شهد لبنان اليوم خطوةً أساسية في تحديث المنظومة العقابية منذ عقود. إذ أعلن وزير العدل عادل نصار موافقة اللجان النيابية المشتركة على مشروع قانون يقضي بإلغاء عقوبة الإعدام نهائيًا من قانون العقوبات اللبناني، والاستعاضة عنها بعقوبة "السجن المؤبد المشدد".
يفتح هذا التحول، الذي ينتظر موافقة الهيئة العامة لمجلس النواب ليقرّ رسميًا، الباب واسعًا أمام نقاش حقوقي، ويعيد تموضع لبنان على الخارطة الحقوقية الدولية بعد سنوات من التجميد الفعلي لتنفيذ عقوبة الإعدام.
الإعدام الأخير
على الرغم من أن المحاكم اللبنانية استمرت طيلة السنوات الماضية في إصدار أحكام الإعدام استنادًا إلى نصوص قانونية تلحظ العقوبة في جرائم مثل القتل العمد، وبعض الأعمال الإرهابية، إلا أن التنفيذ الفعلي كان مُعلقًا بقرار سياسي ضمني من المرة الأخيرة التي نُفذت فيها عقوبة الإعدام في العام 2004.
فالمرة الأخيرة التي نفذت فيها عقوبة الإعدام كانت في كانون الثاني العام 2004، وتحديدًا في عهد الرئيس الأسبق إميل لحود. إذ نفذت عقوبة الإعدام بحق ثلاثة مدانين بجرائم قتل كبرى، اثنان شنقًا أما الثالث فرميًا بالرصاص. امتنع رؤساء الجمهورية، منذ ذلك الحين، عن توقيع المراسيم الخاصة بالتنفيذ، لتتحول العقوبة عمليًا إلى سجن مؤبد طويل من دون غطاء تشريعي حاسم وواضح، حتى جاء المقترح الأخير ليكون نقطة الفصل بين النص القانوني والتطبيق.
السجن المؤبد
استند الدافع وراء مشروع إلغاء عقوبة الإعدام إلى موجبات أساسية ولم يكن مجرد رغبة في تحديث القوانين. إذ لطالما جادلت المنظمات الحقوقية والهيئات القانونية اللبنانية بأن الوظيفة الأساسية للعقوبة هي الإصلاح والردع وليس الانتقام. كما أن نهائية حكم الإعدام لا تترك مجالًا لتصحيح الأخطاء القضائية إن حصلت، خصوصًا إذ تبين أنّ المحكوم بريء بعد تنفيذ الحكم.
كما يأتي استبدال الإعدام بـ"السجن المؤبد المشدد" كصيغة تُهدئ من مخاوف المعترضين الذين ينظرون إلى الإعدام كرادعٍ للجرائم شديدة الخطورة. وهذا ما يضمن معاقبة المجرمين وحماية المجتمع من دون أن تضطر الدولة إلى سلب الحق في الحياة والدخول في جدلٍ مع المنظمات الحقوقية العالمية.
فرصة جديدة للقضاء
يشكل إلغاء عقوبة الإعدام قفزة نوعية في سجل لبنان الخاص بالالتزام بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان. إذ ينقل هذا القرار لبنان من فئة الدول المجمدة للعقوبة، إلى فئة الدول الملغية للعقوبة بحكم القانون.
كما أنّ الايجابيات تتجاوز تحسين الصورة الدبلوماسية للبنان لتصل إلى مكاسب قضائية وأمنية. هنا، يقول مصدر قضائي لـ"المدن" إن القضاء اللبناني عانى لسنوات طويلة من معضلة استرداد المطلوبين الفارّين أو المدانين أو الموقوفين المقيمين في دول غربية وأوروبية تحظر تسليم أي مطلوب إلى دولة تُشرع قوانينها عقوبة الإعدام.
يستند المصدر إلى الأزمة التي ظهرت في ملف تحقيقات انفجار مرفأ بيروت، حين رفضت السلطات البلغارية تسليم مالك "باخرة النيترات" الروسي إيغور غريشوشكن المطلوب بموجب مذكرة "إنتربول"، بذريعة وجود عقوبة الإعدام في النص القانوني اللبناني، على الرغم من مضي أكثر من عشرين سنة على تنفيذ آخر حكم إعدام، وعلى الرغم من تعهد القضاء اللبناني بعدم تنفيذ العقوبة بحقه.
يُسقط إقرار هذا القانون رسميًا بعد إحالته على الهيئة العامة لمجلس النواب هذه الذريعة القانونية التي تتمسك بها الدول الخارجية. وهذا ما يتيح للبنان تسهيل وتفعيل طلبات استرداد المجرمين والمطلوبين في دول عديدة.




