ترامب... وسرقة آخر الأحلام

أنطوان ع. نصراللهالجمعة 2026/07/10
Image-1783587842.Jpg
عندما يشعر المشجع بأن السياسة تجلس في المقصورة نفسها مع الكرة، يفقد الكثير من متعته.(غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

منذ أن عرف الإنسان كرة القدم، لم تكن بالنسبة إليه مجرد لعبة. كانت هدنة غير مكتوبة بين الشعوب، ولغة لا تحتاج إلى مترجم، وعالمًا موازيًا يسمح للبشر أن ينسوا، أنّهم يعيشون على كوكب يفيض بالحروب والأزمات والانقسامات.

لهذا لم تكن كأس العالم بطولة فحسب، بل كانت موعدًا مقدسًا مع استمرار الحلم.

هي سانتا كلوز الذي يزور الكبار كل أربع سنوات، لا حاملاً الهدايا، بل حاملاً الأمل. وهي ديزني لاند الشعوب؛ المكان الساحر الذي يدخل إليه الجميع بالتذكرة نفسها، غنيًا كان أم فقيرًا، رئيسًا أم عاملًا، ليصبحوا جميعًا حالمين لا أكثر.

 

ولعل أجمل ما قيل عن قوة كرة القدم لم يُكتب في كتاب، بل حدث على أرض الواقع. ففي ليلة عيد الميلاد عام 1914، بينما كانت الحرب العالمية الأولى تمزق أوروبا، خرج جنود بريطانيون وألمان من خنادقهم إلى أرض محايدة ليتصافحوا، ويتبادلوا الهدايا، ولكي يلعبوا كرة القدم. لم تنتصر بريطانيا، ولم تنتصر ألمانيا، لكن الإنسانية انتصرت لساعات. كانت الكرة يومها أقوى من البنادق والخطط الحربية، وأبلغ من الخطب السياسية.

ذلك هو المعنى الحقيقي لكرة القدم. أن تمنح الإنسان فرصة مؤقتة للحلم وللهروب من وسخ السياسة... لا أن تعيده إليها.

 

لكن العالم تغير. أصبحت كرة القدم صناعة بمئات المليارات، وتحوّل اللاعبون إلى علامات تجارية، والأندية إلى شركات، والبطولات إلى أسواق عالمية. ومع ذلك، ظل المشجع البسيط يحتفظ بإيمان طفولي جميل: "أنّ المستطيل الأخضر لا يزال المكان الوحيد الذي لا تستطيع السياسة أن تقتحمه."

ثم جاءت الضجة التي رافقت اتصال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، والطلب منه إلغاء البطاقة الحمراء بحق لاعب المنتخب الأميركي لتوقظ هذا السؤال من جديد: هل بقيت الرياضة مستقلة حقًا، أم أنّ السياسة أصبحت تجد طريقها حتى إلى أكثر المساحات التي قصدها الناس هربًا منها؟ قد يختلف الناس في تفسير الواقعة، لكنّهم يتفقون على شيء واحد: عندما يشعر المشجع بأنّ السياسة تجلس في المقصورة نفسها مع الكرة، يفقد الكثير من متعته.

 

في هذا المعنى الرمزي، بدا ترامب بالنسبة لكثيرين كأنه "سارق المتعة". ليس لأنه سرق بطولة أو غيّر نتيجة مباراة، بل لأنه جسّد، في نظر منتقديه، لحظة اقتحام وسخ السياسة لعالم كان الناس يتمنون أن يبقى بعيدًا عنها.

وفي هذا العالم الظالم إن أسوأ ما يمكن أن تفعله بالكبار ليس أن تمنعهم من مشاهدة مباراة، بل أن تنتزع منهم الوهم الجميل الذي يعيشون من أجله. الوهم الذي يجعلهم يصدقون أنّ الحَكَم لا يسمع إلا صفارته، وأن قانون كرة القدم هو اللاعب الوحيد الذي لا يرتدي قميص أي منتخب.

 

في عام 1914، أوقفت كرة القدم الحرب لساعات. أما اليوم، فيخشى المشجعون الحالمون أن تكون الحرب قد وجدت طريقها إلى كرة القدم، لا عبر الخنادق، بل عبر النفوذ، والاتصالات، والرسائل السياسية، والشكوك التي ترافق كل حدث كبير.

المؤلم أنّ الناس يعرفون أنّ كرة القدم أصبحت تجارة، وأنّ عقود البث والإعلانات والرعاة تحكم جانبًا كبيرًا منها، لكنهم يختارون، عن طيب خاطر، ألّا يصدقوا ذلك. تمامًا كما يختار الطفل أن يُصدق وجود سانتا كلوز، لأنّه يعرف أنّ بعض الأوهام أجمل من كل الحقائق.

وعند الكبار فإن كرة القدم كانت آخر تلك الأوهام الجميلة. وعندما تمتد السياسة إلى هذا العالم، فإنها لا تسرق كأسًا، ولا ميدالية، ولا مباراة.

إنها تسرق شيئًا أكبر بكثير...تسرق اللحظة التي كان العالم كله ينسى فيها نفسه.

وهي الخسارة التي لا يمكن تعويضها.

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث