تأتي الجولة الجديدة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، المفترض أن تنعقد بوساطة أميركية في 15 و16 من الشهر الجاري في روما، وسط انقسام داخلي واستمرار التعقيدات الإقليمية، من دون أن يكون لبنان قد حقق حتى الآن أي مكسب ملموس. جولة تكتسب أهميتها أيضاً مع اقتراب زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن ولقائه المرتقب مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت الاتصالات العربية التي تلقاها عون تشكل غطاءً سياسياً لهذا المسار- وأي ترتيبات تنتظره في واشنطن؟
ولم يعد الحديث يدور حول مجرد جولات تفاوض أو نقاشات تقنية، بل تجاوز ذلك إلى مرحلة يُنظر إليها إسرائيلياً على أنها إنجاز سياسي يقود إلى توقيع اتفاق، فيما يقدّمها لبنان باعتبارها خياراً فرضته أولوية وقف الحرب وتثبيت الاستقرار.
وتزداد الهواجس مع الحديث عن احتمال تعرض لبنان لضغوط خلال هذه المرحلة، خصوصاً على مستوى المؤسسة العسكرية، والتخوف من "الاستفراد" بلبنان في أي تفاهمات أو لقاءات قد تتجاوز السقف الذي رسمته "مبادرة السلام العربية" التي أعلنت من لبنان عام 2002، بما يفتح الباب أمام مخاوف من جرّه إلى خيارات لا تحظى بغطاء عربي.
الموقف العربي الجماعي
ويعزز هذه المخاوف أن لبنان يخوض للمرة الأولى مساراً تفاوضياً منفرداً بعيداً عن مفهوم وحدة المسار والمصير والتنسيق العربي التقليدي، الذي حكم مقاربته للصراع العربي ـ الإسرائيلي لعقود، وبعيداً أيضاً عن المظلة التي وفرتها المبادرة العربية للسلام أو التنسيق مع الدول العربية الأساسية. وعلى الرغم من بعض البيانات العربية التي رحبت باتفاق الإطار، إلا أنّ منتقديه يطرحون سؤالاً معاكساً: هل حقق لبنان سيادة القرار فعلاً، أم أنه أصبح أكثر عرضة للضغوط الإسرائيلية بعدما فقد عمقه العربي؟
وتزداد هذه الهواجس مع ما يُنقل عن تحفظات سورية على هذا المسار، والتي برزت خلال زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت، في وقت تعمل فيه إسرائيل على تعزيز ترتيبات أمنية تمتد من جنوب لبنان إلى الجبهة السورية وغزة، عبر مشروع إسرائيل الكبرى، وهو ما بات يلمح إليه بشكل واضح، وعبر عنه وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتيرتش في القول إنّه "لا يوجد وقت كنا أقرب فيه إلى مشروع إسرائيل الكبرى كما الآن".
لاعب متفرج غير أساسي
يقرأ السفير اللبناني السابق في واشنطن، رياض طبارة في حديث مع "المدن" في أبعاد الخيار اللبناني من ناحية المكاسب والخسائر، قائلاً إن "لبنان، بصراحة، ليس لاعباً أساسياً في التحولات الكبرى التي يشهدها العالم اليوم، بل هو في موقع المتفرج"، معتبراً أن "المتفرج لا يملك القدرة على تغيير مسار الأحداث، وإنما يستطيع فقط إبداء الاعتراض أو عدم الرضا حيال بعض القضايا، من دون أن يكون له تأثير فعلي في مجريات اللعبة الكبرى".
وبالتالي فإنّ الاجتماعات التي يخوضها لبنان، سواء جرت ضمن الإطار العربي أو خارجه، لا تحدث فرقاً جوهرياً في مسار الأحداث، "ففي حال جرت هذه المفاوضات خارج الغطاء العربي، فإن أقصى ما يستطيع لبنان القيام به هو وضع خطوط حمراء في بعض الملفات، وفي مقدمها رفض الدخول في سلام مع إسرائيل"، وهي فكرة غير واردة أساساً في المرحلة الحالية.
ويذهب طبارة أبعد من ذلك، ويضيف "لا مبالغة بالقول إنّ الدور اللبناني في هذه الاجتماعات يقتصر على نقل المواقف وتقديم التوضيحات المتعلقة بلبنان، من دون القدرة على إحداث تغيير فعلي في مسار المفاوضات"، معتبراً أن أهمية مشاركة لبنان، سواء قبل اتفاق الإطار أو بعده، تبقى أهمية تكتيكية وليست استراتيجية.
ورداً على سؤال حول احتمال أن تستفرد الولايات المتحدة وإسرائيل بلبنان، أو تدفعاه إلى لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي أو إلى توقيع تفاهمات تحت عنوان وقف إطلاق النار مقابل الانسحاب الإسرائيلي، يستبعد طبارة مثل هذا السيناريو، مؤكداً أنه لا يعتقد أن لبنان سيقدم على أي خطوة من هذا النوع من دون توافق. واضعاً ما يجري حالياً في إطار لا يتعدى كونه سلسلة اجتماعات، ومشيراً إلى أن الاجتماع الأساسي في هذه المرحلة هو الاجتماع الإيراني – الأميركي، فيما تبقى المفاوضات التي تُعقد مع إسرائيل اجتماعات جانبية، لأن نتائج الحوار الإيراني – الأميركي هي التي سترسم مسار التطورات، سواء أفضت إلى اتفاق أم لا، بينما تندرج المواقف الرسمية اللبنانية ضمن النهج اللبناني التقليدي القائم على إعلان المواقف والتعبير عن الاعتراضات، من دون امتلاك القدرة على تغيير الوقائع.
وهذا ما يتعارض مع خطاب مؤيدي اتفاق الإطار، الذين شددوا منذ البداية على فصل المسار اللبناني عن المفاوضات الإيرانية الأميركية، والتأكيد أن لبنان وحده يتولى التفاوض باسمه، ويملك حصراً قرار الحرب والسلم، وأن أي تسوية يجب أن تنطلق من المصلحة اللبنانية بعيداً عن أي ارتباطات أو مظلات إقليمية.
سوريا ولبنان تراهنان على أميركا
وفي ما يتعلق بالانزعاج السوري من المسار التفاوضي، يعتبر طبارة أن الهدف الإسرائيلي يتجاوز الملفات الآنية، معتبراً أن المشروع الإسرائيلي هو "إسرائيل الكبرى"، وأن الخطوة الأولى كانت ضم الضفة الغربية وقطاع غزة، فيما يجري العمل بالتوازي على تثبيت واقع جديد في الشريط الحدودي مع لبنان عبر تحويل القرى المحتلة إلى مناطق مدمرة تمنع عودة سكانها، بما يوفر، من وجهة النظر الإسرائيلية، ضمانات أمنية تحول دون تكرار أحداث السابع من تشرين الأول.
وانطلاقاً من ذلك، يعتقد طبارة أن إسرائيل لن تتخلى بسهولة عن الشريط الحدودي الذي تسيطر عليه في جنوب لبنان، كما أنها لن تتراجع عن أطماعها في الساحة السورية. وعن انعكاسات هذه التفاهمات على سوريا، اعتبر أن السياسة الخارجية لكل من لبنان وسوريا باتت تقوم على الرهان على الدور الأميركي، موضحاً أن البلدين يطالبان الولايات المتحدة بالمساعدة ويعرضان هواجسهما وضغوطهما، لكنهما لا يمتلكان سياسة قادرة وحدها على إحداث تغيير، لأن الضامن الحقيقي بالنسبة إليهما هو الولايات المتحدة.
وفي مقاربته، يعتبر طبارة أنّ المشكلة الأساسية تكمن في أن إسرائيل نفسها لا تبدو مستعدة للانسحاب من الأراضي التي تسيطر عليها في جنوب لبنان، معتبراً أنها حققت مكاسب ميدانية تجعلها غير راغبة في التخلي عنها. وحول إمكان تقديم مقابل يدفع إسرائيل إلى الانسحاب، يستبعد وجود أي ثمن يمكن أن يقنعها في المرحلة الراهنة، وأن المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل لن تصل وحدها إلى حل، لأن القرار الفعلي يبقى مرتبطاً بالتفاهمات الأميركية – الإيرانية.
وبالتالي، يقوم الجانب اللبناني بما يستطيع ضمن هامش الحركة المتاحة، معتبراً أنه إذا نجح في انتزاع انسحاب إسرائيلي أو تثبيت وقف لإطلاق النار، فإن ذلك يُعد إنجازاً في ظل المعطيات الحالية، حتى وإن بقيت التسوية النهائية مرتبطة بالتفاهمات الإقليمية والدولية الأوسع.




