بعيدًا من موقفي الشخصي من مجمل الصراع العربي الإسرائيلي، وبعيدًا من الجدل السياسي… كيف يمكن تحسين الاتفاقية الإطارية بما يحفظ مصالح لبنان؟
بغضّ النظر عن الانقسام السياسي القائم في لبنان حول مبدأ المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة مع إسرائيل، وهو انقسام مشروع ويعكس تباينًا في الرؤى والمواقف، فإن من المفيد أن ننظر إلى الاتفاقية الإطارية بعينٍ موضوعية، بعيدًا من الاصطفافات السياسية، وأن نقيمها على أساس مدى قدرتها على حماية المصالح اللبنانية وتحقيق استقرار مستدام.
فأي اتفاق دولي لا يُقاس فقط بحسن النوايا، بل بتوازن الالتزامات، ووضوح آليات التنفيذ، وضمان حماية حقوق وسيادة كل طرف. ومن هذا المنطلق، تبرز عدة نقاط تستحق إعادة النظر عند مقارنة الاتفاقية الإطارية الجديدة باتفاقية الهدنة لعام 1949.
أولًا، كانت اتفاقية الهدنة أكثر وضوحًا في مسألة الانسحاب الإسرائيلي، إذ لم تربط تنفيذ الانسحاب باستحقاقات داخلية لبنانية. أما في الاتفاقية الجديدة، فقد أصبح الانسحاب مرتبطًا بتنفيذ إجراءات أمنية داخل لبنان، وهذا ما قد يؤدي عمليًا إلى تأخير الانسحاب أو إبقائه رهينة لاختلاف التفسيرات حول مدى تنفيذ الالتزامات.
ثانيًا، لا تتضمن الاتفاقية جدولًا زمنيًا واضحًا وملزمًا لاستكمال الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية. وفي الاتفاقات الدولية، يشكل غياب المهل الزمنية المحددة أحد أبرز أسباب تعثر التنفيذ وإطالة أمده.
ثالثًا، تبدو الالتزامات المطلوبة من الجانب اللبناني أكثر تفصيلًا واتساعًا من الالتزامات المقابلة المفروضة على إسرائيل، الأمر الذي قد يخلق انطباعًا بعدم التوازن بين حقوق الطرفين وواجباتهما، حتى وإن كان الهدف النهائي هو تحقيق الاستقرار.
رابعًا، تحتاج الاتفاقية إلى آليات أوضح لمعالجة أي خرق قد يقع من أي من الطرفين، بحيث تكون هناك إجراءات محددة وشفافة تضمن تنفيذ الالتزامات بصورة متوازنة، وتحول دون تفسير البنود بصورة أحادية.
وانطلاقًا من الحرص على نجاح أي مسار يهدف إلى إنهاء الصراع وترسيخ الاستقرار، فإن تحسين الاتفاقية قد يكون أكثر جدوى من الاكتفاء بتأييدها أو رفضها.
ومن أبرز التعديلات التي يمكن أن تعززها:
● تحديد جدول زمني واضح وملزم للانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي اللبنانية، بحيث لا يبقى مفتوحًا على تفسيرات أو ظروف قد تؤدي إلى إطالة أمده.
● اعتماد مبدأ التوازي في التنفيذ، بحيث يسير الانسحاب الإسرائيلي والإجراءات الأمنية اللبنانية بشكل متزامن ومتدرج، بما يحفظ التوازن بين التزامات الطرفين.
● تعزيز دور الأمم المتحدة في الرقابة والتحقق، بما ينسجم مع الشرعية الدولية ويمنح جميع الأطراف الثقة في آليات التنفيذ.
● التأكيد صراحةً على أن الاتفاقية لا تمس الحقوق السيادية للبنان، ولا تؤثر على أي مطالب قانونية أو حقوق مستقبلية تتعلق بالأراضي اللبنانية أو بالتعويض عن الأضرار الناتجة عن الحروب والاعتداءات.
● ولتعزيز الشرعية الدستورية والسياسية للاتفاق، يُستحسن أن يُقرّ بقرار واضح من مجلس الوزراء، باعتباره السلطة التنفيذية المخولة دستوريًا برسم السياسة العامة للدولة واتخاذ القرارات الوطنية الكبرى. إن صدور قرار رسمي عن مجلس الوزراء يمنح الاتفاق غطاءً وطنيًا أوسع، ويعزز مصداقيته الداخلية والخارجية، ويؤكد أن الالتزامات الواردة فيه تعبّر عن قرار الدولة اللبنانية بمؤسساتها الدستورية، لا عن موقف جهة أو فريق سياسي بعينه.
إن نجاح أي اتفاق لا يتحقق بمجرد توقيعه، بل بقدرته على تحقيق توازن حقيقي بين الحقوق والواجبات، وضمان سيادة الدول، وتوفير آليات تنفيذ عادلة وواضحة. وكلما كانت هذه العناصر أكثر رسوخًا، ازدادت فرص أن يشكل الاتفاق خطوة فعلية نحو استقرار دائم يخدم لبنان والمنطقة.
وفوق كل ذلك، وإذا كان لا بد من السير في هذا الاتجاه، رغم كل الهواجس المرتبطة بعمق الصراع العربي–الإسرائيلي والقضية الفلسطينية، فمن الأفضل أن يتم ذلك تحت مظلة مبادرة السلام العربية التي أقرتها قمة بيروت عام 2002، باعتبارها المرجعية العربية الجامعة التي تعزز الموقف اللبناني وتمنحه سندًا عربيًا أوسع. فهذه المبادرة قامت على مبدأ الأرض مقابل السلام، وربطت أي سلام شامل بانسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة، وبإيجاد حل عادل ومتفق عليه لقضية اللاجئين الفلسطينيين وفق قرارات الشرعية الدولية، إضافة إلى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة. إن اعتماد هذه المرجعية يمنح لبنان عناصر تفاوضية أقوى، ويجعل أي مسار تفاوضي منسجمًا مع الإجماع العربي، بدلاً من أن يكون مسارًا منفصلًا أو معزولًا عنه.
وأخيرًا، فإن أي اتفاق بهذا الحجم، لما يترتب عليه من آثار سياسية وأمنية وسيادية، ينبغي أن يحظى بأوسع توافق وطني ممكن، وأن يمر عبر المؤسسات الدستورية اللبنانية وفق الأصول، بما يضمن استمراريته ويعزز ثقة اللبنانيين به. فالاتفاقات التي تستند إلى إجماع وطني ومؤسسات دستورية راسخة تكون أكثر قدرة على الصمود، وأكثر قابلية لتحقيق أهدافها في حماية لبنان وترسيخ الاستقرار.
قراءة موضوعية في اتفاقية الإطار
غسان الجسرالجمعة 2026/07/10

تبدو الالتزامات المطلوبة من الجانب اللبناني أكثر تفصيلًا واتساعًا من الالتزامات المقابلة المفروضة على إسرائيل(غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر



