حين أنصفت الملاعب السود

مصطفى علّوشالخميس 2026/07/09
اللاعب البرازيلي فينيسيوس جينيور (Getty)
الملعب لا يعترف بالنسب، ولا بالثروة، ولا بلون البشرة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

"الناسُ من جهةِ التمثالِ أكفاءُ
أبوهمُ آدمٌ والأمُّ حواءُ" (معروف الرصافي)

 

لم يعرف التاريخ الحديث فكرةً تركت من الآثار المدمرة ما تركته نظرية التفوق العرقي. فقد شهد القرن التاسع عشر صعود تيارات فكرية أوروبية اعتبرت الإنسان الأبيض قمة السلم الحضاري، ورأت أن العقل والإبداع والتقدم صفات تكاد تكون حكرًا عليه، بينما صُوِّرت الشعوب الإفريقية بوصفها أقل تطورًا وأقرب إلى "البدائية". ولم تبقَ هذه التصورات حبيسة الكتب والجامعات، بل تحولت إلى الأساس الفكري للاستعمار، وتجارة العبيد، ونهب الثروات، والتمييز العنصري الذي امتد أثره قرونًا طويلة.لكن المفارقة أن العلم نفسه، الذي استُخدم يومًا لتبرير العنصرية، كان أول من أسقطها. فقد أثبتت أبحاث الوراثة والأنثروبولوجيا الحديثة أن جميع البشر ينحدرون من أصل إفريقي واحد، وأن الإنسان العاقل خرج من إفريقيا قبل عشرات آلاف السنين لينتشر في مختلف القارات. ولم يعد هناك أي أساس علمي للحديث عن أعراق متفوقة وأخرى متدنية، بل أصبح واضحًا أن الاختلافات بين البشر لا تتجاوز بعض السمات الشكلية، بينما تجمعهم وحدة الأصل ووحدة الطبيعة الإنسانية.

 

غير أن سقوط النظرية لم يمحُ آثارها. فقد دفع السود ثمنًا باهظًا عبر قرون طويلة من العبودية والاستعمار. اقتُلِع ملايين الأفارقة من أوطانهم ليباعوا في أسواق الرقيق، ثم حُرم أبناؤهم، حتى بعد إلغاء العبودية، من التعليم، والتمثيل السياسي، وتملك الثروة، وتولي مواقع القرار. وفي الوقت نفسه، كانت القوى الاستعمارية تستخرج الذهب والألماس والنحاس والنفط والمطاط واليورانيوم من إفريقيا لتبني بها نهضتها الصناعية، بينما بقيت القارة التي أغنت العالم تعاني الفقر والتبعية. لقد أُغلقت أمام السود أبواب كثيرة. فالجامعات كانت حكرًا على غيرهم، والسلطة السياسية بعيدة المنال، ورأس المال متركزًا في أيدي النخب التقليدية. لكن بابًا واحدًا بقي مفتوحًا، هو باب الرياضة.

فالملعب لا يعترف بالنسب، ولا بالثروة، ولا بلون البشرة. قد يستطيع المال أن يشتري النفوذ، وقد تمنح السياسة الامتيازات، لكن لا أحد يستطيع شراء سرعة العدّاء، أو دقة المهاجم، أو موهبة صانع الألعاب، أو قوة الملاكم. وعندما تبدأ المنافسة، تتراجع الألقاب والهويات أمام حقيقة واحدة: الأداء. ومن هنا بدأت قصة مختلفة. قصة فرض فيها السود الاعتراف بإنسانيتهم من خلال تفوقهم.

 

كان جيسي أوينز أول من وجّه ضربة رمزية لنظرية التفوق الآري عندما حصد أربع ميداليات ذهبية في أولمبياد برلين عام 1936 أمام أنظار أدولف هتلر. ثم جاء محمد علي كلاي ليجمع بين البطولة الرياضية والدفاع عن الكرامة الإنسانية، فأصبح رمزًا عالميًا يتجاوز الملاكمة نفسها. وبعده صنع مايكل جوردان، وكوبي براينت، وليبرون جيمس، ويوسين بولت، وبيليه، ورونالدينيو، وديدييه دروغبا، وصامويل إيتو، وكيليان مبابي، وفينيسيوس جونيور، ومحمد صلاح، وغيرهم، تاريخًا جديدًا لم يعد فيه الإنسان الأسود موضوعًا للشفقة أو التمييز، بل أصبح رمزًا للإبداع والإنجاز.

ولعل أعظم ما حققته الرياضة أنها غيّرت الوعي العالمي من دون خطابات سياسية. فالطفل الأوروبي أو الآسيوي أو الأميركي اللاتيني الذي يرتدي قميص لاعب أسود ويحفظ اسمه ويحتفل بأهدافه، يصعب عليه أن يؤمن بعد ذلك بأن لون البشرة معيار للتفوق أو الدونية. لقد صنعت الملاعب ما عجزت عنه سنوات طويلة من المؤتمرات والشعارات، لأنها خاطبت الناس بلغة النجاح نفسها. ولعل أكثر ما يجسد هذا التحول أن كثيرًا من المنتخبات الوطنية والأندية الكبرى في أوروبا وأميركا، التي تنتمي إلى دول كانت يومًا تتبنى أو تتسامح مع أفكار التفوق الأبيض، أصبحت تعتمد اليوم بصورة أساسية على لاعبين سود أو من أصول إفريقية. ففي كرة القدم، وكرة السلة، وألعاب القوى، والرجبي، وغيرها، يشكل اللاعبون السود نسبة كبيرة من نجوم المنتخبات الأوروبية والأميركية، بل إن نجاح كثير من هذه الفرق بات مرتبطًا مباشرة بإبداعهم. ولم يعد المشجع يلتف حول اللاعب بسبب لونه أو أصله، بل لأنه يمثل أفضل ما تملكه بلاده من موهبة وقدرة على الفوز.

 

إنها مفارقة تاريخية بالغة الدلالة. فالأحفاد الذين كان يُنظر إلى أجدادهم باعتبارهم أقل شأنًا، أصبحوا اليوم يحملون آمال دول كانت تؤمن يومًا بتفوق العرق الأبيض. وأصبحت الجماهير نفسها التي كانت تنظر إلى الإنسان الأسود بعين الريبة، تقف اليوم في المدرجات تهتف باسمه، وتفرح لانتصاراته، وتبكي عند خسارته. ولا يعني ذلك أن الرياضة قضت على العنصرية. فما زالت الملاعب تشهد هتافات عنصرية، وما زال كثير من اللاعبين السود يتعرضون للإساءات، كما أن حضورهم في مواقع الإدارة وصنع القرار الرياضي لا يزال أقل من حضورهم داخل الملاعب. كما أن الرياضة لم تعوضهم عن قرون العبودية، ولا أعادت إليهم الثروات المنهوبة، ولا أزالت آثار الاستعمار التي ما زالت تثقل كاهل كثير من الدول الإفريقية. لكنها أنجزت أمرًا لا يقل أهمية عن ذلك كله: فرضت الاعتراف. لقد أجبرت العالم على أن يرى الإنسان الأسود من خلال إنجازه لا من خلال لون بشرته، وأن يعترف بأن الكفاءة لا تعرف لونًا، وأن الموهبة لا تنتمي إلى عرق دون آخر.

 

وربما لهذا السبب تبقى الرياضة أكثر عدالة من كثير من ميادين الحياة. فهي لا تسأل الإنسان من أين جاء، ولا إلى أي عرق ينتمي، ولا كم يملك من المال، بل تسأله سؤالًا واحدًا: ماذا تستطيع أن تقدم؟ وهكذا لم تنتصر الملاعب للسود على البيض، بل انتصرت للإنسان على العنصرية. وإذا كان القرن التاسع عشر قد حاول أن يقنع العالم بأن لون البشرة يحدد قيمة الإنسان، فإن ملاعب القرن الحادي والعشرين تردد كل يوم الحقيقة التي قالها الرصافي قبل أكثر من قرن: الناس من جهة التمثال أكفاء، أبوهم آدم والأم حواء.

وقد أضاف علم الوراثة السكانية خلال العقود الأخيرة دليلًا مهمًا على وحدة الأصل البشري. فقد مكَّن تحليل الحمض النووي من تتبع السلالات الوراثية عبر آلاف الأجيال، مما قاد العلماء إلى تحديد ما يُعرف بـ "حواء الميتوكوندرية "(Mitochondrial Eve)، وهي المرأة التي تعود إليها السلالة الأمومية لجميع البشر الأحياء اليوم، وإلى "آدم الكروموسومي "(Y-chromosomal Adam)، وهو الرجل الذي تعود إليه السلالة الأبوية لمعظم الرجال المعاصرين. وتشير الدراسات إلى أن كليهما عاش في إفريقيا قبل عشرات آلاف السنين، وإن لم يكونا بالضرورة زوجين أو معاصرين في الزمن. ولا يعني هذا الاكتشاف أنهما كانا الإنسانين الوحيدين الموجودين آنذاك، بل إنهما يمثلان آخر أصلين مشتركين بقيت سلالتهما الوراثية مستمرة حتى الحاضر، في حين انقرضت السلالات الأبوية والأمومية الأخرى عبر الزمن. وهكذا عززت الوراثة الحديثة الفرضية القائلة بوحدة الأصل البيولوجي للبشر، وأسقطت مرة أخرى الأساس العلمي الذي قامت عليه نظريات التفوق العرقي.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث