عندما يُطرح سؤال قدرة الجيش اللبناني على فرض نزع سلاح حزب الله بالقوة، يقابل بابتسامة سخرية خفيفة من سذاجة السائل والسؤال، ثم تأتي الإجابة غالباً محمّلة بيقين سريع: الدولة تستطيع إذا قررت، والجيش قادر إذا أُعطي الأمر. لكن هذا النوع من الإجابات يتجاهل اختباراً لم ينجح لبنان في اجتيازه مرة واحدة من دون أن يدفع ثمناً داخلياً كبيراً.
في كل مرة رُفع فيها شعار "الجيش قادر"، كان الواقع يسير في اتجاه مختلف. الدولة، عند لحظة الحسم، كانت تتراجع: تُحيّد الجيش، أو تمنعه من المواجهة، أو تسحبه من الداخل قبل أن تنفجر الأمور. هذا ليس تفصيلاً، بل نمط متكرر في التجربة اللبنانية.
في 1984، لم تكن المسألة مجرد اضطراب أمني. انقسم الجيش داخل نفسه، وتفككت وحدة القيادة، وانسحبت الدولة من بيروت الغربية خلال أيام. لم تكن المشكلة فقط في توازن القوى مع الخارج، بل في هشاشة الداخل أيضاً.
وفي 2008، حين اندلعت أحداث 7 أيار، لم يدخل الجيش في مواجهة مباشرة. لم يُطلب منه الحسم، بل الحياد. كان واضحاً أن أي احتكاك داخلي كان سيقود إلى انفجار لا يمكن ضبطه. فتم تجنّب الاختبار بدل خوضه.
من هنا، تبدو فكرة أن الجيش أداة حسم داخلي فكرة بعيدة عن التجربة الفعلية. دوره كان في الغالب منع الانفجار، لا فرض الحسم.
المشكلة أن هذا الواقع يُتجاهل اليوم، وكأن شيئاً جوهرياً قد تغيّر. وكأن الجيش انتقل فجأة إلى موقع قوة فوق المجتمع، قادرة على تجاوز كل التوازنات التي تشكل منها البلد نفسه. لكن الجيش ليس جسماً خارج الدولة. هو جزء منها، بكل تناقضاتها. يتكوّن من المجتمع نفسه، ويتأثر بتوازناته، ولا يعمل في فراغ سياسي أو اجتماعي. ولم تُجرَ أي إعادة صياغة جذرية له تخرجه من هذا السياق.
ولذا، من الصعب افتراض أنه يستطيع خوض مواجهة داخلية كبرى من دون أن تنعكس هذه التوازنات داخله أولاً.
في المقابل، الدولة نفسها لم تتغير بنيتها الأساسية. لم يحدث تحول جذري في نظام إنتاج السلطة، ولا في منطق التوافقات السياسية. ومع ذلك يُطلب منها أن تنتج قدرة على خوض مواجهة من هذا النوع، في بيئة شديدة التعقيد والانقسام.
هذه الفجوة بين الخطاب والواقع هي جوهر المشكلة.
حتى فكرة "التأهيل التقني" للجيش أو إعادة تشكيله لا تبدو كافية. فالمسألة ليست تدريباً فقط، بل بيئة سياسية واجتماعية كاملة.وفي المقابل، تشير تقديرات عسكرية متعددة، بينها الإسرائيلية، إلى أن المواجهة مع قوة مثل حزب الله ليست سهلة ولا قصيرة. بل تحتاج وقتاً طويلاً وكلفة عالية، من دون ضمان نتائج حاسمة. وإذا كان هذا التقدير صادراً عن طرف يعتبر نفسه الأقرب ميدانياً، فكيف يمكن لدولة تعيش انقساماً داخلياً أن تخوض تجربة أعقد من ذلك؟
الأهم أن أي مسار من هذا النوع لن يكون حدثاً محدوداً، بل عملية طويلة. وهذا يعني عملياً سنوات من التوتر وعدم الاستقرار، مع ما يرافق ذلك من ضغط اقتصادي وأمني وسياسي.
في هذه الحالة، لا يعود السؤال: هل يمكن تنفيذ القرار؟ بل: ماذا يحدث للدولة خلال التنفيذ؟ هل تتحمل دولة تعاني أصلاً من أزمات بنيوية أن تدخل في مسار مفتوح من هذا النوع من دون أن تتآكل أكثر؟
من هنا، فإن اعتبار الجيش مجرد أداة حسم داخلي يتجاهل التجربة التاريخية. فدور الجيش اللبناني، في معظم المحطات، كان الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار ومنع الانهيار، وليس فرض حلول سياسية بالقوة.
المشكلة اليوم أن البعض يتعامل مع الجيش وكأنه مؤسسة منفصلة عن الواقع اللبناني. وكأنها قوة قائمة بذاتها تستطيع تجاوز كل الانقسامات والتوازنات التي تشكل منها البلد. لكن الجيش ليس جسماً خارج المجتمع. هو جزء من الدولة، والدولة جزء من المجتمع. عناصره وضباطه ينتمون إلى البيئة اللبنانية نفسها، بكل بانقساماتها وتوازناتها، ولا يمكن عزله عن السياسة التي تحيط به.
وحتى يومنا هذا لم يحدث تحول جذري في طبيعة الدولة اللبنانية يجعل المؤسسة العسكرية تنتقل فجأة من موقع إدارة التوازنات إلى موقع فرض تغيير تاريخي داخلي. لم تتغير قواعد إنتاج السلطة، ولم ينتهِ منطق التسويات والمحاصصة، ولم تُبنَ بعد دولة تمتلك وحدها القرار السياسي والأمني.
ولهذا فإن الحديث عن "قدرة الجيش" بمعزل عن قدرة الدولة نفسها يصبح ناقصاً. فالجيش يمكن أن يمتلك التدريب والسلاح والخبرة، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى شرعية وطنية واضحة. يحتاج إلى أن يشعر بأنه يتحرك باسم دولة حقيقية، وليس باسم سلطة سياسية تحاول إدارة تناقضاتها.
الجيش يصبح قادراً عندما تمنحه الدولة الحاضنة الوطنية قبل الحاضنة الرسمية. فالأوامر السياسية وحدها لا تكفي في لحظات المواجهة الكبرى. المؤسسة العسكرية تحتاج إلى شعور عام لدى المواطنين بأن قرارها يمثلهم جميعاً، وأنها ليست طرفاً في صراع داخلي، بل أداة للدولة التي يتوافق عليها الجميع.
وهنا تظهر مفارقة أساسية. اللبنانيون شاهدوا الجيش في مراحل مختلفة يواجه حدود دوره، سواء عندما اضطر إلى إخلاء بعض مواقعه في ظروف مرتبطة بالعدوان الإسرائيلي، أو عندما كانت الأولوية تجنب مواجهة داخلية قد تؤدي إلى انهيار أوسع. هذه المشاهد تطرح سؤالاً مشروعاً: كيف يمكن مطالبة الجيش بخوض أصعب مهمة داخلية، إذا كانت الدولة نفسها لم توفر له بعد القدرة السياسية والوطنية التي تجعل هذه المهمة ممكنة؟
السؤال ليس انتقاصاً من المؤسسة العسكرية، بل يتعلق بطبيعة الدولة التي يعمل ضمنها الجيش. فالجيش الذي يُطلب منه حماية السيادة يحتاج إلى دولة تمارس السيادة فعلاً. ولا يمكن تحميل مؤسسة واحدة مسؤولية تعويض عقود من ضعف الدولة وتعدد مراكز القوة.
حتى التجربة العسكرية نفسها في نهر البارد عام 2007، التي تُقدَّم كنموذج نجاح، تكشف حدود هذا التصور. المعركة استمرت أكثر من ثلاثة أشهر، وخسائر الجيش كانت كبيرة، بالرغم من أن الخصم كان محصوراً جغرافياً وضعيفاً نسبياً مقارنة بتعقيدات الداخل اللبناني.
إذا كان هذا هو الأداء في ظروف أبسط، فكيف يمكن تصور سيناريو أكثر تعقيداً داخل مجتمع منقسم؟
في النهاية، لا يبدو أن المشكلة في "قدرة الجيش" بقدر ما هي في الكلفة السياسية والاجتماعية لأي اختبار من هذا النوع. فالمؤسسة العسكرية تتحرك ضمن دولة لم تُحسم تناقضاتها بعد، وأي استخدام للقوة في الداخل لا يبقى عسكرياً فقط، بل يتحول إلى أزمة دولة كاملة.
الخلاصة بسيطة وقاسية: في لبنان، السؤال ليس هل الجيش قادر، بل هل الدولة قادرة على تحمّل النتيجة. هل تستطيع دولة تعاني من أزمات اقتصادية ومؤسساتية وانقسامات سياسية عميقة أن تدخل في مواجهة مفتوحة من دون أن تتآكل أكثر؟ وهل يمكن تحقيق السيادة عبر خطوة عسكرية، إذا لم تكن هناك دولة قادرة على حماية هذه السيادة بعد ذلك؟
الحل ليس في التشكيك بقدرة الجيش، ولا في تقديمه كحل سحري لكل أزمات لبنان. الحل يبدأ من بناء دولة فعلية: دولة تملك القرار، وتفرض القانون، وتنتج ثقة وطنية حول مؤسساتها. عندها فقط يصبح الجيش قادراً، لأن قوته لن تكون نابعة من السلاح وحده، بل من الشرعية التي يقف خلفها، عندها أيضاً ستتخلى البيئة عن السلاح حتى من دون تدخل الجيش.




