لبنان لا يُقاد إلى السلام… بل إلى وصاية أمنية جديدة

مروان حربالثلاثاء 2026/07/07
دمار في النبطية (Getty)
لن يشهد لبنان نهاية فعلية للحرب (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ما يُحضَّر للبنان اليوم ليس سلاماً. إنه ترتيب أمني لإدارة نتائج الحرب، لا لإنهائها سياسياً. إنه محاولة لتغليف الهزيمة السياسية والضعف السيادي بلغة ناعمة: تهدئة، استقرار، منع تصعيد، ترتيبات ميدانية، وضمانات أمنية. لكن خلف هذه اللغة، تتشكل معادلة أكثر خطورة: لبنان لا ينتقل من الحرب إلى السلام، بل من حرب مفتوحة إلى نظام مراقبة دائم، تُدار فيه سيادته بدلاً من أن تُستعاد. في هذه المرحلة، تبرز ثلاثة عناوين أساسية: الحديث عن "مناطق اختبار" في الجنوب، وإمكان وجود دور سوري ما في الداخل اللبناني، واستمرار "حرية عمل" إسرائيلية في حال رأت أن أمنها مهدد. هذه العناوين لا يمكن التعامل معها كتفاصيل تقنية في تفاوض أمني، لأنها تعكس طبيعة الترتيب الذي قد يحكم لبنان بعد الحرب.

 

فالمرحلة المقبلة لن تكون، على الأرجح، مرحلة سلام واضح تقوده الدولة اللبنانية وتفرض فيه سلطتها على كامل أراضيها. ستكون مرحلة انتقالية رمادية، تقوم على ضبط الجبهة من دون إنهاء أسباب الانفجار، وعلى انتشار مشروط للدولة من دون سيادة مكتملة، وعلى تهدئة قابلة للكسر كلما قرر الطرف الأقوى أن شروط الأمن لم تُحترم. بهذا المعنى، لن يشهد لبنان نهاية فعلية للحرب، بل إعادة تنظيم لها بأدوات أقل ضجيجاً. قد يتراجع القصف، وقد تنخفض وتيرة المواجهة، وقد يعود الجيش إلى مناطق محددة في الجنوب، لكن منطق الحرب سيبقى حاضراً: في السماء المفتوحة، وفي الحدود المراقبة، وفي القرار الأمني المعلّق، وفي حق التدخل الذي تريد إسرائيل الاحتفاظ به تحت عنوان "حرية العمل".

 

حين يُقال إن هناك مناطق اختبار، فهذا يعني أن الدولة اللبنانية لا تُعامَل كسلطة مكتملة، بل كسلطة موضوعة تحت الامتحان: عليها أن تثبت قدرتها كي تُمنح مساحة إضافية، وأن تنجح في منطقة كي يُسمح لها بالانتقال إلى أخرى. الدولة مطلوبة كي تنفذ، لا كي تقرر. مطلوبة كي تضبط الداخل، لا كي تمتلك القرار الأمني الكامل. مطلوبة كي تمنع عودة حزب الله إلى مناطق معينة، وتطمئن الخارج، وتحمي التهدئة، لكنها لا تحصل في المقابل على ضمانة فعلية بسيادة كاملة أو بوقف نهائي للانتهاكات أو بحرية قرارها الوطني. 

بالتوازي مع ذلك، فإن الحديث عن دور سوري محتمل، يضيف طبقة أخرى من التعقيد. فالأرجح أن سوريا لن تعود بالشكل القديم؛ أي كوصاية مباشرة ومعلنة. لكنها قد تعود بوظيفة مختلفة: دور أمني، أو سياسي، أو إقليمي، أو قناة لضبط بعض التوازنات اللبنانية. وهذه العودة الوظيفية لا تقل خطورة عن الوصاية المباشرة، لأنها تعني أن لبنان لا يزال يُنظر إليه كملف يُدار عبر الآخرين لا كبلد يملك قراره.

 

لذا، لبنان قد يدخل مرحلة تتعدد فيها الوصايات بدلاً من أن تنتهي. وصاية إسرائيلية تحت عنوان الأمن. وصاية أميركية تحت عنوان الضمانات. وظيفة سورية محتملة تحت عنوان الضبط. وضغط داخلي مستمر ناتج عن سلاح خارج الدولة، ومؤسسات ضعيفة، وانقسام سياسي، واقتصاد منهك. ما ينتظر لبنان، إذن، ليس لحظة فاصلة بين الحرب والسلام، بل مرحلة طويلة من الالتباس... مرحلة تُدار فيها الجبهة بدلاً من أن تُحل، وتُراقَب فيها الدولة بدلاً من أن تُستعاد، وتُجزَّأ فيها السيادة بدلاً من أن تُثبت. إنها إدارة أمنية لبلد مكسور.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث