لم يكن تعديل السن القانونية لمفتي الجمهورية اللبنانية، الشيخ عبد اللطيف دريان، مجرد إجراء إداري روتيني لتفادي الشغور في أعلى مرجعية دينية سُنّية في البلاد، بل تحوّل إلى محور نقاش قانوني ومؤسساتي واسع تجاوز أروقة عائشة بكار ليصل إلى ساحات القضاء الإداري. هذا الملف فتح الباب أمام قراءات متباينة حول آليات اتخاذ القرار داخل المؤسسة الدينية، ومدى ملاءمتها للأطر القانونية المعمول بها، وسط ترقب لما سيؤول إليه قرار مجلس شورى الدولة.
التباين القانوني حول نصاب التمديد وآلية التوقيع
تفيد المعطيات المتداولة في الأوساط المتابعة لـِ "المدن" بأن الجلسة التي أُقرّ فيها التمديد شهدت تبايناً في وجهات النظر حول اكتمال النصاب القانوني المطلوب (المحدد بـِ 32 عضواً)، في ظل تحفظات أبداها بعض رؤساء الحكومات السابقين وأعضاء في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى والقوى السياسية.
يرتكز الطعن المقدم من مجموعة من المشايخ والمتضررين على أن محضر الجلسة لم ينل شرعيته الكاملة داخل القاعة، بل جرى استكمال التواقيع عليه لاحقاً عبر ما يُعرف بـِ "البريد الطائر" لتأمين النصاب القانوني وفرض التمديد كأمر واقع.
في المقابل، تدافع الدار عن قانونية الإجراء بوصفه خطوة ضرورية لحماية الموقع من الفراغ في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها لبنان، معتبرة أن المراجعات القضائية تأتي في سياق التجاذبات الداخلية.
وقد تضاعف الكباش القانوني بعدما نجح مجلس شورى الدولة في إتمام التبليغات الرسمية، تلاها ردود قانونية من محامي دار الفتوى تضمنت حدّة في الصياغة اعتبرها المجلس خارجة عن السياق المألوف للتعاطي المسلكي مع القضاء، مما أدى إلى طلب شطب بعض العبارات.
مسار الطعون: محاولات الاستدراك القانوني
وفق المصادر يضغط مجلس شورى الدولة حالياً باتجاه إلزام دار الفتوى بتسليم المحضر الرسمي والكامل للجلسة الأولى للتدقيق في سلامة إجراءاتها ونصابها. وأمام الاحتمالات المفتوحة لإمكانية قبول الطعن وإبطال قرار التمديد، تشير مصادر قانونية إلى أن الدار تدرس خيارات بديلة لتفادي أي إرباك مؤسساتي.
وتتمثل أبرز هذه الخيارات في إمكانية الدعوة إلى جلسة جديدة للمجلس الشرعي بهدف إقرار صيغة تمديد جديدة أو تعديل يضمن استمرارية المفتي في منصبه بآلية محصنة قانونياً. ويحظى هذا التوجه بدعم من أطراف سياسية وازنة ترى فيه مخرجاً للاستقرار الديني، في حين يُنقل عن رئيس الحكومة نواف سلام تمسكه بضرورة اتباع الأطر القانونية الصارمة والابتعاد عن المخارج الالتفافية.
السيناريوهات المحتملة لمستقبل سدّة الإفتاء
تضع المصادر القانونية هذا الكباش القضائي والسياسي المؤسسة الدينية أمام مسارين أساسيين لتحديد المرحلة المقبلة:
- تحصين التمديد، أي نجاح القوى الداعمة للمفتي في عقد جلسة جديدة وإقرار تعديل قانوني جديد يقفل الباب أمام مفاعيل الطعن الحالي، مما يعني استمرار الشيخ دريان في منصبه وقطع الطريق على خيار الانتخابات المبكرة، أو الذهاب إلى الانتخابات، وصدور حكم من مجلس شورى الدولة يقضي بقبول الطعن وإبطال التمديد الأول قبل إقرار أي خطوة استدراكية، وفي حال غياب الغطاء السياسي الكافي لخطوات بديلة، تُعتبر ولاية المفتي منتهية بحكم القانون، مما يفرض الدعوة لانتخاب مفتٍ جديد للجمهورية بشكل فوري.
المفارقة القضائية والمناخ الدبلوماسي
تتزامن هذه التطورات مع حالة من الترقب بانتظار وضوح الرؤية لدى العواصم الإقليمية المؤثرة في الساحة المحلية، لا سيما بعد التبديلات الدبلوماسية الأخيرة في السفارتين السعودية والمصرية، التي جعلت الكثير من القوى السياسية والدينية في حالة تريث بانتظار "كلمة السر" أو التوجهات الجديدة.
وبعيداً عن الشق الإداري، تبرز في الشارع السني علامات استفهام حول الأولويات القضائية في البلاد؛ إذ يتساءل مطلعون بكثير من العتب عن سبب "الحماسة الاستثنائية" التي يبديها القضاء الإداري في تتبع ملفات المؤسسات الدينية، في وقت تعاني فيه ملفات كبرى تتعلق بالهدر والفساد في قطاعات حيوية كالطاقة والاتصالات من جمود طويل بسبب الحمايات السياسية والطائفية.
هذه المعادلة الدقيقة قد تدفع في نهاية المطاف نحو خيارات تسوية تضمن الحفاظ على هيبة موقع إفتاء الجمهورية، بما في ذلك فرضية التنحي الطوعي المشروط للشيخ دريان لصالح ترتيب انتقال سلس للسلطة، تفادياً لصدور حكم قضائي قد يترك أثراً سلبياً على الموقع الديني الأول للطائفة.




