المسؤوليةُ الوطنيةُ ومبدأُ العداءِ لإسرائيل

د. زكي جمعةالسبت 2026/07/11
Image-1777050151
المسؤوليةَ الوطنيةَ ومبدأَ العداءِ لإسرائيلَ أساسًا لمعنى الوجودِ الكيانيِ اللبنانيِ(Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لنبدأْ مع ميشال شيحا المفكرِ الرؤيويِّ، أب الفكرةِ الكيانيةِ والمنظِّرِ لها، واضعِ دستورِ 1926، فقد كتبَ في جريدةِ لوجور الفرنسيةِ بتاريخِ 5/12/1947 يشرحُ خطرَ الكيانِ الصهيونيِّ على العالمِ، فقالَ: إنَّ قرارَ تقسيمِ فلسطينَ لإنشاءِ الدولةِ اليهوديةِ، لمن أضخمِ الأخطاءِ في السياسةِ المعاصرةِ... وليسَ من بابِ امتحانِ العقلِ إذا قلنا إنَّ هذا الحدثَ الصغيرَ سيسهمُ في زعزعةِ أسسِ العالمِ. وفي وثيقةٍ كتبها في العامِ نفسِهِ قالَ:
"لبنانُ بجغرافيتِهِ وهويتِهِ لا يستطيعُ أن يعيشَ مع كيانٍ عنصريٍّ مجاورٍ قائمٍ على الاستعبادِ..." مؤكدًا: "أنَّ هذا المشروعَ يمثّلُ نقيضَ فلسفةِ لبنانَ في التعددِ والتسامحِ."
هذا هو خطابُ البدءِ، فما مدى تموضعِ السياسيِّ اللبنانيِّ المعاصرِ في تجربةِ فلسفةِ لبنانَ؟ في هذا المجالِ نلاحظُ عدمَ فهمٍ من قبلِ بعضِ الساسةِ اللبنانيينَ وعدمَ درسِهم الأخلاقيةَ اللبنانيةَ بوصفِها نتاجًا مزجيًّا لتفاعلِ أخلاقياتِ المسيحيةِ والإسلامِ، التي تتعارضُ وأخلاقياتِ العنصريةِ والتطرفِ والاستثمارِ والاحتلالِ.

وهذا يعني انحرافًا جهلانيًّا سياسيًّا عن فحوى ومعنى الكينونةِ اللبنانيةِ التي ينظرُ لها ميشالُ شيحا وكتبَ دستورَها. إنَّ مقاربةً اجتماعيةً تاريخيةً ينهضُ بها رجالُ الاجتماعِ السياسيِّ كما فعلَ شارلُ مالكٍ وحميدُ فرنجيةَ سابقًا، وعلى خطى ميشالِ شيحا، تكشفُ للبنانيينَ منطقَ وحدتِهم الوطنيةِ، ومدى كونِهم مواطنينَ لدولة تمثّلَ فلسفتِها الإسلاميةِ-المسيحيةِ المناقضةِ لفكرِ الاستعبادِ الصهيونيِّ، وينكشفُ التصورُ الخفيُّ للنزاعِ بين الفكرةِ اللبنانيةِ والفكرةِ الصهيونيةِ، بعيدًا من الجهلانيةِ السياسيةِ التي يعيشُها بعضُ الساسةِ اللبنانيينَ، ويتحررُ اللبنانيُّ من سلفيتِهِ الطائفيةِ: "أنا أنتَ يا أخي، نحنُ وجهُ الرحمنِ" كما قالَ ميخائيلُ نعيمةَ الأرثوذكسيُّ لكمالِ جنبلاط الدرزيِّ، في تقديمِهِ لكتابِ الأخيرِ "فرح".


إنَّ المسؤوليةَ الوطنيةَ تؤكدُ بقوةٍ على الدفعِ باتجاهِ تعميقِ التمازجِ اللبنانيِّ - اللبنانيِّ، الإسلاميِّ المسيحيِّ، بعيدًا مِنَ الساعينَ وراءَ مصالحِهِمُ المحليةِ الضيقةِ في خطابِهِمْ، الموهومينَ بإمكانيةِ تصدُّرِهِمُ المشهدَ الزعاماتيَّ اللبنانيَّ، وتشكيلِهِمْ مرجعيةً سياسيةً تسمحُ لنفسِها بحيازةِ كميةٍ من القوةِ، تتيحُ إعادةَ تكوينٍ هندسيٍّ للفكرةِ الكيانيةِ اللبنانيةِ، والفكرِ السياسيِّ الذي مثَّلَهُ نخبةٌ من المفكرينَ اللبنانيينَ.
هنا الصراحةُ والشفافيةُ هما شرطانِ ملازمانِ لكلِّ أخلاقيةٍ سياسيةٍ جامعةٍ، فهل يريدُ اللبنانيونَ وطنَهُمْ ملحقًا بمداراتٍ عنصريةٍ توسعيةٍ وفاضحةٍ لها؟ أم يريدونَهُ دولةً لبنانيةً رساليةً جامعةً، مثلما قالَ البابا يوحنا بولسُ الثانيُ؟
لقد كانَ الفكرُ السياسيُّ اللبنانيُّ الذي أرسى قواعدَهُ ميشالُ شيحا، ويوسفُ السودا، وشارلُ مالكٍ، وحميدُ فرنجيةَ، في بداياتِ مأسسةِ الكيانِ اللبنانيِّ، أمينًا لإبداعِهِ العقلانيِّ التاريخيِّ، في جعلِ لبنانَ رائدًا حضاريًّا، ثقافيًّا، إعلاميًّا، معرفيًّا، إنسانيًّا، وخدميًّا في محيطِهِ، فما بالُ الراهنينَ لا يفقهونَ أخلاقياتِ هذا الفكرِ، ويمارسونَ الجفاءَ معَهُ، وانخفاضَ المستوى؟


في ثقافتِنا الشعبيةِ اللبنانيةِ المشتركةِ: "الوجهُ الذي تقابلُهُ كلَّ يومٍ كيفَ تسمحُ لكَ عينُكَ بمقابحتِهِ؟". نعم، المقابحةُ بدايةُ حربٍ، والمسامحةُ بدايةُ محبةٍ. هنا نتساءلُ: هل يعلمُ أو يعرفُ اللبنانيونَ مدى تحوُّلِهِمْ شعبًا موحدًا في تاريخِهِمْ، واجتماعِهِمْ، بقوةِ الثقافةِ المجتمعيةِ، وقوةِ المحبةِ، لا بالتنافرِ أو التضادِّ؟
اللبنانيونَ المتقابلونَ يوميًّا، الذينَ اجتمعوا على الفكرةِ الكيانيةِ اللبنانيةِ الرساليةِ، ما الذي يجعلُهُمْ يتقابحونَ فيما بينَهُمْ، عندما يُعرَضُ عليهِمْ وهمٌ تجهيليٌّ مآلُهُ التصافحُ معَ العدوِّ الإسرائيليِّ؟ ماذا يبقى لهُمْ من لبنانيتِهِمْ، أو ماذا يبقى منهُمْ كلبنانيينَ؟
المسؤوليةُ الوطنيةُ أن نعرفَ بعضَنا، ونعرفَ وجهَ الرحمنِ فينا، ونعرفَ وجهَ الإنسانِ، لنعرفَ وجهَ عدوِّنا العنصريِّ المتوحشِ. هذه مسألةٌ تفرضُها على فهمِنا قوةُ فكرِنا السياسيِّ الإنسانيِّ الذي أرساهُ المؤسسونَ. هذه مسألةُ درسِ معنى كونِنا مواطنينَ لبنانيينَ، ودرسٌ عن كونِنا جماعةً واحدةً.


إنَّ المقتضياتِ الفكريةَ، المصدرَ الأساسيَّ للفكرِ السياسيِّ اللبنانيِّ، تُبرزُ المسألةَ الوطنيةَ: المسؤوليةَ الوطنيةَ ومبدأَ العداءِ لإسرائيلَ أساسًا لمعنى الوجودِ الكيانيِّ اللبنانيِّ. إنَّها مسألةُ المقدسِ في الفكرِ السياسيِّ اللبنانيِّ الأوليِّ، ولا تحطِّمُها انتهاكاتُ السلوكياتِ الجهلانيةِ السياسيةِ عندَ البعضِ، والتي أساسُها جهلُ الذاتِ بمقدساتِها السياسيةِ، والدينيةِ، والإنسانيةِ، والأخلاقيةِ، واللبنانيةِ.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث