سباق ديبلوماسي أميركي- إيراني في بيروت: مَن يضبط جبهة لبنان؟

مانشيت - المدنالخميس 2026/07/09
لبنان ملصق دعائي عن السلام (Getty)
لم يَعُد المشهد اللبناني منفصلًا عن المواجهة الأميركية الإيرانية. (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

في موازاة الانفجار العسكري المباشر بين واشنطن وطهران، تتظهر تباينات حادة في المقاربات حول مندرجات الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني، ما يهدد بحرب استنزاف ممتدة أو بانفجار واسع.

فقبل انقضاء مهلة الستين يوماً، سقط الاتفاق الأميركي-الإيراني واستأنفت واشنطن ضرباتها العسكرية ضد إيران. وهذا الخلط العنيف للأوراق يضع لبنان أمام فرضية عودة الحرب الإسرائيلية على نحو أوسع في الجنوب وربما مناطق أخرى.

ووسط هذا القلق الإقليمي، جال السفير الأميركي في بيروت، ميشال عيسى، على الرؤساء جوزاف عون، ونبيه بري، ونواف سلام، لوضعهم في أجواء الجولة التفاوضية المقبلة ومسار الانسحاب التدريجي المفترض، حيث سلّم رئيس الجمهورية دعوة رسمية وبرنامج زيارة البيت الأبيض في 21 تموز الجاري للقاء الرئيس دونالد ترامب. وفي حين يعول عون على أن تحمل الزيارة إيجابيات تترجم الاهتمام الأميركي بوقف دائم للاعتداءات الإسرائيلية، يمارس ترامب ضغوطاً إضافية بإعلانه من قمة حلف شمال الأطلسي أن الرئيس السوري أحمد الشرع تعهد له بالتعاون لإنهاء ملف حزب الله، وهو ما نفته معلومات دبلوماسية لـ"المدن"، مؤكدة أن التصريح يأتي كأداة ضغط سياسي على إيران والحزب لا أكثر. وفي مقابل الحراك الأميركي، بادر رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى استقبال نائب وزير خارجية إيران لترسيخ وتأكيد تنسيق "المسار المقابل" لمواجهة الضغوط المتصاعدة.

وتواجه الجولة المقبلة من المفاوضات المباشرة المقررة في العاصمة الإيطالية روما مأزقاً بنيوياً. فقد نُقلت الجولة من واشنطن إلى روما بناءً على رغبة إسرائيلية تماهت معها واشنطن، ما وضع الموقف اللبناني في موقع حرج. وتعمّق الإحراج مع رفض إسرائيل تطبيق بند الانسحاب التجريبي من المنطقتين المحددتين، أي النبطية ومحيط فرون وزوطر الشرقية. وأمام هذا التعنت واستمرار الاعتداءات، طلب لبنان رسمياً على واشنطن إلزام إسرائيل بالانسحاب التجريبي كشرط تمهيدي للقبول بالمشاركة في جولة روما، وسط مطالبات من داخل الوفد اللبناني المفاوض بفرض شروط مسبقة تلزم تل أبيب بتنفيذ تعهداتها قبل الانخراط في أي خطوات تفاوضية جديدة.

وفي الموازاة، يكشف الخطاب السياسي فجوة واسعة في تقدير مسار الميدان بين واشنطن وتل أبيب. فقد عبّر ترامب عن تفاؤله متوقعاً أن تسحب إسرائيل قواتها من جنوب لبنان بناءً على نقاشاته مع نتنياهو، معتبراً أن الأمور ستسير على ما يرام لوجود اتفاق ملزم. ولكن، سرعان ما جاء الرد الإسرائيلي فورياً وصادماً على لسان وزير الأمن يسرائيل كاتس، الذي قطع الطريق على تقديرات ترامب معلناً: "لم نطلب إذناً من أي جهة لدخول لبنان، ولا نحتاج إلى إذن للبقاء فيه". وأكد كاتس أن الجيش الإسرائيلي سيبقى في "المنطقة الأمنية" حتى تحقيق هدف تجريد "حزب الله" من سلاحه في كل لبنان، نافياً أي التزام بجدول الانسحابات الأميركية.

وبذلك، يتحرك لبنان اليوم في المساحة الفاصلة بين تفاؤل واشنطن الدبلوماسي وقسوة شروط تل أبيب الميدانية. وتفجر الموقف بين أميركا وإيران يسقط أوهام "التسويات الهادئة" ويمنح نتنياهو وكاتس والقيادة العسكرية الإسرائيلية الضوء الأخضر لتحويل التوغل الإسرائيلي إلى احتلال دائم تحت ذريعة الأمن. وبناءً عليه، تصبح زيارة الرئيس عون إلى البيت الأبيض في 21 الجاري محطة مفصلية: فإما أن تنجح واشنطن في فرض المسار التنفيذي للاتفاق وإجبار إسرائيل على بدء خطوات الانسحاب التجريبي، وإما أن يسقط "اتفاق الإطار" بالكامل لتتحول الجغرافيا اللبنانية إلى ساحة تفجير أساسية في الحرب الإقليمية الكبرى.

 

لبنان أمام ارتدادات المواجهة الكبرى

لم يَعُد المشهد اللبناني منفصلًا عن المواجهة الأميركيّة الإيرانيّة، بل بات جزءًا عضويًّا من مسرحها الإقليمي. فسقوط التفاهم بين واشنطن وطهران، وعودة الضربات المتبادلة، لا يعنيان مجرّد ارتفاع مستوى التوتّر، بل يفتحان الباب أمام إعادة توزيع الأدوار والساحات. وفي هذا السياق، يصبح جنوب لبنان الجبهة الأكثر قابليّة للاشتعال، نظرًا إلى هشاشة وقف إطلاق النار، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي، وغياب آليّة تنفيذيّة مُلزِمة للانسحاب.

المعضلة الأساسيّة تكمن في أنّ إسرائيل تتعامل مع الاتفاق باعتباره غطاءً لإدارة عمليّاتها، لا التزامًا يفرض عليها الانسحاب. فهي تواصل القصف وعمليّات النسف والتجريف، من الخيام والطيبة إلى حداثا وحولا، فيما تستخدم عبارة "المنطقة الأمنيّة" لتأسيس واقع عسكري جديد. وهذا التعبير ليس تفصيلًا لغويًّا، بل إعلان نيّات بتحويل الوجود المؤقّت إلى شريط احتلال طويل الأمد، وربط الانسحاب بشروط تتجاوز الحدود والقرار 1701 إلى ملفّ سلاح "حزب الله" في كامل لبنان.

 

واشنطن تعد بالانسحاب وتترك مفاتيحه لإسرائيل

تبدو السياسة الأميركيّة محكومة بازدواجيّة واضحة. فمن جهة، يقدّم الرئيس دونالد ترامب نفسه ضامنًا لاتفاق بين لبنان وإسرائيل، ويؤكّد أنّ الانسحاب سيحصل وأنّ الأمور "ستسير على ما يرام". ومن جهة ثانية، لا تظهر الإدارة الأميركيّة استعدادًا فعليًّا لاستخدام نفوذها لإلزام تل أبيب بجدول زمني أو خطوات ميدانيّة ملموسة.

الردّ الذي أطلقه وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس على ترامب كشف حدود الضمانة الأميركيّة. فعندما يقول كاتس إنّ إسرائيل لم تطلب إذنًا للدخول ولا تحتاج إلى إذن للبقاء، فهو لا يتحدّى لبنان وحده، بل يوجّه رسالة إلى واشنطن أيضًا، مفادها أنّ القرار الميداني سيبقى إسرائيليًّا مهما ارتفع منسوب التفاؤل السياسي الأميركي.

من هنا، لا تكمن أهميّة زيارة الرئيس جوزاف عون إلى البيت الأبيض في الصور والمواقف الدبلوماسيّة، بل في قدرته على انتزاع التزام تنفيذي واضح. فالاهتمام الأميركي بلبنان لا قيمة عمليّة له ما لم يتحوّل إلى ضغط على إسرائيل لوقف الاعتداءات، والبدء بالانسحاب، ومنع إنشاء منطقة عازلة تُقتطع تدريجيًّا من السيادة اللبنانيّة.

 

روما اختبار للاتفاق أم غطاء لتأجيله؟

نقل الجولة التفاوضيّة المقبلة من واشنطن إلى روما يحمل أبعادًا تتجاوز التبريرات التقنيّة المتعلّقة بتنقّل السفراء وأعضاء الوفود. فالانتقال جاء بناءً على رغبة إسرائيليّة وافقت عليها واشنطن، فيما وجد لبنان نفسه أمام مسار تفاوضي جديد من دون أن تنفّذ إسرائيل ما التزمت به في المسار السابق.

ولهذا، يطالب لبنان ببدء الانسحاب من المنطقتين التجريبيّتين قبل المشاركة في جولة جديدة. هذا المطلب ليس شرطًا تفاوضيًّا تعجيزيًّا، بل محاولة لمنع تحويل المفاوضات إلى عمليّة مفتوحة تُنتج اجتماعات متلاحقة من دون نتائج. فقبول لبنان بالانتقال إلى روما، من دون خطوة إسرائيليّة مقابلة، سيمنح تل أبيب فرصة لشراء الوقت، وتثبيت انتشارها، وربط أي انسحاب لاحق بملفّات داخليّة لبنانيّة لا علاقة مباشرة لها بوقف إطلاق النار.

وعليه، تشكّل جولة روما اختبارًا للوساطة الأميركيّة أكثر ممّا هي اختبار للموقف اللبناني. فإذا عجزت واشنطن عن فرض انسحاب تجريبي محدود، فكيف يمكنها ضمان تنفيذ اتفاق أشمل يتناول الحدود، وعودة الأهالي، وإعادة الإعمار، وانتشار الجيش؟

 

الدولة و"حزب الله": وحدة الهدف واختلاف المسار

في الداخل، يبرز خلاف واضح حول إدارة الملفّ. الرئيس عون يصرّ على حصر التفاوض بالدولة ورفض تحوّل لبنان إلى بند في حسابات الآخرين، فيما يعلن الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم تمسّكه بمسار التفاهم الإيراني الأميركي، بالتوازي مع بقاء المقاومة "في الميدان".

هذا التباين يكشف صراعًا على مرجعيّة القرار، لا على مبدأ الانسحاب الإسرائيلي. فالدولة تريد فصل الملفّ اللبناني عن التفاوض الإقليمي، بينما يرى الحزب أنّ مصير الجنوب مرتبط بتوازنات المواجهة بين إيران والولايات المتحدة. وبين المقاربتين، يخشى لبنان أن يصبح طرفًا في تسوية لا يشارك في صياغتها، أو ساحة ضغط تُستخدم لتحسين شروط الآخرين.

غير أنّ خطاب قاسم أظهر مرونة نسبيّة عندما أعلن قبول التفاوض غير المباشر، وحدّد أولويّات تبدأ بالانسحاب ووقف العدوان وإطلاق الأسرى، وصولًا إلى الإعمار وعودة السكان. وهذه النقاط تلتقي، من حيث المبدأ، مع العناوين الرسميّة، لكنّ الخلاف يبقى حول التوقيت، وآليّة التفاوض، والجهة التي تملك القرار النهائي.

 

بري يوازن بين الرسائل الأميركيّة والإيرانيّة

حركة رئيس مجلس النواب نبيه بري تعكس محاولة للإمساك بخيوط المسارين معًا. ففي لقائه السفير الأميركي ميشال عيسى، أعاد بري طرح السؤال الأساسي بشأن تثبيت وقف إطلاق النار والالتزام الإسرائيلي وخطوات الانسحاب. وفي استقباله مساعد وزير الخارجيّة الإيراني، وحيد جلال زادة، تلقّى رسالة تؤكّد استمرار وقوف طهران إلى جانب لبنان.

هذا التوازي ليس بروتوكوليًّا، بل يعكس موقع بري بوصفه قناة تواصل بين الدولة و"حزب الله"، وبين بيروت وطهران وواشنطن. لكنّ قدرة هذه القناة على إنتاج تسوية ستبقى محدودة ما لم يتوافر قرار أميركي حقيقي بكبح إسرائيل، وقرار إيراني بعدم تحويل الورقة اللبنانيّة إلى جزء من المواجهة المفتوحة.

 

الجيش ضمانة السيادة ومنع الفراغ

وسط تضارب المسارات، يعود الجيش اللبناني إلى الواجهة بوصفه الجهة الوحيدة القادرة على ملء أي فراغ أمني عقب الانسحاب الإسرائيلي. ولهذا تكتسب زيارة وليد جنبلاط إلى قائد الجيش العماد رودولف هيكل دلالة سياسيّة تتجاوز الدعم المعنوي، إذ تؤكّد أنّ المؤسسة العسكريّة تمثّل نقطة التقاء داخليّة في لحظة انقسام حادّة.

غير أنّ انتشار الجيش يحتاج إلى ضمانات وموارد وخطّة تنفيذيّة، لا إلى بيانات دعم فقط. كما أنّ الحديث عن وصول وفد عسكري أميركي لتنسيق آليّة الانتشار يضع واشنطن أمام مسؤوليّة مباشرة: إمّا أن تنجح في تأمين انسحاب متزامن ومنظّم، وإمّا أن تتحوّل الترتيبات التقنيّة إلى ستار سياسي لاستمرار الاحتلال.

تأتي زيارة الرئيس عون إلى واشنطن في لحظة تتقاطع فيها ثلاثة مسارات: التصعيد الأميركي الإيراني، والتعنّت الإسرائيلي، والانقسام اللبناني حول إدارة التفاوض. ولذلك، لن يكون اللقاء مع ترامب مناسبة بروتوكوليّة، بل مواجهة سياسيّة حول مستقبل الجنوب وموقع لبنان في التسوية الإقليميّة.

المطلوب لبنانيًّا هو الحصول على جدول واضح للانسحاب، ووقف عمليّات القصف والنسف، وتثبيت مرجعيّة الدولة في التفاوض. أمّا الاكتفاء بتعهّدات عامّة، فسيعني عمليًّا منح إسرائيل وقتًا إضافيًّا لتكريس "المنطقة الأمنيّة" وفرض معادلة جديدة تقوم على احتلال الأرض إلى حين تغيير التوازن الداخلي اللبناني.

لبنان يقف، إذًا، أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا تحويل الضغط الأميركي إلى مسار تنفيذي يعيد الأرض إلى سلطة الدولة، وإمّا الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة، تتداخل فيها الحسابات الأميركيّة والإيرانيّة والإسرائيليّة، ويُترك اللبنانيّون مرّة جديدة لدفع كلفة صراع لم يختاروا توقيته ولا يملكون وحدهم قرار إنهائه.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث