدف حماية المصالح الوطنية، وحماية لبنان.

نعترف، أن الاتفاق الإطار لم يحقق غايته البدئية، أي وقف الأعمال العدائية، لكي يبنى على التنفيذ الابتدائي ما يليه من بنود تنفيذية. ونعترف أن إسرائيل تعمل في ظل الاتفاق على إنشاء وقائع ميدانية يخشى أن تصير أمراً واقعاً، ونعترف، إن الشهيّة الإسرائيلية على استثمار العدوان مفتوحة على أرضنا ومائنا وسمائنا وقرارنا... لذلك، يقتضي الأمر مطالبة رئاسة الجمهورية ومعها رئاسة الحكومة، ومعهما سائر الداعمين، التلويح بإجراءات رسمية حيال آلية التفاوض، وبدعوة الضامن الأميركي والداعم العربي والغربي، إلى إلزام إسرائيل بوقف عدوانها. إذن من دون طلب الخروج على الاتفاق أو منه، نطلب فرض تنفيذه، أو نرجئ أكثر من لقاء تفاوضي، ما دامت الأمور لا تتعدى حاجز التوافق الكلامي.

 

وفي السياق الرسمي أيضاً، ماذا في يد لبنان كي يقدمه للشعب وللمعترضين، كثمرة أولى من ثمرات اتفاقه؟ حتى الآن لا شيء، عليه، لماذا تكبّل "أميركا" اللبناني فلا تطلق مساعدته المالية، ولماذا تضم شرطها الاقتصادي إلى شروط الإسرائيلي؟ ولماذا ربط دعم الحكم في مبادرته الإنقاذية، بشريط "عبوة" الداخل المفخخة بالسلاح، وبرفض السلوك التفاوضي في بنوده الأساسية؟ من أراد مساعدة لبنان عليه المبادرة الآن، ومن يسعى إلى المساهمة في إنقاذ لبنان من خلال مؤسساته عليه أن يسارع إلى تسهيل مهمته في كافة الميادين.

على صعيد رفض الثنائي الشيعي وخطابه، نعترف فقط بأن سلوك فريق واسع من اللبنانيين حيال الثنائي في محنته، لم يكن سلوكاً وطنيّاً مسؤولاً. المسؤولية السياسية كانت تقتضي طي الخلاف مؤقتاً، ومدّ يَدِ الإنقاذ، بديلاً من "شحذ السكاكين" التي آنس أصحابها فرصة لاستثمار نتائج العدوان في ميزان المعادلة الداخلية.

تتمة الاعتراف أعلاه، يجب أن يتبعه اعتراف من قبل "المقاومة" أوّلاً بأن خطابها لم يعُد خطاباً راهناً، لأنه فقد عموميته تباعاً بعد عام التحرير ثم تدحرج فطغت عليه خارجيته التي تحدّث عنها اللبنانيون ولم تنكرها "المقاومة الإسلامية" اللبنانية، التي خسرت الكثير من لبنانيتها.

عليه، يجب أن تقدّم "المقاومة" اعترافها بلغة مغايرة، هذا لأن لغة "التسخيف والتحقير والذّم..." في معرض الحديث عن المبادرة، أو عن سواها، باتت لغة مذمومة من قبل السامع، ومن قبل المتابع أيضاً.

 

ختاماً: 

جمع اعتراف الحكم بعدم "مثالية" اتفاقه، واعتراف المقاومة بعدم "نجاعة" نهجها، واستعدادها لنقاش توافقي بغية صياغة انسجام جديد، يتولّى حمله ومتابعته الأخ "الأكبر"، أو عدد من الإخوان "الأصغر"، هو السبيل إلى استدراك ثغرات المعطى الرسمي، أي الاتفاق، وهو الطريق إلى مباشرة عودة المقاومة إلى "بيتها"، البيت اللبناني الذي يجب أن يكون ثابت الأركان.

إذن، نتجاوز "إمّا" الشرطيّة- التحذيرية، التي قالها "زعيم المختارة"، إلى أكثر من نافذة استدراكية مسؤولة... فهل تضمّ الجنبلاطية القلقة جهدها ودعوتها، إلى ابتكار صيغة إنقاذية؟ ألا ترى الجنبلاطية أن الإنقاذ متعدّد الأبواب؟ وأن الإقامة مستحيلة في مقام مخلّع الأبواب؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث