بين علي الطاهر والكلام عن تفاوض جديد: دبلوماسيةٌ مفخَّخة

مانشيت - المدنالثلاثاء 2026/07/07
عون وسلام (رئاسة الجمهورية)
الضغط الإسرائيلي المتزايد على قائد الجيش العماد رودولف هيكل ليس منفصلًا عن الصراع. (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

ينحصر مأزق لبنان بين خطين متوازيين وشديدي التناقض. ففيما تترسخ الآليات الدبلوماسية لعقد جولات تفاوضية جديدة، تواصل تل أبيب فرض وقائع ميدانية استفزازية على الأرض، مستفيدة من تفسيراتها الخاصة لـ"اتفاق الإطار".
فقد أعلن سفير إسرائيل لدى واشنطن، يحيئيل ليتر، عن عقد الجولة السادسة من المفاوضات مع لبنان في روما على مستوى السفراء في 15 و16 تموز الجاري. ويترافق هذا المسار مع تحضيرات لزيارة رسمية يقوم بها رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن في 21 تموز للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ويسعى عون من خلال الزيارة إلى استعراض المعاناة اللبنانية منذ هدنة 1949، جازمًا في الوقت عينه برفض أي لقاء ثلاثي يجمعه ببنيامين نتنياهو في ظل استمرار استباحة الأراضي اللبنانية.
ودخلت طهران على خط المسار السياسي بوضوح، إذ ربط وزير خارجيتها عباس عراقجي بدء محادثات الاتفاق النهائي بوقف التهديدات الأميركية بناءً على البند 13 من مذكرة التفاهم. وتوازى ذلك مع معلومات تشير إلى رفض إيران استكمال المفاوضات ما لم تُفعَّل "خلية إسلام آباد" المعنية بمتابعة تطبيق وقف إطلاق النار.
وسط هذه المناخات، إسرائيل تصعد عملياتها. وعلى رغم إعلانها الاستعداد لبدء سحب قواتها من "المناطق التجريبية"، فقد عمد جيشها إلى رفع العلم الإسرائيلي فوق تلة علي الطاهر الإستراتيجية. وتزامن هذا الاستفزاز مع استمرار الخروقات الدموية، والتي كان آخرها في النبطية الفوقا أمس، فضلًا عن استمرار تفجير ونسف المنازل في بلدة عيترون الحدودية.
وإذ بحث رئيس الحكومة نواف سلام مع قائد الجيش رودولف هيكل الخطوات الميدانية التنفيذية اللوجستية لنشر القوات المسلحة في المناطق التجريبية، حذر الرئيس عون مجددًا من أن تعنت إسرائيل وبقاء احتلالها يقوض شرعية الدولة ويمنع انتشار الجيش، مشددًا على أن المفاوضات كانت الخيار الوحيد المتبقي لإعادة بسط سلطة الدولة الشرعية ونزع السلاح غير الشرعي، نافيًا بالكامل أي احتمال لعودة الحرب الأهلية أو الفتنة.
ويكشف التزامن بين إعلان جولة مفاوضات روما ورفع العلم الإسرائيلي فوق تلة علي الطاهر أن إسرائيل تمارس سياسة "التفاوض النار"، حيث تحاول قضم المكتسبات الميدانية وفرض شروطها الأمنية بالقوة قبل الجلوس على الطاولة. وهذا الواقع يضع الدولة اللبنانية في مأزق حرج: فهي مضطرة إلى السير في خيار التفاوض بوصفه الممر الإلزامي الوحيد لوقف النزيف وإنهاء الاحتلال، لكنها تواجه كلفة اقتصادية مباشرة تجاوزت 4 مليارات دولار من دون احتساب الأضرار الاقتصادية وغير المباشرة، كما قدرها وزير الإعلام بول مرقص، واعتراضًا سياسيًا داخليًا يقوده الحزب، إذ هاجم نوابه اليوم مجددًا "اتفاق الإطار"، معتبرين أنه يمنح تل أبيب ذريعة البقاء وحرية الحركة داخل الأراضي اللبنانية.

 

مفاوضاتٌ تحت سقف الاختلال الميدانيّ

لا تبدو الجولة السادسة المقرّرة في روما مجرّد محطة دبلوماسيّة إضافيّة، بقدر ما تمثّل اختبارًا لقدرة لبنان على منع تحويل التفاوض إلى غطاء سياسيّ لاحتلالٍ متدرّج. فإسرائيل تدخل المفاوضات من موقع الطرف الذي يحتفظ بالأرض، ويواصل الاغتيالات وعمليّات النسف، ثم يطالب الدولة اللبنانيّة بتقديم التزامات أمنيّة مسبقة قبل تنفيذ الانسحاب.

هذا الاختلال يمنح تل أبيب قدرةً على التحكّم بإيقاع المسار، إذ تربط كلّ خطوة انسحاب بخطوة لبنانيّة مقابلة، في حين لا يملك لبنان ضماناتٍ واضحة تفرض وقف الاعتداءات أو تحدّد مهلةً نهائيّة للانسحاب. وبذلك، يتحوّل "اتّفاق الإطار" من آليّةٍ يفترض أن تنهي الاحتلال إلى مساحةٍ رماديّة تسمح لإسرائيل بتوسيع تفسيرها لبنوده، وتأجيل استحقاقاتها، والإبقاء على حرّيّة الحركة العسكريّة.

من هنا، تكتسب زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن أهمّيّتها. فالرئيس لا يذهب فقط لعرض سجلّ الاعتداءات منذ هدنة عام 1949، بل لمحاولة نقل النقاش من الشروط الأمنيّة الإسرائيليّة إلى أصل المشكلة، أي استمرار الاحتلال وانتهاك السيادة. ورفضه لقاء بنيامين نتنياهو ليس تفصيلًا بروتوكوليًّا، بل رسالة مفادها أنّ التطبيع السياسيّ لا يمكن أن يسبق وقف العدوان والانسحاب.

 

طهران ترفع شروطها وتربط المسارات

دخول إيران على خطّ التفاوض يضيف طبقةً إقليميّة جديدة إلى الأزمة. فاشتراط وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي وقف التهديدات الأميركيّة والحرب على لبنان قبل بدء محادثات الاتّفاق النهائيّ يعني أنّ طهران لا تفصل الملفّ اللبنانيّ عن مواجهتها الأوسع مع واشنطن وتل أبيب.

كما أنّ الحديث عن رفض استكمال المفاوضات قبل تفعيل "خليّة إسلام آباد" يكشف سعي إيران إلى تثبيت مرجعيّة رقابيّة لا تكون فيها الولايات المتّحدة وإسرائيل الطرفين الأكثر تأثيرًا. وبالنسبة إلى حزب الله، تشكّل هذه المقاربة ضمانةً لتجنّب فرض ترتيباتٍ أمنيّة أحاديّة عليه، فيما تراها خصومه الداخليّون دليلًا إضافيًّا على ارتباط القرار اللبنانيّ بحساباتٍ إقليميّة تتجاوز مؤسّسات الدولة.

هنا تظهر المعضلة الحقيقيّة: لبنان يحتاج إلى دعمٍ خارجيّ لوقف الاعتداءات، لكنّ تعدّد المرجعيّات يحوّل أرضه إلى مساحة تفاوض بين القوى الكبرى. وكلّما ارتبط وقف النار بتسوياتٍ إيرانيّة، أميركيّة، أو إسرائيليّة، تقلّص هامش القرار اللبنانيّ المستقلّ.

 

الجيش في قلب معركة الشرعيّة

الضغط الإسرائيليّ المتزايد على قائد الجيش العماد رودولف هيكل ليس منفصلًا عن الصراع على شكل الدولة بعد الحرب. فالحملة الإعلاميّة الإسرائيليّة التي تتّهم الجيش بالتردّد في مواجهة حزب الله تهدف إلى فرض معيار إسرائيليّ لمهنيّة المؤسّسة العسكريّة، يقوم على تحويل الجيش إلى قوّةٍ تنفّذ الأولويّات الأمنيّة لتل أبيب.

وتحاول التقارير الإسرائيليّة التشكيك في تركيبة الجيش وانتماءات عناصره المذهبيّة، بما يضرب صورته الوطنيّة ويزرع الشكّ بين مكوّناته. الأخطر أنّ بعض هذه التقارير يطالب صراحةً بتغيير قيادة الجيش وإعادة النظر في انتشار وحداته جنوبًا، ما يشكّل تدخّلًا مباشرًا في بنية المؤسّسة العسكريّة اللبنانيّة.

في المقابل، لا يستطيع الجيش تنفيذ أيّ خطّة انتشارٍ جدّيّة في ظلّ بقاء الاحتلال واستمرار القصف. فالقول إنّ على الجيش نزع السلاح وتفكيك البنى العسكريّة قبل الانسحاب الإسرائيليّ يقلب ترتيب الأولويّات، ويضع الدولة في مواجهة داخليّة بينما تحتفظ إسرائيل بمواقعها وقدرتها على الضرب. لذلك، فإنّ نجاح الجيش يتطلّب تزامنًا واضحًا بين الانسحاب، وقف الاعتداءات، انتشار القوّات الشرعيّة، ومعالجة ملفّ السلاح ضمن قرارٍ وطنيّ لا ضمن إملاءٍ خارجيّ.

 

جنبلاط والانقسام على شروط التفاوض

اعتراض وليد جنبلاط على الصيغة المطروحة لـ"اتّفاق الإطار" يعكس خشيةً تتجاوز الاصطفافات التقليديّة. فهو لا يرفض مبدأ التفاوض، بل يحذّر من تفاوضٍ بلا ضماناتٍ ملزمة، ومن اتّفاق يربط الانسحاب الإسرائيليّ بسلسلة شروطٍ لبنانيّة مفتوحة، من دون تحديد سقفٍ زمنيّ واضح.

إعادة جنبلاط التذكير باتّفاقيّة الهدنة لعام 1949 تنطلق من محاولة استعادة مرجعيّة قانونيّة تعترف بحدود الصراع ومسؤوليّة إسرائيل عن خرقها، بدل الذهاب إلى ترتيباتٍ جديدة قد تمنح الاحتلال شرعيّةً تفاوضيّة لم يكن يملكها. كما أنّ وصفه الاتفاق بأنّه "أحاديّ" يعبّر عن القلق من اختلال ميزان القوّة بين دولةٍ لبنانيّة منهكة وطرفٍ إسرائيليّ يفاوض تحت النار.

وفي السياق نفسه، تأتي دعوة شيخ عقل طائفة الموحّدين الدروز الشيخ سامي أبي المنى إلى موقفٍ وطنيّ موحّد. فالمشكلة لا تكمن فقط في مضمون الاتّفاق، بل في طريقة إدارة الانقسام حوله. إذ إنّ التخوين المتبادل يضعف الموقف اللبنانيّ، ويمنح الخارج فرصةً لاستثمار الانقسامات وفرض الشروط.

 

احتكار السلاح بين الضرورة والاستغلال

تأكيد الرئيس عون أنّ قرار حصر السلاح سيُنفَّذ يحدّد وجهة الدولة، لكنّ التحدّي يكمن في التوقيت والآليّة. فحصر السلاح بيد المؤسّسات الشرعيّة مطلبٌ تأسيسيّ لأيّ دولة، إلّا أنّ إسرائيل تحاول استخدامه شرطًا مسبقًا للانسحاب، لا نتيجةً لمسار استعادة السيادة.

هذا الفارق جوهريّ. فلبنان يحتاج إلى معالجة السلاح خارج الدولة ضمن حوارٍ داخليّ وخطّة دفاعيّة متكاملة، لا عبر ضغطٍ عسكريّ إسرائيليّ يهدّد السلم الأهليّ. كما أنّ فرض المواجهة بين الجيش وحزب الله يقدّم لإسرائيل مكسبًا مزدوجًا، إضعاف المقاومة وإرباك المؤسّسة العسكريّة، فيما يبقى الاحتلال خارج دائرة المحاسبة.

لذلك، تبدو معادلة عون قائمةً على الجمع بين مسارين: انتزاع الانسحاب الإسرائيليّ وتعزيز سلطة الدولة. غير أنّ نجاح هذه المعادلة يحتاج إلى ضماناتٍ دوليّة صلبة، وإلى توافقٍ داخليّ يمنع تحويل حصر السلاح إلى عنوانٍ لصدامٍ مذهبيّ أو سياسيّ.

 

باريس ودمشق وإعادة رسم المجال الحدوديّ

تأكيد الرئيس السوريّ أحمد الشرع دعم استقرار لبنان وسيادته، بالتوازي مع مطالبة الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون بانسحاب إسرائيل وتسليم حزب الله سلاحه، يشير إلى محاولة بناء مقاربة إقليميّة جديدة تربط استقرار لبنان بضبط الحدود وتعزيز مؤسّسات الدولة.

ويحمل البحث في ترسيم الحدود اللبنانيّة السوريّة وتقديم الخرائط دلالةً تتجاوز البعد التقنيّ. فترسيم الحدود يحدّ من التداخل الأمنيّ، ويعزّز سيادة الدولتين، ويفتح الباب أمام معالجة ملفّات التهريب والمعابر غير الشرعيّة والنازحين. كما أنّ البحث في مرحلة ما بعد انتهاء مهمّة "اليونيفيل" يطرح سؤالًا عن الجهة التي ستملأ الفراغ، وعن قدرة الجيش اللبنانيّ على الانتشار من دون دعمٍ دوليّ مباشر.

لكنّ أيّ دور سوريّ يبقى محكومًا بحساسيّة الذاكرة اللبنانيّة، ولذلك تحرص فرنسا على تأكيد رفض التدخّل السوريّ في الشؤون الداخليّة، مقابل تشجيع التعاون الحدوديّ والمؤسّسيّ.

 

دولةٌ تفاوض على بقائها

ليست الأزمة الراهنة نزاعًا تقنيًّا على نقاط انتشار، بل معركة على تعريف السيادة اللبنانيّة. إسرائيل تريد سيادةً لبنانيّة منقوصة، تضبط الداخل ولا تقيّد الحركة الإسرائيليّة. وإيران تريد ضماناتٍ تمنع إقصاء نفوذها الإقليميّ. والولايات المتّحدة تسعى إلى ترتيباتٍ أمنيّة مستدامة لمصلحة إسرائيل. أمّا الدولة اللبنانيّة، فتحاول انتزاع مساحةٍ تسمح لها باستعادة الأرض وحصر السلاح ومنع الانهيار.

غير أنّ الكلفة الاقتصاديّة التي تتجاوز أربعة مليارات دولار، واستمرار القتل والتهجير وتدمير القرى، تجعل الوقت عاملًا ضاغطًا على لبنان أكثر من إسرائيل. ولذلك، تصبح الأولويّة منع تحوّل التفاوض إلى عمليّة استنزافٍ مفتوحة.

المطلوب ليس الانسحاب من المفاوضات، بل إعادة صياغة قواعدها، وقفٌ كامل للنار، مهلةٌ واضحة للانسحاب، رقابةٌ دوليّة متوازنة، وانتشارٌ متزامن للجيش. من دون ذلك، سيبقى "اتّفاق الإطار" عنوانًا لتفاوضٍ تديره إسرائيل بالنار، فيما يفاوض لبنان، عمليًّا، على حقّه في أن يبقى دولة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث