أفاد مسؤول أميركيّ رفيع بأنّ قراراً حاسماً بشأن خطّ الانسحاب الإسرائيليّ الأوّل من جنوب لبنان سيُتّخذ خلال الأيّام المقبلة، بالتّزامن مع انتقال المحادثات اللبنانيّة، الإسرائيليّة، برعاية واشنطن، إلى مرحلة تنفيذ "الإطار العامّ" المتّفق عليه.
وفي وقت تواصل فيه القيادة المركزيّة الأميركيّة "سنتكوم" التّنسيق مع لبنان وإسرائيل بشأن الخطوات المقبلة، تتمسّك تل أبيب ببقاء قوّاتها في ما تسمّيه "الحزام الأمنيّ"، وسط مطالبة لبنانيّة بوضع جدول زمنيّ واضح وملزم لإنهاء الوجود العسكريّ الإسرائيليّ في الجنوب.
قرار بشأن خطّ الانسحاب خلال أيّام
ونقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول أميركيّ رفيع قوله إنّ قراراً بشأن خطّ الانسحاب الإسرائيليّ من جنوب لبنان، في المرحلة الأولى على الأقلّ، سيُتّخذ خلال الأيّام القليلة المقبلة.
وأوضح المسؤول أنّ المحادثات غير المسبوقة بين لبنان وإسرائيل تحرز تقدّماً متواصلاً، وأنّها انتقلت من مرحلة التّفاهمات السّياسيّة العامّة إلى مرحلة تنفيذ الإطار المتّفق عليه.
وبحسب المسؤول، سيجري قريباً تحديد أوّل خطّ تنسحب منه القوّات الإسرائيليّة في جنوب لبنان، على أن يتبع ذلك العمل على مراحل ومناطق إضافيّة، بالتّنسيق مع الجانبين اللبنانيّ والإسرائيليّ.
روما تمهّد لإحالة الملفّات إلى فرق فنّيّة
وأشار المسؤول الأميركيّ إلى أنّ الاجتماعات المنعقدة في العاصمة الإيطاليّة روما تجري خلف أبواب مغلقة، بهدف تمكين الحكومتين اللبنانيّة والإسرائيليّة من إحالة القضايا التّفصيليّة إلى فرق فنّيّة متخصّصة.
وستتولّى هذه الفرق معالجة مختلف الملفّات الواردة ضمن الإطار، بما يشمل خطوط الانسحاب، والمناطق الحدوديّة، والتّرتيبات الأمنيّة، وآليّات تنفيذ الالتزامات الميدانيّة.
وفي السّياق نفسه، قالت وزارة الخارجيّة الأميركيّة إنّ محادثات روما تشكّل "نقاشاً ختاميّاً"، على أن تُحال الملفّات بعدها إلى الفرق الفنّيّة لمتابعة التّنفيذ.
إطلاق أوّل منطقة تجريبيّة
وكشف المسؤول الأميركيّ أنّ أوّل "منطقة تجريبيّة" ستُطلق خلال أيّام، في حين تخضع مناطق أخرى لعمليّات التّخطيط ورسم الخرائط.
وأضاف أنّ القيادة المركزيّة الأميركيّة تنسّق مع لبنان وإسرائيل للمضيّ قدماً في تنفيذ هذه الخطّة، ومتابعة التّرتيبات الأمنيّة والميدانيّة المرتبطة بها.
وقال: "سنتواصل قريباً مع شركائنا الدّوليّين بهدف مساعدة الحكومة اللبنانيّة على استعادة سيادتها بصورة فعّالة في هذه المناطق، ثمّ لاحقاً على كامل الأراضي اللبنانيّة".
وتشير عبارة "المناطق التّجريبيّة"، وفق الطّرح الأميركيّ، إلى مناطق محدّدة سيبدأ فيها تطبيق التّرتيبات المتّفق عليها، قبل الانتقال إلى مراحل أوسع تشمل أجزاء أخرى من الجنوب.
لبنان يطالب بجدول زمنيّ للانسحاب
في المقابل، أفادت صحيفة "معاريف" الإسرائيليّة بأنّ لبنان يعتزم طرح مطلب أساسيّ خلال الجولة المقبلة من المحادثات في روما، يقضي بوضع جدول زمنيّ واضح لانسحاب القوّات الإسرائيليّة من الأراضي اللبنانيّة.
وبحسب الصّحيفة، تعتبر بيروت تحديد مسار الانسحاب شرطاً لمواصلة التّقدّم في المسار السّياسيّ، وترفض أن تظلّ المباحثات محصورةً بالمبادئ والتّفاهمات العامّة من دون آليّات تنفيذيّة ملزمة.
ويسعى الجانب اللبنانيّ إلى إدراج عنصر عمليّ ضمن أيّ تسوية مقبلة، سواء عبر تحديد موعد نهائيّ للانسحاب، أو اعتماد مراحل واضحة، أو وضع آليّة تضمن إنهاء الوجود العسكريّ الإسرائيليّ في الجنوب.
وقد يحوّل هذا المطلب الجولة المقبلة إلى اختبار أساسيّ للمسار السّياسيّ النّاشئ، ولا سيّما في ظلّ التّباين بين الطّرح الأميركيّ بشأن بدء انسحابات تدريجيّة، والمواقف الإسرائيليّة المتمسّكة بحرّيّة البقاء والتّحرّك العسكريّ.
نتنياهو يتمسّك بـ"الحزام الأمنيّ"
وكان رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو قد أعلن أنّ القوّات الإسرائيليّة ستبقى في ما وصفه بـ"الحزام الأمنيّ" في جنوب لبنان "ما دامت الحاجة الأمنيّة تقتضي ذلك".
وشدّد نتنياهو على أنّ الحرب "لم تنتهِ بعد"، وأنّ إسرائيل تواجه تحدّيات جديدة في ظلّ التّحوّلات المتسارعة في المنطقة.
ويعكس موقف نتنياهو تمسّكاً إسرائيليّاً بالإبقاء على وجود عسكريّ في أجزاء من الجنوب، في مقابل الضّغوط اللبنانيّة الرّامية إلى تثبيت انسحاب كامل ضمن جدول زمنيّ واضح.
كاتس: لا نحتاج إلى إذن للبقاء
بدوره، قال وزير الدّفاع الإسرائيليّ يسرائيل كاتس إنّ إسرائيل لم تطلب إذناً من أيّ جهة لدخول لبنان، ولا تحتاج، بحسب تعبيره، إلى إذن للبقاء فيه.
وأضاف كاتس: "من حقّنا ومن واجبنا الدّفاع عن سكّان الجليل ومواطني إسرائيل في مواجهة تهديدات منظّمة حزب الله الإرهابيّة والجهاديّة التي تسعى إلى تدمير دولة إسرائيل".
وزعم أنّ "حزب الله" هاجم إسرائيل مرّتين بمبادرة منه، الأولى عقب هجوم حركة "حماس" في السّابع من تشرين الأوّل، والثّانية بالتّزامن مع انطلاق عمليّة "زئير النّسر" في إيران.
وقال إنّ الحزب أطلق النّار على إسرائيل في المرّة الثّانية بناءً على أوامر من النّظام الإيرانيّ، مدّعياً أنّ الجيش الإسرائيليّ تمكّن خلال العامين والنّصف الماضيين من تدمير معظم قدرات الحزب وقيادته، وفي مقدّمتها أمينه العامّ السّابق السّيّد حسن نصر الله.
اختبار بين التّفاهمات والوقائع الميدانيّة
وتضع المواقف الإسرائيليّة المتشدّدة مستقبل المحادثات أمام اختبار فعليّ، إذ تتحدّث واشنطن عن الانتقال إلى مرحلة التّنفيذ، وإطلاق مناطق تجريبيّة، وتحديد خطّ انسحاب أوّل، في حين تؤكّد القيادة الإسرائيليّة أنّ بقاء قوّاتها مرتبط بتقديراتها الأمنيّة، لا بجدول زمنيّ مسبق.
وفي المقابل، يتمسّك لبنان بربط أيّ تقدّم سياسيّ بانسحاب إسرائيليّ واضح من أراضيه، واستعادة الدّولة سيادتها الكاملة على المناطق الجنوبيّة.
ومن المنتظر أن تكشف الأيّام المقبلة ما إذا كانت محادثات روما ستنجح في تحويل "الإطار العامّ" إلى خطوات ميدانيّة ملموسة، أم أنّ الخلاف بشأن مدّة الوجود الإسرائيليّ وحدود الانسحاب سيعرقل الانتقال إلى المراحل التّنفيذيّة.ش




