لبنان في مؤتمر هرتسليا: اتفاق على الورق وحزام أمني على الأرض

ياسر مناعالثلاثاء 2026/07/07
اتفاق الاطار
يفترض نجاح الاتفاق وجود دولة لبنانية قادرة على احتكار القرار الأمني (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

مثّلت المسألة اللبنانية أحد أبرز محاور مؤتمر هرتسليا الإسرائيلي الذي عقده معهد السياسات والاستراتيجية في جامعة رايخمان بين 30 حزيران - 1 تموز 2026، تحت عنوان: "بين الأمن القومي والمناعة القومية، هل نصل إلى بر آمن؟".

وجاء المؤتمر في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة إلى إسرائيل عقب الحرب على إيران وما فتحته من أسئلة حول موقعها الإقليمي وحدود قوتها ومع تصاعد التوتر في العلاقة مع الولايات المتحدة واقتراب انتخابات أعادت النقاش حول مستقبل حكومة بنيامين نتنياهو واتجاهات الدولة في المرحلة المقبلة.

وتنبع أهمية مؤتمر هرتسليا السنوي من موقعه في صياغة النقاش الإسرائيلي حول الأمن القومي، إذ يجمع في منصة واحدة سياسيين وعسكريين وخبراء أمنيين وأكاديميين وإعلاميين، بما يتيح قراءة توجهات النخب الإسرائيلية في التعامل مع التحديات الداخلية والتحولات الإقليمية.

 

لبنان ... إيران ... حزب الله

افتتح بوعاز غانور - رئيس جامعة رايخمان ومؤسس المعهد الدولي لمكافحة الإرهاب - النقاش المتصل بلبنان من زاوية الحرب الأخيرة ضد إيران، إذ قال إن هذه الحرب كشفت خللًا استراتيجيًا عميقًا في التفكير الإسرائيلي والأميركي؛ لأن الضوء الأخضر الأميركي للعمل العسكري لم يكن كافيًا ما دامت إسرائيل لم تحدد مسبقًا كيف ستنهي الحرب وما الأهداف التي تستطيع تحقيقها فعليًا.

ومن هذه القراءة الواسعة انتقل غانور إلى لبنان بوصفه ساحة استخدمتها إيران لإدارة الحرب من موقع غير مباشر، فقال إن طهران نجحت من دون حاجة إلى نصر عسكري مباشر؛ لأنها استخدمت التهديد بتعطيل مضيق هرمز والضغط الإقليمي لتقييد حرية العمل الإسرائيلية خصوصًا في لبنان، ولإضعاف ثقة دول الخليج بالاعتماد الكامل على القوة الأميركية الإسرائيلية. ثم دعا إسرائيل إلى الاستعداد لجولة جديدة مع إيران عبر تطوير الدفاع الجوي والليزر وتحضير الجبهة الداخلية والمخزونات الطارئة وإعادة فحص سياسة الردع وترميم التحالفات الإقليمية والدولية.

وجاءت مداخلة نفتالي بينيت - رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق - لتضع حزب الله ضمن صورة الجبهات المفتوحة بعد 7 أكتوبر، إذ قال إن إسرائيل تحتاج إلى الانتصار وإصلاح الدولة من أساسها، وذكر بعد ألف يوم على 7 أكتوبر أن حماس تعيد التسلح في الجنوب وأن حزب الله يتقوى ويهاجم الجنود الإسرائيليين ويهدد المواطنين، وأن النظام في طهران ما زال قائمًا، ومن هنا دعا إلى إضافة مبدأ خامس إلى العقيدة الأمنية الإسرائيلية إلى جانب الردع والإنذار والحسم والدفاع، وهو مبدأ "المبادرة" أو العمل النشط لتشكيل البيئة المحيطة بإسرائيل عسكريًا داخل أرض العدو وسياسيًا واقتصاديًا بأدوات أخرى.

وفي الاتجاه نفسه، قدّم أفيغدور ليبرمان - رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" ووزير الأمن الإسرائيلي سابقًا - صياغة أكثر مباشرة للعلاقة بين حزب الله ومستقبل التسوية مع لبنان، ويرى أن ما يفصل بين إسرائيل ولبنان وبين اتفاق سلام هو حزب الله وإن إسرائيل يجب أن تهزم الحزب عبر تنسيق إسرائيلي مع قوى لبنانية داخلية وأطراف إقليمية.

واستكمل عاموس جلعاد - المدير التنفيذي لمعهد السياسات والاستراتيجية ورئيس شعبة الاستخبارات سابقًا -، هذا الخط من خلال ربط لبنان بنمط عمل إيران عبر الوكلاء، إذ قال إن الجيش الإسرائيلي حقق إنجازات بارزة في إيران ولبنان وأضعف أعداء إسرائيل، كما أنه وضع لبنان ضمن نموذج القوى التي تستخدمها إيران لإضعاف الدول من الداخل، معتبرًا أن حزب الله أدى هذا الدور داخل لبنان وأن إيران توظف هذا النمط من العمل لتقويض الدول عبر قوى مسلحة مرتبطة بها.

 

اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل

بعد عرض لبنان كساحة مرتبطة بإيران وحزب الله، انتقلت مداخلات أخرى إلى اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل. حيث قدّم مايك هاكابي - السفير الأميركي لدى إسرائيل - الصياغة الأميركية الأوضح لهذا المسار، إذ قال إن الاتفاق الأخير بين إسرائيل ولبنان مثّل لحظة تاريخية؛ لأن أهم ما حدث فيه أن لبنان أقر بأنه ليس في حالة حرب مع إسرائيل، وأوضح أن إسرائيل لا ترى نفسها في حرب مع لبنان وأن لبنان يواجه مشكلة مع حزب الله. كما يرى أن إسرائيل تواجه المشكلة نفسها مع حزب الله لا مع الدولة اللبنانية واعتبر أن المحادثات الخمس التي عقدت في واشنطن خلقت دفئًا غير متوقع بين الوفدين، مستشهدًا بمشهد جمع جنرالًا إسرائيليًا وجنرالًا لبنانيًا في حديث مباشر وودي.

وتابع هاكابي عرض البعد الإقليمي للاتفاق، فرأى أن الاتفاق أبعد إيران عن النقاش بين إسرائيل ولبنان، وأن طهران لا تملك دورًا في هذا المسار ولا سببًا للتدخل فيه، وأشاد بما وصفه بشجاعة الحكومة اللبنانية ومثابرة الحكومة الإسرائيلية مع تأكيده أن الطريق لا زال طويلًا أمام نزع سلاح حزب الله وتفكيكه. وبذلك، قدّم الاتفاق بوصفه مسارًا يربط بين الحوار مع الدولة اللبنانية ومحاولة إخراج إيران من معادلة القرار في هذا الملف.

ومن داخل القراءة الإسرائيلية، قال تساحي هنغبي - مستشار الأمن القومي ورئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي سابقًا - إن الحرب على إيران حققت إنجازًا عسكريًا مهمًا غير أنها لم تتحول إلى اتفاق سياسي جديد، ورأى أن التقدم في لبنان عبر مسار سياسي أفضل من الاكتفاء بمزيد من القصف؛ لأن الاتفاق مع لبنان يقطع المحور بين لبنان وإيران ويمنح إسرائيل شرعية دولية يجب التمسك بها. ثم أوضح أن الاتفاق الحالي يختلف عن اتفاق تشرين الثاني/نوفمبر 2024؛ لأنه لا يقوم على شروط حزب الله ويخلق شرعية دولية مهمة لإسرائيل.

وعند تقييم مضمون الاتفاق وقدرته على الانتقال من النص إلى التنفيذ، قال تامير بارد  - رئيس الموساد سابقًا - إن الاتفاق ممتاز نظريًا وأن المشكلة الأساسية داخلية لبنانية؛ لأن حزب الله يمثل قوة داخلية واسعة مدعومة من شريحة كبيرة من السكان. وبالتالي، فإن المسار كان يجب أن يبدأ أولًا بتفاهم داخلي لبناني بين الدولة وحزب الله ثم ينتقل إلى ترتيب بين لبنان وإسرائيل.

وفي الإطار ذاته، قال عاموس جلعاد إن اتفاق لبنان جيد جدًا من حيث النص وشدد على أن لبنان لا يملك القدرة الفعلية على فرض سيادته ونزع قوة حزب الله، وربط هذا التقدير بموقع الحزب داخل لبنان وبحدود قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ ما يطلبه الاتفاق.

 

المناطق العازلة في جنوب لبنان

من سؤال الاتفاق انتقلت المداخلات إلى سؤال التنفيذ الميداني في جنوب لبنان، إذ يرى عاموس جلعاد أن إسرائيل ستبقى معتمدة على المناطق العازلة في جنوب لبنان، وأشار إلى أن حزب الله سيعرّف هذا المناطق كأرض محتلة ويستخدمها ذريعة للعمل ضد إسرائيل، ويعد ذلك مشكلة من مشاكل تنفيذ الاتفاق، بالإضافة إلى قدرة لبنان على فرض سيادته ونزع سلاح حزب الله.

في المقابل، تناول غادي آيزنكوت - رئيس حزب "يشار" ورئيس الأركان سابقًا - المسألة من زاوية العلاقة بين الإنجاز العسكري والنتيجة السياسية، ويرى أن بنيامين نتنياهو لم يحول الإنجازات العسكرية إلى نتائج سياسية، لا في غزة ولا في لبنان ولا في إيران ووصف الاتفاق اللبناني الأخير بأنه اتفاق إطار وتطور إيجابي.

وتابع آيزنكوت حديثه عن شروط التنفيذ في لبنان، إذ يعتقد أن حزب الله يسيطر بوضوح على لبنان وإن الحكومة اللبنانية لن تواجهه من دون ضغط خارجي أميركي وفرنسي ومتعدد الجنسيات، مع إبعاد إيران وتقوية الجيش اللبناني، وقد وضع هذا الكلام ضمن نقاش أوسع حول حاجة إسرائيل إلى ترجمة الإنجاز العسكري إلى نتائج سياسية وأمنية قابلة للتنفيذ. وفي ربط مباشر بين لبنان وساحات أخرى، قال آيزنكوت إن المناطق الأمنية التي نشأت في لبنان وسوريا وغزة يجب أن تستخدم كرافعة لتحقيق ترتيبات أمنية واضحة لا كوجود دائم.

 

في المحصلة، تبيّن مداخلات هرتسليا أن المقاربة الإسرائيلية للبنان تقوم على الجمع بين مسارين متوازيين: الأول، مسار سياسي يسعى إلى التعامل مع الدولة اللبنانية كعنوان تفاوضي مستقل عن إيران. والثاني، مسار أمني يحافظ على قدرة إسرائيل على العمل في جنوب لبنان.

 إلا أن هذه المقاربة تكشف عن معضلة جوهرية، إذ يفترض نجاح الاتفاق وجود دولة لبنانية قادرة على احتكار القرار الأمني وفرض سلطتها على الجنوب، في حين تنطلق معظم المداخلات من تقدير معاكس يرى أن الدولة اللبنانية لا تستطيع مواجهة حزب الله وحدها.

 لذلك، يظهر الاتفاق في القراءة الإسرائيلية كإطار لإدارة مرحلة انتقالية أكثر من كونه تسوية مكتملة حيث تراهن إسرائيل على الشرعية الأميركية والدولية لتقييد حزب الله سياسيًا وعلى الحزام الأمني لتقييده ميدانيًا. وتبقى قابلية هذا المسار للاستمرار مرتبطة بقدرته على نقل مركز الثقل من السيطرة العسكرية الإسرائيلية إلى سلطة لبنانية فعلية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث