دخلت المنطقة من جديد نفق الانفجار العسكري والسياسي المباشر بين واشنطن وطهران. ومع هذا التحوّل الإقليمي الحادّ، تلاشى الرهان اللبناني على إيجابيات التفاهمات التي كان يؤمّل منها، والتي طالب "حزب الله" باعتمادها، وتتجلّى بدور لطهران إلى جانب واشنطن، في ترتيبات الجنوب اللبناني. فالجنوح المتجدّد نحو الصدام بدّد الحظوظ المتاحة لتأمين غطاء مرن للتسوية في لبنان، وهذه الحظوظ كانت ضعيفة أساسًا.
في الحسابات الإسرائيلية، يمثّل هذا الانفجار الأميركي، الإيراني "الوصفة المثالية" التي كان يترقّبها بنيامين نتنياهو، إذ يمنحه الذريعة والغطاء للمضيّ قدمًا في تحقيق أهدافه المزدوجة: تصفية الحسابات الإستراتيجية مع القدرات الإيرانية مباشرة، ومواصلة قضم عناصر القوّة المتبقّية لـ"حزب الله" وتوسيع هوامش السيطرة والاحتلال في لبنان، والاستفراد به، من دون كوابح دولية.
وهذا التبدّل العنيف في المناخ الإقليمي يضع الساحة اللبنانية مباشرة أمام مسارين:
أوّلًا، إنّ غياب المظلّة الدبلوماسية الدولية سيعني عودة مخاطر انفجار الوضع العسكري والسياسي جنوبًا على نطاق واسع، واستئناف إسرائيل للحرب الجوّية والبرّية، مستفيدة من التغطية الأميركية المفتوحة ضدّ المحور الإيراني.
ثانيًا، في حال سعي لبنان الرسمي إلى تجنّب الصدام الميداني الشامل، فالساحة اللبنانية ستُدفع قسرًا نحو ضغوط جديدة تحت عنوان نزع سلاح "حزب الله" وتفكيك بنيته التحتية، تحت طائلة العودة إلى مربّع العنف المفتوح، وإطلاق يد الاحتلال لتوسيع دائرة الغزو البرّي وتثبيت مناطق عازلة دائمة في العمق اللبناني.
هذه الوقائع تُظهر مجدّدًا مخاطر الربط بين مصير الجنوب اللبناني والملفّات الإقليمية. . وإذ جدد ترامب اليوم إبداء اعتقاده بأن "إسرائيل .ستنسحب من لبنان فور تأمين أمنها فإن لبنان لم يعد يملك اليوم ترف الوقت لإنتاج حلوله الخاصّة لأزماته، بعيدًا من صراعات الخارج وأكلافها الباهظة، علمًا أنّ الرئيس جوزاف عون عبّر اليوم مجدّدًا عن تفاؤله بما سيتوصّل إليه لبنان في مسار التفاوض. وقال مصدر دبلوماسي لـ"فرانس برس" إنّ لبنان يشترط انسحاب إسرائيل من منطقتين تجريبيّتين للمشاركة في جولة المفاوضات في روما، التي يدعو الإسرائيليون إلى انعقادها في 15 و16 من الجاري.
روما ساحة تفاوض أم محاولة لتخفيف الضغط؟
موافقة لبنان المبدئيّة على عقد الجولة السادسة من المفاوضات مع إسرائيل في روما لا تعني أنّ بيروت سلّمت بالشروط الإسرائيلية، بل تكشف محاولة لبنانية دقيقة للفصل بين مكان التفاوض ومضمونه. فإسرائيل دفعت نحو نقل المحادثات من واشنطن إلى العاصمة الإيطالية لأنّها تريد هامشًا أوسع للمناورة، بعيدًا من الضغط الأميركي المباشر الذي رافق الجولات السابقة، وخصوصًا ضغط وزير الخارجية ماركو روبيو. أمّا لبنان، فيتعامل مع المكان بوصفه تفصيلًا قابلًا للنقاش، شرط ألّا يتحوّل إلى مدخل لإفراغ الرعاية الأميركية من مضمونها.
المشكلة بالنسبة إلى بيروت ليست في روما بذاتها، بل في احتمال استخدام النقل لتعديل ميزان التفاوض. فحين تكون واشنطن حاضرة سياسيًّا وأمنيًّا، تستطيع إلزام الطرفين بإيقاع محدّد، أو على الأقلّ منع إسرائيل من تحويل الجلسات إلى غطاء لإدارة حرب طويلة. أمّا إذا تقلّص الحضور الأميركي إلى دور شكليّ، فستصبح المفاوضات مجرّد منصّة تمنح إسرائيل وقتًا إضافيًّا لتثبيت وقائع ميدانية جديدة، من دون أن تدفع ثمنًا سياسيًّا واضحًا.
من هنا، يتمسّك لبنان بضمانات أميركية لاستمرار الانخراط المباشر، ويربط مشاركته بانسحاب إسرائيلي من منطقتين تجريبيّتين. هذا الشرط ليس تقنيًّا، بل هو اختبار مبكر لمدى جدّيّة تل أبيب في تنفيذ أيّ تفاهم. فإذا رفضت الانسحاب المحدود، فكيف يمكن الوثوق بتعهّداتها حيال انسحاب أوسع، أو وقف التدمير، أو تسهيل عودة الأهالي؟ لذلك يريد لبنان تحويل "المناطق التجريبيّة" إلى نموذج تنفيذيّ، يثبت أنّ التفاوض قادر على إنتاج تغيير فعليّ، لا بيانات مؤجّلة.
واشنطن تستدعي عون: دعم سياسي أم رفع للسقف؟
تأتي دعوة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن في 21 تموز لتضع المفاوضات ضمن إطار سياسي أكبر. فالزيارة ليست بروتوكوليّة فقط، لأنّها تحصل بعد توقيع اتفاق إطاري، وقبل اتّضاح مصير الجولة السادسة، وفي لحظة إقليمية تتقاطع فيها الحرب الأميركية، الإيرانية مع الحسابات الإسرائيلية في لبنان. لذلك تبدو واشنطن وكأنّها تريد نقل الملفّ اللبناني من مستوى إدارة الحدود إلى مستوى إعادة صياغة موقع الدولة اللبنانية في التوازن الإقليمي.
الرئيس عون قرأ الدعوة بوصفها تعبيرًا عن اهتمام أميركي غير مسبوق، وفرصة لدعم حلّ دائم يوقف الحروب والاعتداءات الإسرائيلية. لكنّ هذا الدعم لن يكون مجّانيًّا. الولايات المتحدة ستطالب الدولة اللبنانية بخطوات ملموسة في الجنوب، وبسط سلطتها، ومنع أيّ بنية عسكرية مستقلّة عن المؤسّسات الشرعية. وفي المقابل، سيطلب عون التزامًا أميركيًّا واضحًا بإجبار إسرائيل على الانسحاب ووقف الاعتداءات، لأنّ أيّ ضغط أحاديّ على لبنان سيقوّض موقع الدولة بدل أن يعزّزه.
في هذا السياق، يصبح رفض عون لقاء نتنياهو موقفًا سياسيًّا محسوبًا. فهو يريد الاستفادة من الدعم الأميركي، من دون منح إسرائيل صورة تطبيع مجّانيّة في ظلّ استمرار الاحتلال والاعتداءات. كما أنّه يدرك أنّ أيّ اجتماع ثلاثيّ، قبل تحقيق تقدّم ميداني، سيُستخدم إسرائيليًّا لإظهار لبنان كطرف انتقل من موقع التفاوض تحت النار إلى موقع التسوية تحت الشروط.
إسرائيل تفاوض لكسب الوقت وتثبيت الوقائع
السلوك الإسرائيلي يوحي بأنّ تل أبيب لا تتعامل مع المفاوضات بوصفها طريقًا إلى تسوية متوازنة، بل كأداة لإدارة الوقت. فالمعطيات اللبنانية تشير إلى رغبة إسرائيلية في تأجيل تنفيذ ملفّ المناطق التجريبيّة إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، ما يعني أنّ الاعتبارات الداخلية لنتنياهو تتقدّم على أيّ التزام إقليمي. وكلّ يوم تأخير يمنح الجيش الإسرائيلي فرصة لاستكمال التدمير، ومنع عودة السكان، وتوسيع المساحات التي يمكن استخدامها لاحقًا كورقة تفاوض.
الهدف الأعمق هو تغيير وظيفة الجنوب. فإسرائيل لا تريد فقط إبعاد "حزب الله" عن الحدود، بل تسعى إلى إنتاج شريط أمنيّ جديد بوسائل مختلفة، مناطق مهجّرة، بنى مدمّرة، حضور عسكري متحرّك، ومفاوضات بلا جدول زمنيّ حاسم. بهذا المعنى، يصبح الاحتلال أقلّ كلفة سياسيًّا حين يُقدَّم كإجراء مؤقّت مرتبط بترتيبات أمنية لم تنضج بعد.
ولهذا أيضًا، تكتسب عودة عشرات آلاف اللبنانيين إلى قراهم أهمّيّة سيادية، لا إنسانية فقط. العودة تعني إسقاط مشروع الفراغ، وإعادة تثبيت الحدود بوصفها مساحة حياة لبنانية، لا منطقة عمليات إسرائيلية. ولذلك يشكّل تشغيل مستشفى عين إبل، وإعادة فتح الطرق، وإزالة الردم، وتأهيل البنى التحتية، جزءًا من المعركة السياسية نفسها. الدولة التي تعيد الناس وتحميهم تثبت حضورها أكثر ممّا تفعل عبر البيانات.
سلاح "حزب الله" تحت ضغط التحوّل الإقليمي
التصعيد بين واشنطن وطهران يضع "حزب الله" أمام أصعب اختبار منذ سنوات. فالمظلّة الإيرانية التي كانت تمنحه قدرة على التفاوض ضمن شبكة إقليمية أوسع باتت اليوم مصدر ضغط مباشر على لبنان. وكلّما اتّسعت المواجهة، زادت قدرة إسرائيل على ربط عملياتها في الجنوب بالحرب على إيران، وتقديم أيّ ضربة بوصفها جزءًا من دفاعها الإستراتيجي.
في المقابل، يرفع المجتمع الدولي سقف مطالبه من الدولة اللبنانية. الدعوة الألمانية إلى التصدّي لـ"حزب الله" وبسط سلطة الدولة في الجنوب ليست موقفًا منفصلًا، بل مؤشّر إلى اتجاه غربي يريد تحويل الاتفاق الإطاري إلى مسار تفكيك تدريجيّ للبنية العسكرية للحزب. غير أنّ تطبيق هذا المسار بالقوّة أو تحت القصف سيؤدّي إلى نتيجة معاكسة، لأنّه سيضع الدولة في مواجهة بيئتها، ويمنح إسرائيل ذريعة للاستمرار.
المعادلة الأكثر واقعية تقوم على تلازم واضح، انسحاب إسرائيلي كامل، وقف ثابت للاعتداءات، انتشار فعليّ للجيش، وخطّة وطنية لحصر السلاح بيد الدولة. أمّا مطالبة لبنان بتقديم التزاماته مسبقًا، فيما تبقي إسرائيل احتلالها، فتعني تحويل الدولة إلى أداة ضغط داخلي، لا إلى مرجعية سيادية.
الدولة أمام امتحان القرار والقدرة
اختيار الرئيس عون طريق المفاوضات ينطلق من إدراك أنّ ميزان القوّة العسكري لا يسمح للبنان بوقف آلة الحرب، لكنّ نجاح هذا الخيار يتطلّب أكثر من التفاؤل. المطلوب إدارة موحّدة للملفّ، وتنسيق كامل بين الرئاسات والحكومة والجيش، ومنع تضارب الرسائل. فإسرائيل تستفيد من أيّ انقسام لبناني، وتحوّل الخلاف الداخلي إلى دليل على غياب الشريك القادر على التنفيذ.
كما أنّ جلسة مجلس الوزراء لا ينبغي أن تبقى محصورة في متابعة المستجدّات، بل يُفترض أن تنتج أولويّات تنفيذية، تثبيت وقف النار، دعم الجيش، تمويل العودة، تشغيل المؤسّسات الحدودية، وإطلاق خطاب وطني يرفض الاحتلال كما يرفض ربط لبنان بحروب الآخرين.
لبنان اليوم أمام فرصة ضيّقة، لا أمام تسوية مكتملة. وهذا يتطلّب أيضًا حماية القرار الرسمي من الاستقطاب الداخلي، وربط أيّ التزام لبنانيّ بخطوات إسرائيلية متزامنة، واضحة، وقابلة للتحقّق الميدانيّ والسياسيّ لاحقًا. زيارة واشنطن قد تمنحه دعمًا، وروما قد تفتح بابًا، لكنّ إسرائيل ستواصل محاولة شراء الوقت، وإيران ستواصل ربط أوراقها بساحات الإقليم، و"حزب الله" سيواجه سؤال موقعه ووظيفته. وحدها الدولة تستطيع تحويل الضغط إلى مسار سيادي، شرط أن تفاوض باسم لبنان، لا بوصفها وسيطًا بين مشاريع تتنازع أرضه.




