لتعزيز المسار اللبناني في التفاوض: تثبيت الحدود أولاً

ريّان سعادهالأربعاء 2026/07/08
حدود لبنان الجنوبية الناقورة (Getty)
تُتاح للبنان فرصةٌ ليطوي نهائياً صفحة مخزية من تاريخه (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في 16 نيسان الفائت، نالت الحكومة اللبنانية اتفاق وقف إطلاق النار خاصٍّ بها مع إسرائيل، رافضةً دمج جبهة الجنوب في إطار وقف إطلاق النار الأميركي-الإيراني، رغم محاولات دولٌ عدّة، وفي طليعتها فرنسا، أن تربطها به (1). 

إخفاق اتفاق 16 نيسان، وخليفه المبرم في 3 حزيران، لا يقلل من أهمية هذه المبادرة. فضلاً لها، عادت الدولة اللبنانية من صانعي مصيرها، وليس من شهودها.

إضافة إلى ذلك، وبفتحها المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، رغم معارضة البعض، فصلت الحكومة بين مصالح لبنان ومصالح إيران وأتباعها اللبنانيين، مما يفسر نقمة الأخيرين على دولتهم.

للأسف، في ظلّ التطورات الأخيرة، أصبحت نتيجة هذه المفاوضات تزداد غموضاً، والمبادرة كلها مهددة بالتهميش.

 

لكن في وسع الرئيس جوزاف عون وحكومة الرئيس نواف سلام أن يستثمرا هذه المباحثات لتحقيق انتصار سياسي يدعم موقفهما خارجياً وداخلياً، يتمثل في إقرار نهائي من لبنان وإسرائيل بأن الحدود اللبنانية- الإسرائيلية هي تلك التي اعترفت بها الدولتان ورسمتاها عام 1949 عبر لجنة الهدنة اللبنانية- الإسرائيلية المشتركة.

 

صورة 1: حدود إسرائيل-لبنان، اللوحة رقم 2. دائرة المساحة - إسرائيل، كانون الأول 1949. الصورة من ملحق كتاب "لبنان في مواجهة مفاوضات التسوية" لعصام خليفة (2019). مستنسخة بإذن من المؤلف.

حدود إسرائيل-لبنان، اللوحة رقم 2.

 

 

فمسألة الحدود ليست مجرد بند من بين البنود المدرجة على جدول أعمال المفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية، بل تتصدر مخاوف اللبنانيين، على اختلاف انتماءاتهم السياسية والدينية. إذ يجمع معظمهم على أن إسرائيل لطالما طمعت في التوسع على حسابهم، وأن تدمير القرى المحتلة ليس إلا تمهيداً لاستيطانها.

وهذا الاقتناع يتيح لحزب الله أن يتقمّص دور "حارس" الأراضي اللبنانية في نظر شريحة واسعة من اللبنانيين، رغم تبعياته المعروفة.

لهذا الاقتناع ما يسنده. فالمنظمة الصهيونية سعت بالفعل، في مؤتمر السلام في باريس عام 1919، إلى حدودٍ للدولة اليهودية المرتقبة تمتدّ حتى الأطراف الجنوبية لمدينة صيدا (2)، كما أدلى قادة إسرائيليون، من أمثال موشيه ديان وليفي إشكول، بتصريحاتٍ مقلقة في هذا الشأن عقب انتصارهم في حرب 1967 (3).

غير أن هذه السوابق لم تترجم، على امتداد عقودٍ طويلة، إلى مشروعٍ استيطاني موجّه نحو الأراضي اللبنانية، التي بقيت إلى حدٍّ كبير خارج دائرة اهتمام الحركة الاستيطانية الإسرائيلية. 

لكن هذا الواقع بدأ يتغير مع اندلاع "حرب الإسناد" التي أطلقتها إيران عبر حزب الله في 8 تشرين الأول 2023.

ففي عام 2024، أسّست مجموعةٌ صغيرة من الناشطين حركة "أوري تسافون" (4)، وتعني بالعبرية "استيقظ يا شمال"، وهي أول حركة إسرائيلية مكرّسة حصراً لاستيطان جنوب لبنان. وفي البداية، كانت الحركة هامشيةً إلى أبعد حد. لكن استئناف الحرب المفتوحة مع حزب الله في الأشهر الأخيرة، أخرجها من هامش المشهد السياسي الإسرائيلي، حتى باتت تحظى بدعم شخصيات بارزة في اليمين المتطرف، وفي مقدمها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش (5)

ولذلك، لا تبدو الريبة اللبنانية بلا أساس، مهما أصرّ وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر على أن إسرائيل "لا تطمع بأي أرضٍ في لبنان" (6)، ومهما وصف الجيش الإسرائيلي وجوده في الأراضي اللبنانية بأنه مجرد "منطقة عازلة" مؤقتة (7).

وحين يتكلم الرئيس إسحاق هرتسوغ عن رغبته الشديدة بزيارة بيروت يوماً بصفة صديق (8)، في المدينة عينها يطغى أزيز المسيّرات الإسرائيلية على وقع كلماته.

 

الحدود، مسألة داخلية لبنانية

اتفاق 16 نيسان (9)، لم تَرِد فيه مسألة الحدود إلا في البند الأخير، حيث تلتزم إسرائيل ولبنان بإجراء مفاوضات مباشرة برعاية أميركية بهدف "تسوية جميع القضايا العالقة، بما في ذلك ترسيم الحدود البرية الدولية، وصولاً إلى إبرام اتفاق شامل يضمن الأمن والاستقرار والسلام الدائمين بين البلدين".

غير أن الحدود، في نظر كثيرٍ من اللبنانيين، مسألةٌ وجودية لا تفصيلاً تقنياً عابراً.

ففي أعقاب زوال الإمارة الشهابية عام 1843 وما رافقه من تقلّصٍ في الأراضي اللبنانية، جعلت الكنيسة المارونية من قضية الحدود أولويةً سياسية، فقادت منذ عام 1863 على الأقل حملةً متواصلةً للمطالبة بحدودٍ تقارب في مجملها حدود لبنان الحالية (10).

إضافة إلى أن لبنان قد يكون البلد الوحيد في العالم الذي يحدّد دستوره حدوده في مادته الأولى (11).

تعود صيغته الحالية إلى ذروة النضال ضد الانتداب الفرنسي. ففي تشرين الثاني 1943، عمد قادة الاستقلال، ومنهم رياض الصلح وبشارة الخوري وعادل عسيران، إلى تعديلها بحيث تصف حدود البلاد بدقةٍ لافتة (12)، مستشهدةً بجسورٍ وقرى بعينها بوصفها معالم جغرافية، وهو أمر نادر في الدساتير.

وفي حين تمتلك معظم الدول، ومنها إسرائيل (13)، آلياتٍ قانونيةً تتيح لها التخلّي عن أجزاء من أراضيها، تأتي المادة الثانية من الدستور اللبناني مقتضبةً وحاسمة:

"لا يجوز التخلي عن أحد أقسام الأراضي اللبنانية أو التنازل عنه".

ولعلّ هذا الخوف على أرضهم يفسّر معرفة جميع اللبنانيين بمساحة بلادهم، كما يفسّر تحوّل عبارة "10452 كلم²" من معطًى جغرافي إلى شعارٍ وطني جامع في بلدٍ اشتهر بتفككه، إلى درجة أن هوية الذي أطلقه، مؤسس القوات اللبنانية الرئيس بشير الجميّل (14)، لم يمنع الأمين العام السابق لحزب الله، السيد حسن نصرالله، من تبنّيه من دون أي تحفّظ (15) (16). 

من هنا، فإن حلّ هذه المسألة كفيلٌ بأن يعزّز، إلى حدّ بعيد، شعبية الحكومة ورئيس الجمهورية، ويعينها على تطبيق سائر بنود اتفاق وقف إطلاق النار. ومن حسن الحظ أنها أيضاً من المسائل القليلة التي يمكن، نظرياً، لمفاوضات واشنطن أن تحسمها بسهولة نسبية، من دون أي عملية جديدة لترسيمها على الأرض.

 

وضع حدودنا مع إسرائيل

خلافاً لما يُشاع كثيراً (17)(18)(19)، فإن الحدود اللبنانية-الإسرائيلية مرسَّمة رسمياً منذ زمن بعيد. إذ تحدّدها خرائط طوبوغرافية مفصّلة بمقياس 1:20000، تُبيّن مواقع العلامات الحدودية المتَّفق عليها، وحتى حيث اندثرت بعض هذه العلامات، أمكن تحديد مواقعها استناداً إلى الخرائط الأصلية من دون عناء يُذكر.

والاستثناء الوحيد هو منطقة مزارع شبعا، لأن الحدود اللبنانية-الإسرائيلية هناك هي في الواقع الحدود بين لبنان والجولان السوري. فحين احتلّت إسرائيل المنطقة بعد سنة 1967، ورثت عملياً إحدى التعديات الكثيرة على الأراضي اللبنانية التي كانت سوريا قد اقترفتها (20).

أما في ما عدا ذلك، فالصورة جلية تماماً.

رُسمت الحدود أولاً حين كان لبنان وسوريا تحت الانتداب الفرنسي، وفلسطين تحت الانتداب البريطاني. ففي 3 شباط 1922 (21)، وقّع المقدّمان موريس بوليه (22) وستيوارت فرانسيس نيوكومب، بتكليفٍ من حكومتيهما، اتفاقاً في بيروت لرسم الحدود على الأرض، وأنشآ بذلك ما عُرف لاحقاً بـِ "خط بوليه-نيوكومب". وقد رُسمت الحدود بالاستناد إلى خرائط طوبوغرافية بمقياس 1:50000، وعُلّمت على الأرض بثمانٍ وثلاثين علامةً حدوديةً بين لبنان وفلسطين.

وبعد قيام دولة إسرائيل وانتصارها في حرب 1948، تحدّدت حدودها باتفاقيات هدنةٍ منفصلة تفاوضت عليها، برعاية الأمم المتحدة، مع كل دولةٍ عربيةٍ مجاورة.

 

غير أنه، خلافاً للاتفاقيات الموقَّعة مع مصر (23) والأردن (24) وسوريا (25)، التي نصّت جميعها صراحةً على أن خطوط الهدنة لا يجوز، بأي حال، أن تُعدّ حدوداً سياسيةً مع إسرائيل، نصّت اتفاقية الهدنة الموقَّعة في رأس الناقورة مع لبنان (26)، من دون أي تحفّظ، على أن "خط الهدنة يتبع الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين".

وكان ذلك خياراً مقصوداً من الجمهورية اللبنانية، التي لم تكن لها، بخلاف حلفائها العرب، أي مطامع في فلسطين. بل إن الوفد اللبناني أصرّ على أن يكون خط الهدنة بمثابة اعترافٍ إسرائيلي نهائي بالحدود، وهو مطلبٌ أخّر توقيع الاتفاقية أياماً عدة، بحسب محاضر المفاوضات، بسبب تحفّظات تل أبيب (27).

غير أن لبنان وإسرائيل تبيّن لهما، بعيد توقيع اتفاقية الهدنة، أن خط بوليه-نيوكومب، الموضوع عام 1922، يفتقر إلى الدقة، إذ لم تكن الخرائط المعتمدة، بمقياس 1:50000، دقيقةً بما يكفي، كما كان عدد العلامات الحدودية محدوداً. لذلك، كلّفا لجنة الهدنة المختلطة اللبنانية-الإسرائيلية بإجراء ترسيمٍ أدقّ. وتحت إشراف الأمم المتحدة، وقّع النقيبان غانم وفريدلاندر، في 12 كانون الأول 1949، اتفاقاً دقّق خط الحدود (28).

ورُسم خط غانم-فريدلاندر الناتج على خرائط بمقياس 1:20000، وهو المقياس المعتمد لترسيم الحدود، وأُقيمت على امتداد حدوده، البالغ طولها 78 كيلومتراً، 145 علامةً حدودية (29)، بينها العلامات الثماني والثلاثون الموروثة من خط بوليه-نيوكومب. وتقاسمت الدولتان بالتساوي كلفة العلامات الـ107 الإضافية ومسؤولية تركيبها، على ما توثّقه الخرائط التي أعدّتها دائرة المساحة الإسرائيلية وأُرفقت بمحاضر لجنة الهدنة المختلطة.

 

صورة 2: حدود إسرائيل-لبنان، اللوحة رقم 3. دائرة المساحة - إسرائيل، كانون الأول 1949. الصورة من ملحق كتاب "لبنان في مواجهة مفاوضات التسوية" لعصام خليفة (2019). منسوخة بإذن المؤلف.

حدود إسرائيل-لبنان، اللوحة رقم 3.

 

وبحلول كانون الثاني 1951، لم يبقَ سوى خلافاتٍ طفيفةٍ محدودة، بحسب تقريرٍ للأمم المتحدة (30). وواصل المسؤولون اللبنانيون والإسرائيليون معالجتها عبر لجنة الهدنة المختلطة اللبنانية-الإسرائيلية، وكاد الطرفان يُقفلان ملف الحدود نهائياً عام 1967، بما في ذلك توقيع ثماني خرائط مفصّلة، حين اندلعت حرب حزيران 1967 (31).

ظلّ لبنان بمنأى عن تلك الحرب، وبالتالي نجت أراضيه من موجة الاحتلال التي طالت سوريا والأردن ومصر عقب النكسة. غير أن إسرائيل أعلنت في الأشهر التي تلت الحرب بطلان اتفاقية الهدنة اللبنانية-الإسرائيلية (32)، شأنها شأن سائر اتفاقيات الهدنة لعام 1949.

على خلاف هذا القرار، استمرّ المسؤولون العسكريون اللبنانيون والإسرائيليون في الاجتماع بانتظامٍ تحت رعاية الأمم المتحدة حتى عام 1975 (33). غير أن لقاءاتهم انصرفت إلى موضوع الكفاح المسلح الفلسطيني في جنوب لبنان أكثر من موضوع الحدود نفسها.

 

الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 وبداية الالتباس

في البداية، صمد ترسيم الحدود في وجه سلسلة الحروب التي عصفت بلبنان بعد عام 1975.

في عام 1983، نصّ الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي لسحب القوات المسلحة (34)، المعروف بـ"اتفاق 17 أيار"، في مادته الأولى على أن "الحدود الدولية القائمة بين لبنان وإسرائيل غير قابلة للانتهاك".

لم يُعِد النصّ النظر في تحديد الحدود أو ترسيمها، بل تعامل مع المسألة بوصفها محسومةً سلفاً.

أُقرّ الاتفاق بأغلبيةٍ واسعة (35) في كلٍّ من الكنيست، أي البرلمان الإسرائيلي، ومجلس النواب اللبناني، غير أنه اصطدم بمعارضةٍ سوريةٍ شرسة، فلم يصادق عليه الرئيس اللبناني، وانتهى حبراً على ورق.

ولفهم الالتباس الذي يكتنف الحدود اليوم، لا بدّ من العودة إلى المرحلة التي سبقت الانسحاب الإسرائيلي عام 2000. 

في كانون الثاني 1998، أعلنت إسرائيل، في عهد حكومة بنيامين نتنياهو الأولى، قبولها مبدأ الانسحاب من جنوب لبنان (36).

لاحقاً، وفي 27 أيار 1999، تعهّد رئيس الحكومة إيهود باراك بإنجاز انسحابٍ كاملٍ خلال الأشهر الاثني عشر التالية (37). وكان باراك يأمل في البداية أن يوظّف هذا الانسحاب للتوصّل إلى اتفاق سلامٍ مع سوريا أو لبنان.

غير أنه، بحلول تشرين الثاني 1999، تخلّى عن هذا الهدف تحت ضغط وزرائه (38)(39)، وبدأ يطرح علناً فكرة انسحابٍ غير مشروط.

أما حكومة لبنان آنذاك، وكانت تحت سيطرة الاحتلال السوري، فقد وقع عليها الأمر وقع الصدمة الكبرى (40).

 

فطوال التسعينيات، رفضت بيروت رفضاً قاطعاً محاولات تل أبيب فصل ملف انسحابها من جنوب لبنان عن المسار العام للسلام السوري-الإسرائيلي (41)، إذ كانت دمشق تريد استخدام الجنوب اللبناني ورقة ضغط في مفاوضاتها الخاصة مع الدولة اليهودية، وهي مفاوضات كانت، على غرار مفاوضات واشنطن اليوم، تُجرى مباشرةً بين الطرفين.

وكما تنبّأ أحد وزراء باراك، طرح الانسحاب الأحادي على لبنان وسوريا سؤالين حسّاسين: مصير الوجود العسكري السوري في لبنان، ومستقبل سلاح حزب الله.

وفي الفترة التي سبقت الانسحاب، لم تتجرأ الدولة اللبنانية حتى على تخيّل نفسها تعود لتتسلّم الجنوب بقواتها، فيما كانت بالكاد تسيطر على بيروت نفسها. بل إن وزير الدفاع آنذاك، غازي زعيتر، اقترح أن تطلب الحكومة من الجيش السوري مواكبة الجيش اللبناني إلى المناطق التي سيدخلها بعد الانسحاب الإسرائيلي (42). أما الرئيس آنذاك، إميل لحود، فذهب أبعد من ذلك، إذ رفض رفضاً قاطعاً أي انتشارٍ للقوى الأمنية اللبنانية في الجنوب المحرَّر (43)، مردّداً أحد شعاراته المفضّلة (44): "الجيش اللبناني لن يكون حارساً للاحتلال"؛ أي إسرائيل.

وفي نهاية المطاف، كان وزير الخارجية السوري هو من حسم الأمر، معلناً في 26 أيار الموقف النهائي لبيروت (45): يبقى حزب الله مسلّحاً، فيما تنتشر الدولة اللبنانية في الجنوب، على أن يقتصر انتشارها على ألف عنصرٍ فقط، موزّعين بين الجيش والدرك (سميت لاحقاً "القوة الأمنية المشتركة"). وأشارت برقيةٌ دبلوماسيةٌ أميركية لاحقاً إلى أن عدد العناصر الذين انتشروا فعلياً كان أقلّ بكثير من ذلك (46). 

 

والمفارقة أن دمشق، بفرضها هذا الانتشار الرمزي، بدت أشدّ حرصاً من أتباعها اللبنانيين على الحفاظ على واجهة السيادة اللبنانية. 

في ظل هذه الظروف، عادت مسألة الحدود إلى الواجهة فجأة. إذ كان لا بدّ، للتحقّق من أن إسرائيل قد انسحبت انسحاباً كاملاً، من تحديد موضع الحدود على وجه الدقة.

وتولّى رئيس قسم رسم الخرائط في الأمم المتحدة، ميكلوش بنتر، الوساطة بين لبنان وإسرائيل، وكشف لاحقاً للدبلوماسي الأميركي فريدريك هوف أنه حاول الاستناد إلى الملاحق المرفقة بأعمال لجنة الهدنة المختلطة (47).

غير أن المسؤولين الإسرائيليين، بحسب بنتر، ادّعوا في البداية أنهم يحوزون تلك الملاحق، ثم عادوا عن قولهم، قبل أن يقطعوا في نهاية المطاف كل تواصلٍ معه في هذا الشأن. أما الأمم المتحدة، فأعلنت أنها لم تتمكّن من العثور على تلك المستندات في أرشيفها. ولم يكن لبنان سوى الطرف الوحيد الذي قدّم لائحة إحداثيات (coordonnées) بدت مستخرجةً من تلك الملاحق.

 

ولما تعذّر إعادة تثبيت خط غانم-فريدلاندر رسمياً، استحدثت الأمم المتحدة بدلاً منه "الخط الأزرق"، وهو خطٌ مؤقت غايته التحقّق من انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، "من دون المسّ باتفاقات حدوديةٍ مقبلة بين الدولتين العضوين المعنيتين" (48) .

ولرسمه، اعتمد بنتر في الأساس على لائحة الإحداثيات اللبنانية، وإن كان، بحسب التقارير، قد انحرف عنها قليلاً في مناطق عدّة لمصلحة إسرائيل.

وبعد 24 أيار سنة 2000، أعلنت إسرائيل أنها انسحبت انسحاباً كاملاً من لبنان. رفض المسؤولون اللبنانيون هذا الادّعاء في البداية (49)، مشيرين إلى انتهاكاتٍ إسرائيلية عدّة، لا سيّما في منطقة مزارع شبعا، حيث لم يكن خط غانم-فريدلاندر ذا نفعٍ يُذكر لأنه لا يمتدّ إلى الجولان السوري.

لكن، رغم تحفظاته، عاد ووافق لبنان في النهاية على احترام الخط الأزرق (50). ومنذ تلك اللحظة، وجد نفسه يتفاوض مع إسرائيل على ترسيم خطٍّ أُريد له، من الناحية التقنية، ألا يُعدّ حدوداً.

وبحلول عام 2023، لم يكن لبنان وإسرائيل قد توصّلا إلى اتفاقٍ إلا على نصف طول الخط الأزرق (51).

 

اقتراحٌ للمفاوضين اللبنانيين

اليوم، ومن خلال المفاوضات المباشرة، تُتاح للبنان فرصةٌ ليطوي نهائياً هذه الصفحة المخزية من تاريخه.

عادةً ما يوصي المختصون في حلّ النزاعات بالبدء بإجراءات بناء الثقة (confidence-building steps) (52). ويبدو أن البيت الأبيض يرى أن لقاءً بين عون ونتنياهو قد يفي بهذا الغرض. غير أن الحسم النهائي لمسألة الحدود اللبنانية-الإسرائيلية يظلّ أبلغ أثراً بما لا يقاس.

فبما أن خط غانم-فريدلاندر قائمٌ سلفاً، وقد أُبرم في عهد حكومة دافيد بن غوريون عام 1949، الأب المؤسس لإسرائيل، فلا ينبغي، نظرياً، أن يشكّل عقبةً كبرى أمام تل أبيب. ولا شيء يمنع الكنيست من إصدار قانونٍ يعترف بخط اتفاقية 12 كانون الأول 1949 حدوداً شماليةً لإسرائيل.

وفي المقابل، يمكن للجمهورية اللبنانية أن تعدّل المادة الأولى من دستورها، التي تحدّد الحدود الجنوبية للبنان بأنها "حدود قضاءَي صور ومرجعيون الجنوبية الحالية". ويمكن أن يحلّ محلّ هذه الصياغة نصٌّ ينصّ على "الخط الذي أرسته اتفاقية 12 كانون الأول 1949 الموقّعة من النقيب إسكندر غانم". وسيكون لهذه الخطوة، بالنسبة إلى إسرائيل، فائدةٌ إضافية تتمثّل في تقويض ادّعاءات حزب الله بشأن "القرى الشيعية السبع" (53)، أي القرى الشيعية الفلسطينية التي كانت قائمةً قرب الحدود اللبنانية قبل نكبة 1948.

 

أما منطقة مزارع شبعا، بما فيها تلال كفر شوبا وقرية النخيلة، فيمكن لإسرائيل أن تعترف بها أرضاً لبنانية من جانبٍ واحد، استناداً إلى خريطة عام 1946 التي وضعتها اللجنة الحدودية السورية-اللبنانية المشتركة (54)، وأُعيد تأكيدها في محاضرها للأعوام 1951 و1961 و1964 (55). وبذلك تُطوى صفحة الخلافات الحدودية اللبنانية-الإسرائيلية.

وبطبيعة الحال، يمكن للطرفين اتخاذ خطواتٍ أخرى لا تقلّ أهميةً في إطار بناء الثقة، كوقفٍ نهائيٍّ للأعمال العدائية، أو انسحابٍ إسرائيليٍّ فوري، أو محاكمة الجنود الإسرائيليين المسؤولين عن جرائم حرب (56). غير أن الأمرين الأولين، للأسف، لا يبدوان مطروحين على الطاولة، فيما لا يزال الثالث، في الظروف الراهنة، أقرب إلى الوهم منه إلى الاحتمال (57).

إن حلّ مسألة الحدود أيسرُ على الدولة اللبنانية بكثيرٍ من أن تُخلّص الشعب الإسرائيلي من إدمانه على العنف.

ولو نجحت الدولة في انتزاع اعترافٍ إسرائيليٍّ رسميٍّ بحدود عام 1949، لطمأنت الأهالي المهجَّرين إلى أنهم عائدون يوماً إلى أرضهم، و لأثبتت ما يمكن أن يجنيه لبنان من ابتعاده عن إيران.

كما أن خطوةً كهذه من شأنها أن تيسّر على الدولة اللبنانية تنفيذ القرارات المتخذة بشأن حزب الله. ومن شأن ذلك أن يفتح الباب أمام استعادة ما تبقّى من الأراضي المحتلة، ووضع حدٍّ نهائيٍّ للحرب، ومنع عودتها كلما صدر قرارٌ في طهران.

 

وأخيراً، إن كانت الدولة اللبنانية تريد فعلاً سلوك هذا الطريق، فبوسعها أن تتفادى تكرار سيناريو عام 2000، يوم ادّعت إسرائيل أنها لم تعد تملك خرائطها الأصلية لعام 1949، وذلك بالحصول عليها من الاستاذ عصام خليفة، الذي تمكّن من تأمين نسخٍ منها وأرسلها مراراً إلى السلطات اللبنانية على مدى العقود الماضية.

ومن الخير للمسؤولين الحاليين أن يطلبوها منه مجدداً، إلى جانب مجمل أعماله الواسعة والمرجعية في شأن حدود لبنان كافة.

وإن كتب للدولة اللبنانية أن تنهض يوماً من شللها الطويل حيال الجنوب، فسيكون الفضل لكل من عمل طويلاً، على غرار عصام خليفة، تحضيراً لعودتها.

 

(نشرت هذه الدراسة بالإنكليزية في صحيفة لوريان لوجور)

 

المراجع:

(1) https://www.elysee.fr/emmanuel-macron/2026/04/08/declaration-conjointe-a-la-suite-du-cessez-le-feu-entre-les-etats-unis-et-liran

(2) Statement of the Zionist Organization regarding Palestine. February 3, 1919. (https://www.un.org/unispal/document/auto-insert-199976/).

Khalifé, Issam Kamal. Lebanon, Water, and the Borders (1916-1975). Volume One. Second edition. Beirut, 2012. Page 38. 
خليفة، عصام كمال. "لبنان، المياه والحدود (١٩١٦-١٩٧٥). الجزء الأول". الطبعة الثانية. بيروت، 2012. ص. 38.

(3) https://www.lemonde.fr/archives/article/1967/09/08/m-eshkol-parle-du-canal-de-suez-comme-de-la-meilleure-frontiere-naturelle_2620310_1819218.html

(4) https://jewishcurrents.org/inside-the-movement-to-settle-southern-lebanon-uri-tzafon-israel

(5) https://jewishcurrents.org/support-for-settlement-of-lebanon-goes-mainstream-in-israel

(6) https://english.aawsat.com/arab-world/5267346-israel-says-has-%E2%80%98no-territorial-ambitions%E2%80%99-lebanon-despite-evacuations

(7) YnetNews.com. Ben Kimon, Elisha. IDF chief says troops may stay in south Lebanon buffer zone until northern Israel is safe. April 29, 2026.

(8) https://x.com/Isaac_Herzog/status/2046962810555449462

(9) https://www.state.gov/releases/office-of-the-spokesperson/2026/04/ten-day-cessation-of-hostilities-to-enable-peace-negotiations-between-israel-and-lebanon

(10) Hakim, Carol. The Origins of the Lebanese National Idea 1840-1920. Berkeley: University of California Press, 2013. Pages 104-107.

(11) https://cc.gov.lb/fr/constitution-loi/constitution/dispositions-fondamentales/

(12) https://mjp.univ-perp.fr/constit/lb1926.htm

(13) https://tile.loc.gov/storage-services/service/ll/llglrd/2019668142/2019668142.pdf

(14) https://mediarelations-lb.org/post.php?id=2924

(15) https://mediarelations-lb.org/post.php?id=15454

(16) https://mediarelations-lb.org/post.php?id=18068

(17) https://www.reuters.com/world/middle-east/lebanon-israel-set-approve-maritime-border-deal-2022-10-27/

(18) https://newlinesinstitute.org/middle-east-center/lebanon-and-israel-moving-beyond-the-maritime-agreement/

(19) https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/israel-debates-lebanon-maritime-deal

(20) https://www.jstor.org/stable/4329816.

(21) Khalifé, 2012. Page 76.

(22) https://www.greatwarforum.org/topic/306049-french-lt-col-n-paulet/ 

https://www.leonore.archives-nationales.culture.gouv.fr/ui/notice/287349

(23) https://peacemaker.un.org/sites/default/files/document/files/2024/05/eg20il490224egyptian-israeli20general20armistice20agreement.pdf

(24) https://peacemaker.un.org/sites/default/files/document/files/2024/05/il20jo490403hashemite20jordan20kingdom-israel20general20armistice20agreement.pdf

(25) https://peacemaker.un.org/sites/default/files/document/files/2024/05/il20sy490720israeli-syrian20general20armistice20agreement.pdf

(26) https://treaties.un.org/doc/Treaties/1949/10/19491006%2004-57%20PM/volume%2042-I-655-English_French.pdf

(27) Khalifé, 2012. Page 81.

(28) https://apa-inter.com/post.php?id=5082

(29) Khalifé, Issam Kamal. Lebanon and the Conflict-Resolution Negotiations. Revised and augmented edition. Beirut, 2019. Pages 213-217. 
خليفة، عصام كمال. "لبنان في مواجهة مفاوضات التسوية. طبعة مزيدة ومنقحة". بيروت، 2019 

Khalifé, 2012. Pages 102-105.

(30) https://digitallibrary.un.org/record/479734?v=pdf

(31) Khalifé, 2012. Page 87.

(32) Le Monde, 16 août 1967. LE CONFLIT DU MOYEN-ORIENT: Le maréchal Tito tente de rallier les ...Page 1. Accessed via ProQuest.

(33) Kaufman, Asher. Contested frontiers in the Syria-Lebanon-Israel region: cartography, sovereignty, and conflict. Woodrow Wilson Center Press, D.C./Johns Hopkins University Press, Baltimore, USA. 2013. Page 119.

(34) https://www.palestine-studies.org/sites/default/files/attachments/jps-articles/2536250.pdf

(35) L'Orient-Le Jour, May 17, 1983. LE « OUI » HISTORIQUE DU PARLEMENT. Page 1.

(36) https://www.lorientlejour.com/article/248450/Israel_accepte_-nominalement-la_resolution_425_de_lONU_Mais_ce_revirement_de_pure_forme_ne_modifie_pas_les_conditions_posees_par_letat_hebreu_a_un.html

(37) https://www.lorientlejour.com/article/289717/Barak_reaffirme_son_engagement_a_retirer_ses_troupes_du_Liban_en_un_an.html

(38) https://www.lorientlejour.com/article/301896/Nouveaux_raids_aeriens_israeliens.html

(39) https://www.lorientlejour.com/article/292036/Liban-sud_Relance_en_Israel_du_debat_sur_un_retrait_unilateral.html

(40) Pinfold, Rob Geist, 'Leaving "Israel's Vietnam": Southern Lebanon', in Understanding Territorial Withdrawal: Israeli Occupations and Exits. New York, 2023; online edition; Oxford Academic, April 20, 2023. Pages 88-89.

(41) https://www.lorientlejour.com/article/311129/Liban-Sud_-_Il_ny_aura_pas_de_retrait_sans_un_accord_prealable_Beyrouth_est_convaincu_que_Barak_bluffe.html

(42) https://www.lorientlejour.com/article/271660/Dissociation_des_volets_libanais_et_syrien_Hoss_se_felicite_du_rejet_par_Annan_de_la_proposition_israelienne.html

(43) https://archive.assafir.com/ssr/1036384.html

(44) https://archive.assafir.com/ssr/1256244.html

(45) https://archive.assafir.com/ssr/1009049.html 

https://archive.assafir.com/ssr/989089.html

(46) https://web.archive.org/web/20210922070543/https://www.liberation.fr/planete/2000/05/27/le-retrait-israelien-embarrasse-la-syrie-le-liban-du-sud-etait-un-atout-dans-la-negociation-sur-le-g_325535/

(47) https://wikileaks.org/plusd/cables/06BEIRUT1481_a.html

(48) Hof, Frederic C. A Practical Line: The Line of Withdrawal from Lebanon and Its Potential Applicability to the Golan Heights. Middle East Journal, Winter, 2001, Vol. 55, No. 1 (Winter, 2001), pp. 25-42. Pages 30-32.

(49) Hof, 2001. Page 29.

(50) https://www.lorientlejour.com/article/423041/Beyrouth_multiplie_les_demarches_pour_obtenir_lappui_des_pays_amis_Hoss_reaffirme_que_le_retrait_nest_pas_complet.html

(51) https://www.refworld.org/reference/countryrep/unsc/2000/30339

(52) https://www.lorientlejour.com/article/1343674/ligne-bleue-13-points-litigieux-des-cles-pour-comprendre-la-situation-le-long-de-la-frontiere-terrestre.html

(53) https://en.wikipedia.org/wiki/Confidence-building_measures

(54) https://www.lorientlejour.com/article/410266/Negociations_-_La_revendication_des_sept_villages_pourrait_remettre_en_question_le_trace_des_frontieres_Ses_compensations_materielles_pour_les_detente.html

(55) https://digitallibrary.un.org/record/414880?ln=fr&v=pdf

(56) Chahine, Chady. Les enjeux géopolitiques du conflit frontalier des Fermes de Chebaa : du mythe de l'enjeu du partage des ressources hydriques du bassin du Jourdain à la réalité des rivalités du Moyen-Orient contemporain. Master's thesis, International Studies, Université Laval, 2011. Pages 61-62.

(57) Mandel, Ralph. "Israel in 1982: The War in Lebanon." The American Jewish Year Book, vol. 84, 1984, pp. 3-72. Page 25. (for an example of Israelis potentially acting more humanely: September 25, 1982, when 400,000 Israelis demonstrated in Tel Aviv, demanding the fall of the Begin cabinet and particularly Defense minister Ariel Sharon over the Sabra and Shatila massacres, which the demonstrators held the Israeli army responsible for.)

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث